العراق: الاعدام الخاطئ اخلاقياً وتقنياً
خالد حسينالعراق: الاعدام الخاطئ اخلاقياً وتقنياًتم اعدام 54 شخصا في العراق خلال عام 2006 وكان آخرهم الرئيس السابق صدام حسين الذي أثار اعدامه استغراب العالم لسببين:1 ـ جري تنفيذ حكم الاعدام فجر عيد الاضحي (يوم عرفة عند البعض) مما أثار استنكار العرب والمسلمين الذين يحتفلون بهذا اليوم المقدس منذ 14 قرنا، وهو اليوم الذي فدي الله سبحانه وتعالي اسماعيل من الموت ذبحاً (وفديناه بذبح عظيم ـ العاقات آية 107) وكان الفداء دليل رضي الخالق ورعايته للنبي ابراهيم وابنه الصابر المستسلم للارادة الآلهية. ان قصة الذبح ترمز الي تحريم الديانات التوحيدية تقديم القرابين البشرية تحريما تاما. فهل تنفيذ حكم الاعدام بصدام في اول يوم العيد الكبير او عيد القربان كما يدعوه البعض كان مجرد صدفة!! اما من الناحية القانونية (وهي ناحية اخلاقية) اخري فلا يجيز او يسمح القانون العراقي للدولة بازهاق روح أي محكوم بالاعدام شنقا حتي الموت خلال يوم عطلته الاسبوعية (الجمعة للمسلمين والاحد للمسيحيين) او خلال فترة اعياده الدينية، او الاعياد الوطنية للعراق. كان من الواجب علي الحكومة العراقية احترام بنود القانون الذي يداس كل يوم في العراق الجديد ، كما داسه صدام خلال عهده الطويل.2 ـ ممارسة الاسلوب الاستفزازي الذي رافق عملية الاعدام والذي كشفته وسائل الاعلام وشاهده اكثر من ألف مليون شخص علي شاشات التلفزة (صحيفة ذي ميل اون صانداي ـ 31/12/2006).. فكان عملا مثيرا للاشمئزاز واعتبره العالم دليلا علي تأصل روح الانتقام والتشفي في النظام الجديد، مما يناقض مبدأ قانونيا مهما في كل دساتير العالم وهو ان انزال العقوبة بالمتهم وتنفيذها ليس لغرض الانتقام منه بل لتحقيق مبدأ العدالة في المجتمع! وقد ادركت الحكومة بؤس الصورة التي قدمتها للعالم فحاولت اصلاحها كما اوضح ذلك علي الدباغ الناطق باسم الحكومة العراقية في مؤتمره الصحافي بعد اعدام برزان بانه تم مراعاة كل الشروط واللوائح القانونية، حيث طلب من الحضور الالتزام بقواعد السلوك والانضباط الذي يفرضه القانون وهو اعتراف ضمني بما حدث من خروقات واهانات لصدام حين اعدامه، واذا تم اصلاح الامر في الاعدام الثاني حقا فهي خطوة جيدة في الاتجاه الصحيح خلال مسيرة اللاقانون واللانظام واللااخلاق التي يعيشها العراق منذ اربع سنوات وحتي اليوم! اما المحكمة ـ التي لا تملك من أمرها شيئا ـ فقد كانت لغزا أثار ألغازا وشكوكا منها:1 ـ استقالة احد القضاة احتجاجا علي تدخل اطراف عديدة ـ من خارج المحكمة ـ في سير اعمالها.2 ـ صدور قرار التجريم يوم 5/11/2006 بمناسبة انتخابات الكونغرس.. وهذا ايضا لم يكن صدفة ثانية (او اولي زمنيا) تصب في مصلحة الرئيس الامريكي الذي اطربه القرار ولكن لم ينقذ حزبه من الهزيمة في الانتخابات.3 ـ اغتيال ثلاثة من محامي المتهمين خلال فترة المحاكمة كان عجزا صارخا للمحكمة التي عليها ان توفر الحماية لهم باعتبار ذلك جزءا من واجباتها.4 ـ الأمر المثير للغرابة هو عدم اتمام محاكمة صدام عن الاتهامات المهمة التي تكال له والتي تدعي بمقتل مئات الوف العراقيين، فتم اسدال الستار واعدم صدام لاسباب لا يعلمها الا علام الغيوب، ومن المتربعين علي سدة الحكم في العراق وامريكا وبعد 16 يوما اثيرت ضجة جديدة عندما جاءت اخبار انفصال رأس برزان التكريتي عن جسمه خلال تنفيذ حكم الاعدام فيه، الأمر الذي دفع بعض الاطراف لطلب تحقيق دولي في ظروف الاعدام. الاكثر من ذلك اتهم زياد النجداوي ـ احد اعضاء فريق الدفاع عن صدام ـ الحكومة العراقية بقطع رأس برزان التكريتي بآلة حادة، ونافيا امكانية فصل الرأس عن الجسد شنقا!! مستشهدا بما ذكرته وكالة القدس برس بان هناك عظما صلبا ليس من السهولة ان يقطعه الحبل مهما كانت شدته وغلظته !! وفي الجانب الآخر أكد مدير معهد الطب العدلي في بغداد ان هذه الحالة ـ فصل الرأس عن الجسم تحدث للمرة الاولي في التاريخ (كذا) مضيفا انه لم يقرأ او يسمع مطلقا من قبل بانفصال رأس (الرأس) عن جسد المنفذ به الاعدام شنقا حتي الموت!! (كذا ثانية) ومما اثار عجبي واستغرابي ان يصرح رأس الاطباء الشرعيين في العراق لفضائية العراقية انه لا يوجد تفسير جلي لهذا الحدث سوي انها رغبة الله سبحانه لما ارتكبه (يعني برزان) من جرائم. حقا ان برزان التكريتي ارتكب كثيرا من الجرائم.. بل الكثير جدا، ولكن السيد المدير نسي ان الطبيب الشرعي ـ في أي مكان في العالم ـ ليس مسؤولا عن تقديم تفسير جلي لأي حدث يجهله، وعليه ان لا يستحي من القول انه لا يعرف، فالله تعالي لا يستحي من الحق، اما ان يقدم تفسيره لما حدث بانها لم تكن سوي رغبة الله تعالي فهو جرأة وتجديف في حق الذات الالهية، لانه ليس من بشر يعلم ما هي رغبة الخالق بعد انقطاع الوحي.اما الحالات المذكورة في حقل فصل الرأس عن الجسد فهي اكثر من ان نحصيها في حالات الشنق الانتحاري في كل ارجاء المعمورة، وهي خارج موضوعنا. اما لماذا انفصل رأس برزان التكريتي عن جسده حين الاعدام فيتطلب عرضا موجزا لطرق الاعدام شنقا منذ ان بدأت ممارسته في ايران قبل 2500 سنة ومنها انتشر الي بقية انحاء العالم.طرق الاعدام المعروفة حاليا اربع:1 ـ تعليق الجسم بدون ان يسقط في الفضاء او يسقط مسافة قليلة لا تتجاوز بضعة سنتيمترات في العادة. وبتأثير وزن الجسم وتشنجاته فستحكم عقدة (انشوطة) الحبل من ضغطها علي الرقبة مما تؤدي الي الموت خنقا. آلية الموت الاخري هي النهي العصبي (العصب التائه) وكذلك تحفيز الشريان السباتي في الرقبة.2 ـ الطريقة الثانية: ان يربط حبل الشنق برافعة. ترفع الجسم ببطء في الهواء قليلا او عاليا. تستعمل هذه الطريقة في ايران بعد الثورة الاسلامية، كما استعملتها حركة طالبان في افغانستان بربط الحبل بمدفع دبابة ورفع المدفع الأعلي. تتيح هذه الطريقة الفرصة لاكبر عدد من المشاهدين للنظر الي الجثة المعلقة وخاصة باستعمال الرافعة. ويحدث الموت لنفس اسباب الطريقة الاولي. وفي هاتين الطريقتين يحدث تضيق في اعضاء الرقبة ميكانيكيا لضغط الحبل عليها ويتم الموت بواحد او اكثر من ثلاث آليات.أ ـ انسداد شرايين الرقبة الرئيسية، ويكفي 3.5 كيلوغرام من قوة الضغط علي الرقبة بواسطة الحبل لسد الشرايين السباتية، و16 كيلوغراما لسد الشرايين الفقارية.ب ـ سد المجاري الهوائية بالتأثير المزدوج لضغط الحبل بين الغضروف الدرقي والعظم اللامي ودفع مؤخرة اللسان مما يسد البلعوم (وقد يبرز اللسان الي الامام).ج ـ توقف القلب بسبب النهي العصبي او تحفيز الشريان السباتي.3 ـ الطريقة الثالثة: وهو ان يتم سقوط الجسم المعلق (بفتح باب صغير تحت قدمي المعدوم) لمسافة محددة سابقا تتراوح بين 90 الي 180 سنتيمترا، ولا يؤخذ وزن الجسم بنظر الاعتبار. قد يحدث الموت بآليات مختلفة كالخنق المشروع سابقا، او بسبب تمزق الحبل الشوكي مع كسور او خلوع الفقرات العنقية (في العادة بين الاولي والثانية او الثانية والثالثة) او قد يحدث الموت بانفصال الرأس عن الجسد كلية حين السقوط.4 ـ وتشبه الطريقة السابقة ولكنها اكثر ضمانا في احداث تمزق الحبل الشوكي وهو هدف الشنق القضائي منذ اكثر من 120 عاما باحداث الموت السريع، وفيها تحسب المسافة المطلوبة لسقوط الجسم اعتمادا علي الوزن والبنية وبذلك يتم تحديد المسافة التي سيهبطها الجسم لغاية سنتيمتر واحد تقريبا حسب جداول خاصة بذلك اوجدتها بريطانيا منذ عام 1892 واتبعتها امريكا واستراليا وبلدان اوروبية اخري. الغرض من اتباع هذه الطريقة هي تجنيب المعدوم الشعور بالالم وباستبعاد احتمال الخنق الذي يحدث في الطريقتين الاولي والثانية وبعض حالات الطريقة الثالثة. في كل وسائل الشنق القضائي الاربع قد يستمر القلب في نبضه وكذلك قد يستمر التنفس الي حد 10 ـ 15 دقيقة وفي جميعها قد تلاحظ اضرار وتمزق في البعلوم وكسور عظام وغضاريف الرقبة مع سحجات وكدمات متنوعة.عاملان اساسيان يؤديان الي فصل الرأس عن الجسد حين تنفيذ الاعدام وهما:1 ـ سمك الحبل: سمك الحبل عامل رئيسي في توزيع قوة الهبوط علي الرقبة. الحبل الرفيع اكثر خطرا لان القوة ستتوزع علي مساحة صغيرة، اما الحبل الاكثر سمكا فسيوزع قوة السحب علي مساحة اكبر وبذلك يقل احتمال انفصال الرأس.2 ـ طول الحبل (عمليا يعني المسافة التي سيقطعها الجسم من لحظة سقوطه وحتي توقفه) ويعتمد تقرير طول الحبل علي وزن الجسم وبنيته حسب الجداول المذكورة سابقا والمعدة لهذا الغرض. والغريب ان جريدة التايمز البريطانية (16/1/2007) ذكرت ان القائمين بعملية الشنق في العراق قد درسوا تقنيات الشنق القضائي التي وضع قواعدها واصولها جلادو بريطانيا واتقنوها ممارسة لغاية الغاء عقوبة الاعدام فيما قبل حوالي نصف قرن. وتضيف الجريدة واذا كان ذلك صحيحا فان قطع رأس برزان التكريتي (شنقا!!) قد بث الرعب في نفس الجلاد البريطاني نتيجة الفشل الذي حدث في عملية الاعدام .ما هي مواصفات الحبل الذي استعمل في شنق برزان؟ لا احد يعرف ذلك عدا القائمين بأمر الاعدام او ذوي العلاقة ـ اما الحبل الذي استعمل في اعدام صدام فهو مصنوع حسب مواصفات الجيش الامريكي، وتتكون انشوطته (عقدته) من سبع لفات وهو بسمك سنتيمترين ومصنوع من القنب الهندي. وسيظل انفصال رأس برزان التكريتي لغزا (من ناحية طبية شرعية) لعدم توفر اي معلومات عن الحبل ونوع مادته، وسمكه، والاهم من ذلك طوله (المسافة بين الرقبة وحتي وقوف الجسم) وظروف الحادث بأجمعه ولا يستبعد الاهمال، مقصودا كان او غير مقصود.ومن الجدير بالذكر ان البرت بيير بوينت اشهر جلاد (عشماوي) في بريطانيا خلال القرن العشرين (نشر مذكراته فلاقت رواجا كبيرا وتم اخراج فيلم عن حياته ومهنته) قال بعد تقاعده سنة 1956 عقوبة الاعدام بنظري لا تحقق شيئا سوي الانتقام فما الذي حققه اعدام صدام ورفيقيه.. في عراق يغوص في بحور الدم بعمق اكثر كل يوم؟9