بغداد ـ «القدس العربي» ـ ووكالات: تناقل مدوّنون في العاصمة الاتحادية بغداد، لحظة «مرح» شاب وهو يركض وسط نهر دجلة، قبل أن يستلقي على بضع سنتمترات من المياه، متسائلين «أين المياه؟»، فيما أكدت وزارة الموارد المائية الاتحادية أنها تدفع بالحدّ الأدنى من المياه للأنهر، لمنع هدرها، وسط تعمّق أزمة شحّ المياه في «بلاد الرافدين».
وقال مستشار وزير الموارد المائية، عون ذياب، لوسائل إعلام حكومية، إن «ما ظهر من مقطع فيديو يشير إلى حركة شاب مع ظهور شح بمياه نهر دجلة تم استغلاله، والحقيقة تشير إلى أن تدفقات النهر ببغداد تصل إلى 400 م3 في الثانية وهي كمية كبيرة للغاية».
مدوّنون يوثقون قصة شاب عراقي «يركض» وسط نهر دجلة ببغداد: أين المياه؟
وأضاف أن «الوزارة تدفع بالحد الأدنى من المياه للأنهار بهدف تحقيق أكبر استفادة من المياه المتدفقة لخزنها ومنع هدرها، وأيضاً حالياً الحاجة تقل للتدفق لأن موسم الحصاد بدأ ما عدا الحاجة لتوفيرها للخضر والبساتين».
وأكد أن «التدفق الحالي يوفر كميات مناسبة ويصل لحدود البصرة مع ميسان بحدود 80م3 بهدف منع تغلغل المد الملحي من الخليج، وهذه التدفقات هدفها تأمين خزين لاحتياجات الصيف». وحول حصص المياه من دول الجوار، أكد ذياب: «وجود تفاهمات مستمرة مع تركيا، ونعتقد أن هناك وفداً منها سيزور العراق قريباً لغرض التباحث وتحديد حصص دجلة والفرات».
وأضاف: «أما مع إيران فقد تم تحويل مجريات 6 أنهر من قبلها وقطع مياهها بالكامل كانت تورد ديالى بالمياه، وتم إعداد ملف ورفعه للأمانة العامة لمجلس الوزراء لتحريكه دبلوماسياً، ووصلنا لهذه النتيجة لأن طهران لم تستجب لطلباتنا بعقد حوار فني للتباحث في الموضوع».
وحول مشكلة جفاف البحيرات، أوضح ذياب أن «جفاف بحيرة ساوة حالة خاصة لأنها لا تعتمد على مصدر مياه غير المياه الجوفية، وتم استغلال مياهها من قبل مستثمرين بشكل استنزفها بدون موافقة وزارة الموارد».
إلى ذلك، ينظر المزارع كامل حامد، بخشية وقلق، إلى حقول الحنطة الذهبية المتمايلة في وسط العراق، فهذا العام تراجع محصول الرجل الخمسيني إلى النصف بسبب الجفاف ونقص المياه.
وكأنّ الجفاف وحده لا يكفي، جاءت الحرب في أوكرانيا وارتفاع أسعار الوقود والبذور والأسمدة لتلقي بظلالها منذ فبراير، على القطاع الزراعي في العراق مع ارتفاع تكاليف الإنتاج.
ويقول الرجل الذي ارتدى ثوباً تقليدياً أبيض وكوفية، قرب قرية جليحة: «حالياً يوجد جفاف غير طبيعي، حتى الآبار غير موجودة، تخرج منها مياه مالحة»، حسب «فرانس برس».
وكما كل المزارعين في العراق، يتبع حامد توجيهات السلطات التي تشتري حبوبهم، وهي تحدّد المساحات التي ستتم زراعتها في كل محافظة ونسب الريّ، استناداً إلى كمية الاحتياطات المائية والأمطار.
وهذا العام وبسبب النقص في المياه، قرر العراق تخفيض مساحاته المزروعة إلى النصف، وبالتالي تراجعت كمية المحاصيل.
وكان حامد قد زرع ربع المئة دونم زراعي من الأرض التي يملكها، حيث تجول في حقله آلة الحصاد ذهاباً وإياباً لقطع النباتات الناضجة، ثمّ تُجري الحبوب في ظهر شاحنة.
ويقول المزارع البالغ من العمر 53 عاماً: «السنة لم يوفر الدونم حتى 500 كيلوغرام» من الحنطة، فيما كان في المواسم السابقة يوفّر طنّاً واحداً.
ويدرك الرجل أيضاً مدى تأثير الحرب في أوكرانيا على وضع المزارعين العراقيين، ويقول إنها «أثّرت على ارتفاع أسعار زيت المحركات في الأسواق المحلية، وهذا ما أضاف عبئاً مالياً آخر على المزارعين».
كلّ هذه العوامل تضع الرجل في حيرة، ويقول: «لا أعرف كيف سأؤمن قوت عائلتي. ليس عندي راتب أو عمل. أين أذهب؟».
ويظلّ الشح في المياه العامل الرئيسي في إرهاق القطاع الزراعي العراقي، وسكان البلاد البالغ عددهم 41 مليوناً.
فهؤلاء يشعرون رويداً بتأثير التغير المناخي على حياتهم، بدءاً من التصحر، والعواصف الترابية المتكررة، وتراجع المتساقطات، وانخفاض مستويات الأنهر.
وتعدّ قضية المياه أيضاً مسألة استراتيجية مهمة، فالعراق يتشارك مياه نهريه التاريخيين، دجلة والفرات، مع كلّ من تركيا وسوريا وإيران، فيما تندّد بغداد مراراً بتعمير جيرانها للسدود، ما يخفّض من حصتها.
يمرّ نهر الفرات في محافظة الديوانية حيث تقع قرية جليحة، ويغذّيها بـ180 متراً مكعباً من المياه في الثانية. لكن هذا الموسم، كما يوضح رئيس جمعيات مستخدمي المياه هاني شعير، «وصلت إلى 80 متراً مكعباً بالثانية».
ويتجلى هذا الجفاف بتراجع مياه مشروع الثريمة الإروائي، الذي يغذّي مساحة 200 ألف دونم زراعي. فبعض جداول المياه جفّت بالكامل.
ويندد شعير بغياب الحلول من الدولة، فوزارة الزراعة لم توفر هذا العام سوى 5 كيلوغرامات من السماد مقابل 40 كيلوغراماً في السنوات السابقة.
ويضيف أنه في ظلّ هذه الظروف القاسية «الفلاح سوف يهاجر، سيترك الأرض ويذهب إلى المدينة بحثاً عن أي عمل».
ومن جهته، تطرق المتحدّث باسم وزارة الزراعة حميد النايف، إلى رفع السلطات لأسعار بيع الحنطة لتدفع إلى المزارعين نحو 500 دولار مقابل الطنّ.
ويشرح بدوره مدير زراعة الديوانية حسن الوائلي لـ»فرانس برس»، أنه خلال الأعوام 2019 و2020، وصلت كمية الحنطة التي جرى إنتاجها إلى 5 ملايين طن، ما ضمن «الاكتفاء» الذاتي للعراق من هذا المنتج الحيوي.
لكن هذا الموسم، يشرح الوائلي، أنه «بسبب هذه التغيرات وشح المياه والتغيرات المناخية… كل ذلك أدى إلى تخفيض الخطة الزراعية بنسبة 50٪».
ويُتوقّع أن تنتج البلاد بين 2.5 إلى 3 ملايين طن من الحنطة. ويقول النايف: «إنتاج ثلاثة ملايين لا يكفي لسنة كاملة للعراقيين»، مضيفاً: «سنحتاج للاستيراد».
وسيتأثر العراق كذلك بتقلبات السوق العالمية وارتفاع الأسعار بسبب الحرب في أوكرانيا، على الرغم من أن بغداد تستورد الحنطة من كندا وأستراليا والولايات المتحدة.
ويشرح النايف: «مع تسارع الحرب الروسية الأوكرانية، ترتفع الأسعار حتى في الولايات المتحدة والدول الأخرى، (على خلفية) العرض والطلب»، فالدول التي كانت تشتري حنطتها عادة من روسيا وأوكرانيا تتجه للاستيراد من الدول الأخرى.
في حقله في جليحة، يتساءل أحمد الجليحاوي عما إذا اتخذ القرار الصحيح بامتهان الزراعة وترك الدراسة. وفي هذا الصدد يقول الفلاح الثلاثيني: «تركت الدراسة وتوجهت إلى الفلاحة»، لكن «هذا العام الزراعة كانت صفراً».
وسوّق العام الماضي 500 طن من الحنطة، أما هذا العام فلن يتجاوز إنتاجه ما بين 50 إلى 75 طناً. وبسبب الحرب في أوكرانيا، ارتفعت أسعار الأسمدة ومضادات الحشرات.
ويضيف: «مع قلة الإنتاج لهذا العام، من المحتمل ألّا نتمكن من الزراعة في العام القادم والمواسم التي تليه، لا سيما بسبب ارتفاع الأسعار».