بغداد ـ «القدس العربي»: ازدادت، الانتقادات الموجهة للحكومة العراقية، ووزارة الصحة، حدّة في الآونة الأخيرة، بعد ارتفاع عدد حالات الإصابة بوباء كورونا، في عموم مدن البلاد، تزامناً مع «تردٍ» في الخدمات الطبية والإجراءات الصحية.
وتفتقر المؤسسات الصحية العراقية أبسط المقومات الأساسية، نتيجة تراكمات الحكومات المتعاقبة، التي لم تول القطاع الصحي، كما بقية القطاعات الأخرى، أي اهتمامٍ يُذكر، رغم إنفاق مليارات الدولارات على هذا القطاع الأساسي لحياة المواطنين، حسب مراقبين.
وحمّلت مفوضية حقوق الإنسان (رسمية)، أمس، الحكومات المتعاقبة في العراق، مسؤولية تردي الواقع الصحي في البلاد.
وقال عضو المفوضية، علي البياتي، في بيان صحافي، إن للمفوضية العليا لحقوق الإنسان في العراق دور في مراقبة الواقع الإنساني والصحي في العراق، وخاصة وقت الأزمات وكيفية تعاطي الجهات المعنية بالصحة مع جائحة كورونا، وأيضاً استجابة المواطنين وأهم التحديات.
ونوه إلى ما أشارت إليه المفوضية في تقاريرها الرسمية في متابعة الحق في الصحة وما يعانيه القطاع الصحي من تراكمات واخفاقات في تقديم الخدمة الصحية للمواطن، بسبب «قلة أعداد المؤسسات الطبية وسوء توزيعها حسب المساحة السكانية وأعداد المستفيدين من خدماتها والنقص الملاحظ في الجوانب المالية والبشرية والذي أثر بالسلب عليها».
الحق في الصحة
ولفت إلى «عدم اهتمام الحكومات المتعاقبة بالحق في الصحة كحق أساسي»، مستشهداً بعدد من التقارير الرصدية التي وثقت حالات مرافقة لأزمة كورونا، «مثل الوصمة الاجتماعية والتي كانت سبباً للعزوف من قبل بعض العوائل عن مراجعة المؤسسات الصحية والتشخيص والعلاج». وزاد: «أثر التوعية والتثقيف والدور الحقيقي للمجتمع المدني في تغيير الكثير من المفاهيم وتوعية المجتمع والتركيز على المصادر الدقيقة للمعلومات والأخبار، بالإضافة إلى الطرق الصحيحة للتعامل مع المصابين والمحتمل إصابتهم، كذلك تعامل المواطنين فيما بينهم في تقديم المساعدة وإبداء النصح».
وأعلنت وزارة الصحة في بيان، أمس الخميس، تسجيل 110 وفيات وألفين و184 إصابة بفيروس كورونا.
وأوضحت أن محصلة الإصابات ارتفعت إلى 53 ألفاً و708، بينها ألفان و160 وفاة، و27 ألفاً و912 حالة تعاف.
أما الحكومة العراقية، فأخلت مسؤوليتها عن تدهور الواقع الصحي في العراق، محمّلة الحكومات السابقة مسؤولية ذلك.
والتقى رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، أول أمس، رئيس وأعضاء لجنة الصحة والبيئة البرلمانية.
ووفقاً لبيان حكومي، فإن الكاظمي أكد أهمية «تكامل الجهود بين الحكومة والبرلمان في مواجهة جائحة كورونا»، مشيرا إلى أن «سوء التخطيط وتدهور النظام الصحي، كنتيجة مباشرة لسوء الإدارة المتراكم قد زاد من أثر الجائحة ووطأتها على المواطنين».
ونقل عن الكاظمي قوله، إن «اللجنة العليا للصحة والسلامة الوطنية ستشهد تعزيزاً بخبرات الأطباء وأصحاب الاختصاص لتقديم رؤيتهم العلمية المعزّزة للجهود الحالية».
وأضاف: «نتابع يومياً، وعلى مدار الساعة، جميع تفاصيل المواجهة والجهود الوطنية للحدّ من آثار الجائحة، كما نعقد الاجتماعات المتواصلة في سبيل تذليل أي عقبة قد تطرأ في طريق علاج المصابين، ولأجل الحدّ من انتشار المرض».
وزاد: «الجهاز الحكومي يعمل بكلّ ما لديه من جهد وتنسيق متكاملين، لأجل دعم احتياجات وزارة الصحة، ولأجل تمكين الملاكات الصحية والطبية من تقديم خدماتها، بعد أن أبدت هذه الملاكات أداءً قلّ نظيره في التفاني لأداء الواجب، رغم كلّ التحديات والصعوبات وقلّة الإمدادات».
وأكد أن «الأزمة المالية والاقتصادية فرضت تحدياً جديداً مضافاً على جهود مواجهة الجائحة، إلّا أنها فرصة لتقوية العزيمة الصلبة التي يواجه بها العراقيون أزمتهم، مثلما هي ساحة حقيقية لمواجهة سوء الإدارة والفساد، وعزله ومنعه من الاستمرار في هدر جهود المخلصين، الذين عاهدوا أنفسهم وشعبهم على أن يبذلوا أقصى الجهود الممكنة».
وتشترك وزارة المالية الاتحادية في أزمة «سوء الإدارة»، في ظل انتشار وباء كورونا، إذ حمّل نائب رئيس البرلمان، حسن الكعبي، وزارة المالية، مسؤولية ارتفاع الوفيات بفيروس كورونا في عموم البلاد، مبيناً أن الوزارة خصصت 50 مليار دينار (41 مليون و600 ألف دولار) بعد فوات الآوان.
الكاظمي ينأى بحكومته ويحمل الإدارات المتعاقبة المسؤولية
وذكر المكتب الإعلامي للكعبي في بيان، أن «النائب الأول لرئيس مجلس النواب، رئيس خلية الأزمة النيابية، عبر عن استغرابه الشديد من قيام وزارة المالية بتخصيص 50 مليار دينار إلى وزارة الصحة لمواجهة فيروس كورونا بعد فوات الأوان ووفاة المئات من أبناء شعبنا العزيز جراء نقص الاأكسجين وعدم توفر الأسرة والمستلزمات الدوائية والعدد الطبية اللازمة في مستشفيات البلاد».
واعتبر أن «التسويف والمماطلة في تأخير الاستجابة للمطالبات المتكررة لخلية الأزمة النيابية من قبل وزير المالية والكادر المتقدم في الوزارة، وعدم تمويل وزارة الصحة بالأموال الكافية لمواجهة وباء كورونا وسد النقص الحاصل في التجهيزات الصحية والدوائية والطبية، كان أحد الأسباب المباشرة لارتفاع الاصابات والوفيات بهذا الفيروس في بغداد وعموم المحافظات».
ولم يكن «التخبط الإداري» وحده السبب في تفشي وباء كورونا، وتدهور عمل المؤسسات الصحية في العراق في ظل الأزمة الحالية، بل إن «الفساد المالي» المستشري في المؤسسة الصحية، وبقية مؤسسات الدولة، يعدّ أحد أهم الأسباب أيضاً. هيئة النزاهة الاتحادية، كشفت مؤخراً، عن شبهات «تزويرٍ واختلاسٍ» في مديريَّة صحَّة ذي قار، التي مثلت نموذجاً للواقع الصحي المتدهور في العراق خلال الأيام الماضية، بعد نقص الأوكسجين وعدم القدرة على احتواء المصابين بالوباء، والتعامل مع مرافقيهم «المسلحين».
وجاء في بيان للهيئة، أول أمس، أن «دائرة التحقيقات في الهيئة، وفي معرض حديثها عن تفاصيل عمليَّة الضبط التي تمَّت بموجب مُذكَّرةٍ قضائيَّةٍ، أفادت بتمكُّن الفريق الميدانيِّ المُختصِّ في مكتب تحقيق الهيئة بالمحافظة من ضبط أوليَّات الصكوك المُزوَّرة وسندات صرفها، فضلاً عن كشف الحساب الخاصِّ بها في مستشفى سوق الشيوخ»، مُبيِّـنا أنَّ «تحرِّيات الفريق الأوليَّة قادت إلى إقدام مُوظَّف حسابات المستشفى على تزوير تلك الصكوك وسندات صرفها».
وأضاف أن «أقوال الشهود من أعضاء لجنة الجرد والتسليم المُؤلَّفة في المستشفى، بيَّـنت اعتراف المُتَّهم بعمليَّة التزوير والاختلاس لثلاثة صكوكٍ تمَّ صرفها وتسلُّمها من قبل المُتَّهم عن طريق فرع أحد المصارف الحكوميَّة في المحافظة، وللمُدَّة من 1/2 ـ 30/4/2020، وحسب ما ثُبِّت في محضر اللجنة التحقيقيَّـة التي صادق عليه المدير العامُّ لصحَّة المحافظة».
وأشار إلى أن «مكتب تحقيق الهيئة في المحافظة أكمل الإجراءات التحقيقيَّة وعرض أوراقها أمام قاضي التحقيق المُختصِّ الذي قرَّر إصدار أمر قبضٍ وتحرٍّ بحقِّ المُتَّهم وفق أحكام المادَّة (316) من قانون العقوبات العراقي».
نظام صحي متهالك
وكان النائب المستقل في البرلمان العراقي، كاظم الصيادي، قال في «تدوينة» على حسابه في موقع «تويتر»، إن «النظام الصحي في العراق متهالك والمستشفيات أصبحت مقابر بسبب سوء الخدمات وإصابة معظم الكوادر العاملة في المجال الصحي».
وأضاف أن «الوزارة تحكمها الأحزاب وتسيطر على كامل مفاصلها تماما، لذلك من الطبيعي جدا أن تظهر رائحة الفساد في هذه الوزارة في وقت الأزمات». وختم بالقول إن «أزمة كورونا هي خير مثال». كذلك، هاجم محافظ نينوى الأسبق، أثيل النجيفي، إدارة صحة محافظة نينوى، وقال إنها بحاجة لقيادة بمستوى قائد فيلق في المفهوم العسكري.
وذكر في «تدوينة» له، بأن «صحة نينوى تضم 27 ألف منتسب ولن يتمكن من إدارتها طبيب كل مؤهلاته الإدارية تقاسمه الغنائم مع نائب أو كتلة سياسية، وبعبارة أخرى تحتاج لمؤهلات قيادة بمستوى قائد فيلق بالمفهوم العسكري».
وأضاف: «أما الإصرار على المحاصصة والتمسك بالضعيف في ظل الجائحة فتعني التفريط بصحة 4 ملايين مواطن».
في السياق، تسلل الوباء القاتل إلى السجون العراقية، الأمر الذي دفع النائب محمد الكربولي إلى المطالبة بإطلاق سراح السجناء «غير المصابين بفيروس كورونا».
وذكر في «تدوينة»، أن «أعداد المصابين بكورونا في السجون تتصاعد بشكل كارثي، وعلى الحكومة الاستجابة لدعوة مدير عام صحة الكرخ بشكل عاجل وتطلق سراح غير المصابين لحين انتهاء الوباء».
وأضاف، أن «كل من يساهم في عرقلة ذلك يكون مسؤولا عن إزهاق أرواح السجناء».
وأمس الخميس، قدم مدير صحة الكرخ جاسب الحجامي، مقترحا بعد تسجيل إصابات بكورونا في السجون.
وقال، في بيان، إن «نظراً لتسجيل إصابات باستمرار بمرض فيروس كورونا في السجون، اقترح على أصحاب القرار إصدار أمر بخروج الذين لا يشكل خروجهم ضرراً على المجتمع».
وأضاف: «على أن يخرجوا بكفالة مناسبة ثم تتم إعادتهم لإكمال مدة محكوميتهم بعد انقضاء الجائحة».