العراق بعد كل نكبة: من سوف يسرق مستقبله ثانية؟

حجم الخط
0

مطاع صفدي لا يحتفل الرئيس أوباما بإنهاء حرب أمريكا في العراق. لا يستطيع أن يدّعي انتصاراً عسكرياً، على طريقة سلفه بوش الصغير. لكن له احتفاله الذاتي الذي يخص به نفسه، من حيث أنه أوفى بالعهد الذي قطعه أمام جمهور ناخبيه عندما كان مرشحاً للرئاسة، في أن يُخرج أمريكا من كارثتها في العراق، كشرط لتجاوز الأزمة الاقتصادية التي تُزعزع أركان الإمبراطورية من داخل هيكلها. لكن من يصدّق حقاً أن الجلاء العسكري، غير المكتمل بعد، عن بلاد الرافدين سيتبعه جلاء النفوذ السياسي والاستخباري والاقتصادي. إذا كان الأول منظوراً بعسكره ودباباته، فلن يكون الثاني مرصوداً أو منتظراً إلا مع استعادة العراق وحدته وحريته الحقيقية. فالمسافة شاسعة إذن ما بين الجلاءين، ولا يزال العراق الأصيل ضائعاً، غارقاً تحت عراق الاحتلال و(إنجازاته). ما يسمى بأزمة المسيرة السياسية المستحكمة، يختصر مجموع العاهات والتشوهات التي بذرها وغذاها وباء الفساد والإفساد الأمريكي أينما حلَّ وأقام أو ارتحل.

السنوات السبع العجاف الماضية من عمر الاستبداد العسكري، كشفت عن العبقرية الخارقة للاستعمار الجديد، في ترجمة التسلط إلى آلة جبّارة لإنتاج أقذر أنواع الشرور الجمعية الفتاكة، المدمرة لأعمق خلايا الحياة للمجتمع المقهور. أمريكا هي صاحبة هذا الاختراع تحت علامته الفارقة في كون أن استعمارها لا يجهز على ضحيته دفعة واحدة، لكنه يجعلها تكرر قتل نفسها بنفسها؛ فالعراق المحرر افتراضياً من كابوس الاحتلال العسكري، كيف يمكنه أن يعيد جمع أشلائه. سؤال استعادة الوجود الضائع هو أشقّ من سؤال ولادته الأصلية. ومع ذلك يبقى الرهان على انتهاض إرادة الحياة مجدداً، إيماناً بان الأمة التاريخية هي المالكة لذخيرة مستقبل أفضل، متجاوز لحاضر بائس أو متهالك.

حاول الاحتلال الأمريكي أن يكرر الغزو الصهيوني لفلسطين. أن يقسّم شعب العراق إلى المجاميع المتنافرة التي ستشهد على بعضها غزوات الإبادة المتبادلة، لم يأت بشعب غازٍ من وراء البحار لكنه حوّل العراق إلى شعبويات متقاتلة فيما بينها في حاجة إلى قوة أخرى تضبطها، تهبط فوقها من علٍ، تبرمج جولات التقاتل والتهادن. فمن يقول ان الاحتلال فشل في تحقيق غاياته فاضطر أخيراً إلى الانسحاب، ذلك وهم وانخداع بالظاهر وحده. فالعراق بعد جلاء العسكر الأجنبي، أمسى مُحتَلاًّ بشعبوياته الأهلوية تلك المتناسلة من بعضها، والمنعكسة على مقومات المجتمع، المزعزعة بفضل أعنف تجارب الأهوال التي ابتُليَ بها سبعَ سنواتٍ عجاف، كانت خلالها مدَنية العراق المكتسبة منذ آلاف السنوات، هي الضحية الأولى، بعد إنسانه المبدع الذي أضحى ذكرى منسية بين فرسان العصبيات والمقتلات واللصوصيات بأرقامها القياسية. هذه الرموز الكالحة أضحت هي أبطال الساحة الأخيرة، الممسكون ببهلوانيات (العملية السياسية) التي لا بد لها أن تواجه مصيرها المحتوم. بعد جلاء الاحتلال لا بد أن تجلو هذه العملية السياسية العقيمة وراءه.

تبدأ سلامة العراق مع ذاته، عندما يستعيد شعبُه وحدتَه الثقافية في عين أجياله الجديدة الصاعدة. فليست الانتماءات الطارئة للهويات الفرعية سوى الطريق المحفوف بأشواك التجربة المُرَّة التي ذاقها كل فريق على طريقته خلال محنة الاحتلال. هذه الانتماءات المصطنعة هي الجاذبة لمختلف التدخلات مما وراء حدود البلد. وإذا كان لإيران ثمة أدوار أخرى ستلعبها بعد الجلاء العسكري الأمريكي، ينبغي لها ألا تغدو أدواراً لاحتلال مدني آخر؛ فالعراق الحر المستقل هو أفضل جار كبير عربي لإيران، يساعدها في الانفتاح المجتمعي والإنساني على العمق العربي، إن استطاع عقلاء الثورة الخُمَيْنيّة أن يعيدوا اكتشاف طريقها المستقيم إلى الشراكة الإيجابية في بناء عصر الحداثة والقوة للنهضة العربية الإسلامية الشاملة، مع بقية أعضائها المؤسسين التاريخيين، لا أن تكون هي البديل الوحيد عن هؤلاء جميعاً.

يجري كل هذا، في الوقت الذي أخذت فيه الإمبراطورية الأمريكية المتهالكة، تتلبَّس عقلَ وكيان إمبراطورية صهيونية صاعدة، متربعة على عرش القارة العربية الإسلامية؛ هذا التحول الإمبراطوري المزدوج يراهن على ما تبقى له من أسلحة التدمير الذاتي، في تفتيت قوى هذه النهضة، في الحطّ بها إلى مستوى شعبويات عصورها الوسطية المظلمة.

أخطر غزو إمبراطوري، ليس بالجيوش القاهرة وحدها، ولكن بتحويل جيوش الخصم، أي (إمكانياته)، إلى مجرد أشباح تقاتل بعضها بالسيوف الخشبية الصدئة، العتيقة إياها. أملاً بحرمان النهضة العربية الإسلامية لذاتها من إنتاج عصرها التنويري، كأن يتبنى الاجتماع النهضوي الاختيار المذهبي، بديلاً عن الاختيار بين التخلف والتقدم، بين العبودية والتقليد، أهلوياً أو أجنبياً، وبين التحرر الفردي والجماعي.

ليست المشكلة في أن يكون الإنسان النهضوي سنيّاً أو شيعياً، ولكن في أن يكون مواطناً واعياً لحقوق المواطن له وللآخرين وواجباتهم جميعاً إزاء بعضهم. فمن المحزن حقاً أن يُختزل اسمُ الثورة الأشمل إلى مضمون الاتباعية المذهبية، مهما كانت صدقية الاعتقاد بالمعاني الغيبية، لهذه النزعة دون سواها؛ فقد أصبح مستقبل العراق بعد الاحتلال الأمريكي مهدداً باحتلالات عديدة من قبل الشعبويات المتنافسة على السلطة، بقيادة زعامات أفرزتها (العملية السياسية) إياها، التي أرادها الأمريكي أن تنوب عنه بعد رحيله، في الحفاظ على نموذج الشخصية المفروضة على العراق بقوة الطغيان؛ هكذا سوف تأخذ سلطة الشعبويات هذه على عاتقها، مهمّة الإعاقة الذاتية المستديمة لانتهاض العراق الحقيقي ما فوق كوارثه السابقة واللاحقة.

النظرة العربية تتوجه اليوم نحو إيران، الجارة الإسلامية الكبرى للعراق ولعرب المشرق جميعاً؛ سؤالها لها هو كيف يمكنها أن تقرأ الجلاء الأمريكي بطريقة مختلفة عما كان عليه سلوكها سابقاً، إزاء الاحتلال، والشعب المحتل. هل ستدخل إيران مباراة الاستقلال الجديد، هل ستصرّ على دور القائد لفريق ضد الآخر، أم أنها قد تنضمّ إلى صف الحكّام، أو ترضى بمقعد متقدم بين المتفرجين؛ تلك أسئلة سوف يتوقف عليها مصير المعركة الكبرى والأعلى للعرب والإسلام معاً في الصراع الذروي مع نهايات الإمبراطورية الصهيونية؛ فكل خَفْضٍ لمستوى هذه المعركة إلى نوع من الصراعات الشعبوية ما بين فئويات مذاهب وعروقٍ وهويات فرعية وثانوية، هو بمثابة تطوُّعٌ مجانيّ في التخريب الذاتي، يصبّ في حساب الخصم الأكبر المشترك.

عودة العراق صحيحاً سليماً معافى إلى شعبه الأبيّ الخلاق، وإلى أمته الصامدة، هو أهم ما تحتاجه جارته، إيران الثورة، لفك عزلتها الإقليمية عن الخضم العربي، ومن ثم، لكي تنهض بدورها التاريخي كعضو مؤسس، في جبهة الصمود والتصدي الجديدة، الصاعدة بقوى القارة العربية الإسلامية. هذه الجبهة لم تعد حلماً طوباوياً ميؤوساً منه. ساحاتها المفتوحة ضد طاغوت العصر، إن لم تحقق هزيمته عاجلاً، إلا أنها تمزق عن وجه الوحش الضاري آخر أقنعة الإنسانية الباطلة. مثلما تستنزف طاقاته العسكرية والمالية، فإنها تدمر بقايا مصداقيته حتى في أعين شعوبه الغاضبة. فالرأسمالية المتراقصة على حوافي هاويات الإفلاسات في مختلف مواردها الحيوية، المسروقة أصلاً من فقراء العالم أجمع، أصابت سيدتَها، الأمبريالية العجوز، بمرض فقر الدم، آخر أعراض الموت البطيء.

ما حققته هذه الجبهة الناشئة، وغير المكتملة بعدُ في عددها وعدتها، أنها أبطلت قدرة الأمبريالية الأسطورية على إيقاع الانتصارات الحاسمة في خصومها. بالمقابل اكتسبت هذه الجبهة ثقافة الممانعة ضد الاستسلام. لكن الامبريالية لن تستطيع الكفّ عن ممارسة طبيعتها، لن تتوقف عن اختراع الأعداء، وشن المزيد من الحروب، المنفلتة أكثر فأكثر من أية ضوابط شرعية أو أخلاقية. ولا يزال عدوها الرمزي والفعلي الأكبر هو استعصاء الشرق، من بوابته العربية والإسلامية، على الغرب. ذلك كان محركاً لماضي التاريخ السياسي والحضاري، وسوف يبقى عنواناً رئيسياً للمصير الكوني. فلم يحدث للأمبريالية أن تمتّعت بمثل القوى الهائلة التي تمتلكها في حاضرها الراهن، مستخدمةً أعلى فعالياتها التقنية التدميرية في مقاتلة الشعوب التي لا تكاد تمتلك إلا قواها البشرية شبه العزلاء؛ ومع ذلك فإن آلافاً معدودة من رجال المقاومات الأهلية، أوقعت بالجيوش الجرارة وأسلحتها الجهنمية أذلَّ أشكال الهزائم. هذه الهزائم راكمت أسباب القطيعة الثقافية بين الامبريالية وشعوبها التي تدفع أثمانها بتوابيت قتلاها العائدة إلى بيوتها، وبأفاعيل الأزمة الاقتصادية المضطردة، بأفواج العاطلين عن العمل، بانعدام الوظائف أمام أجيالها الشابة.

الحضارة الغربية تواجه موتها المحتوم ما دامت لا تستطيع انفكاكاً عن إمبرياليتها؛ تلك الحقيقة لم يكن يبشّر بها قادتُها الفكريون إلا على استحياء؛ لكن مجازر العراق وفلسطين وأفغانستان جعلت آخر رئيس حالي للبيت الأبيض لا يصل إليه إلا على جناح شعار واحد، وهو الانسحاب من الحروب؛ غير أن الامبريالية لا تغلق حرباً إلا لتطلق حروباً أخرى. فالجلاء عن العراق سوف يعني لها مضاعفةَ الهمجية في أفغانستان. وإعادةَ تجذير إسرائيل في قلب المشرق، وإجبار حكام العرب على الاعتراف بها كدولة يهودية خالصة، وبالتالي إغراق المشرق مجدداً في مستنقعات حروب دينية ومذهبية لا تنتهي.

المعنى الوحيد لتمثيلية المفاوضات الجديدة في واشنطن بين الثلاثي: عباس وكلينتون ونتنياهو، هو العودة الزائفة إلى قاعدة الأساس في أزمة الأمبريالية مع الشرق؛ لعل إخماد الحق الفلسطيني نهائياً، قد يلغي عقيدة المقاومات جميعها في القارة العربية الإسلامية ـ لكن من يقول ان عملاق هذه القارة عائد إلى قمقمه يوماً ما..’ مفكر عربي مقيم في باريس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية