اكتفت حكومتا بغداد وأربيل ببيانات الشجب والاستنكار، لتجاوزات حزب العمال الكردي التركي، على السيادة العراقية، بدون اتخاذ إجراءات رادعة حقيقية.
بغداد-»القدس العربي»:أثارت هجمات حزب العمال الكردي التركي واعتداءاته الأخيرة، على قوات إقليم كردستان البيشمركه، والجيش العراقي، العديد من التساؤلات عن جرأة الحزب ومقدرته على تحدي حكومتي بغداد وأربيل ، ومغزى توقيت تحركاته، وعن الجهات التي يستقوي بها.
وشن عناصر حزب العمال الكردي التركي المتواجد على الأراضي العراقية، مؤخرا، عدة هجمات على قوات البيشمركه في إقليم كردستان. فبعد أيام من مهاجمة دورية للبيشمركه في العمادية، ومقتل خمسة وجرح آخرين من أفرادها، جرى قتل عنصر أمن كردي آخر، بنيران قناص من حزب العمال، أطلق النار على دورية للبيشمركه في زاخو المحاذية للحدود التركية، كما سبق ذلك هجوم آخر للحزب المذكور على موقع للبيشمركه، إضافة إلى قيامه بخطف ضابطين من القوات الكردية في سنجار غرب الموصل قبل أيام.
والحقيقة ان اعتداءات حزب العمال، لم تقتصر على قوات البيشمركه، بل امتدت إلى مهاجمة نقطة أمنية تابعة للجيش العراقي، آخرها مهاجمة نقطة في سنجار وخطف ضابط عراقي فيها، كما رفض الحزب خطة حكومة بغداد، القاضية باخراج القوات غير الحكومية من سنجار، إضافة إلى جعل الحزب المذكور، المنطقة الحدودية العراقية التركية، ساحة مفتوحة لصراعه مع الحكومة التركية، وغيرها من التجاوزات على السيادة العراقية.
وكما في المرات السابقة، فقد اكتفت حكومتا بغداد وأربيل ببيانات الشجب والاستنكار، لتجاوزات حزب العمال الكردي التركي، على القوات والأراضي والسيادة العراقية، مع مطالبته بإبعاد صراعه مع الحكومة التركية عن الأراضي العراقية، بدون اتخاذ إجراءات رادعة حقيقية، رغم تسبب ذلك الصراع بوقوع ضحايا مدنيين وخسائر اقتصادية وتهجير لسكان مئات القرى من شمال العراق.
وفيما توعد الجيش العراقي، بالقصاص من منظمة حزب العمال المسمى «بي كا كا» على خلفية هجومه الأخير على قوات البيشمركه، فقد ذكرت حكومة كردستان، «أن منظمة العمال، تشكل تهديدا للسلام والاستقرار، محذرة المنظمة من اتخاذ مسلحيها أراضي الإقليم منطلقا لهجماتهم على الدول المجاورة» متهمة الحزب باحتلال 515 قرية في الإقليم. كما أعلنت وزارة داخلية الإقليم، عن «إحباط مخطط لحزب العمال الكردستاني لزعزعة الأمن والاستقرار في الإقليم» محذرة حزب العمال الكردستاني من الاستمرار بالتدخل في الشؤون الداخلية للإقليم، ومؤكدة بأن «حماية أمن واستقرار أراضي كردستان خط أحمر، لا يسمح لأي جماعة وتحت أي مسمى باستهدافه».
وتتخذ منظمة حزب العمال، من جبال قنديل شمالي العراق معقلا لها، كما تنشط في العديد من المدن العراقية مثل سنجار ومخمور والسليمانية. وخلال زيارتي إلى جبال قنديل وسنجار شمال العراق عام 2016 لمست ان المنطقة الشاسعة هي تحت سيطرة الحزب التركي بالكامل منذ ثلاثة قرون، حيث أكد مسؤولون في الحزب المذكور لـ»القدس العربي» ان المنطقة تخضع لسيطرتهم وانهم لا يعترفون بسلطة حكومتي بغداد وأربيل، ومقرين انهم يسعون لتوحيد مناطق الأكراد في سوريا والعراق وإيران وتركيا تحت سيطرتهم، كما لاحظت ان هناك تنسيقا واسعا للحزب مع حكومة السليمانية.
وازاء غياب قرار حكومة بغداد، بمواجهة حزب العمال وردعه لإبعاد خطورته عن العراق، فقد استمرت القوات التركية، بشن هجمات على الحزب وقياداته وقواعده المنتشرة شمال العراق.
وقبل أيام أعلن الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، عن قتل مسؤول عسكري كبير في حزب العمال الكردستاني، يدير مخيم مخمور للاجئين الكرد الأتراك شمال العراق، خلال عملية بطائرة مسيرة. وشدد الرئيس التركي «لن نسمح للتنظيم الانفصالي باستخدام مخمور كحاضنة للإرهاب» مبينا ان «أنقرة تعتقد أن مخيم مخمور يشكل تهديدا لا يقل عن التهديد الذي تمثله جبال قنديل معقل حزب العمال الكردستاني في العراق».
وزير الخارجية التركي مولود جاووش أوغلو، أكد ايضا «إن مسؤولية تطهير المنطقة من المسلحين تقع على عاتق الحكومة العراقية، إلا أن أنقرة سوف تفعل ذلك بمفردها في حال لزم الأمر». وتستند تركيا في ملاحقتها لحزب العمال، إلى اتفاقيات وقعتها الحكومات العراقية السابقة مع أنقرة تسمح بدخول القوات التركية لمسافة محدودة في الأراضي العراقية، لمطاردة عناصر حزب العمال، ما دامت بغداد عاجزة عن طرد هذه العناصر.
ويستغل حزب العمال، الفوضى السائدة في العراق والصراعات بين حكومتي بغداد وأربيل، لترسيخ وجوده على الأراضي العراقية، حيث يحظى حزب العمال بدعم العديد من القوى الشيعية لاستخدامه كورقة ضغط على تركيا وحكومة الإقليم، كما ان قادة الاتحاد الوطني الكردستاني (حزب جلال الطالباني) المقرب من طهران، اعترفوا بوجود تعاون لهم مع حزب العمال.
وحيث ان خيوط اللعبة في العراق متداخلة ومتشعبة، يعتقد مراقبون، ان أحد أهداف تزايد هجمات حزب العمال مؤخرا، ورد القوات التركية عليها، هو محاولة لضرب العلاقات التجارية العراقية التركية، من أجل تحقيق مصلحة إيران التي تسعى لحصر تجارة العراق بها فقط.
ويبدو مؤكدا، أن ايقاف تجاوزات حزب العمال التركي وطرده من شمال العراق، وإنهاء ملاحقة القوات التركية له، وإعادة الاستقرار إلى المناطق الحدودية المشتركة، لن يتم إلا بقرار عراقي سياسي وتنسيق أمني بين أنقرة وبغداد، إلا ان ذلك لن يتحقق الآن، لأن حزب العمال ما زال ورقة بيد قوى محلية وإقليمية، لذا يربط المراقبون، تصعيد عمليات حزب العمال الأخيرة، مع تزايد هجمات الفصائل الولائية على القواعد التي يتواجد فيها أمريكان، تزامنا مع زيارة قائد فيلق القدس الإيراني اسماعيل قاآني، إلى بغداد ولقاءه مع سياسيين وقادة الفصائل الولائية، من أجل جعل المشهد العراقي المتوتر، ورقة في المحادثات الإيرانية الغربية المتعثرة، حول الملف النووي الإيراني.