بغداد-“القدس العربي”: الشعور بالإحباط والخوف من المستقبل المجهول، هما أبرز ملامح عام 2018 لدى العراقيين، في ظل ضياع فرصة التغيير والإصلاح وانشغال القوى السياسية بالصراع على المناصب ومغانم السلطة على حساب حاجات الشعب ومشاكله والتحديات الجدية التي تواجه البلاد، كالفساد والاقتصاد المتعب والإرهاب والصراع الدولي على الساحة العراقية.
وكانت أبرز الأحداث التي شهدها العراق عام 2018 هي الانتخابات وتشكيل حكومة جديدة، واندلاع التظاهرات الغاضبة المطالبة بالإصلاحات ومحاسبة الفساد، والعقوبات الأمريكية على إيران مع ما تركته من تأثيرات سلبية على العراق، إضافة إلى عودة نشاط تنظيم “داعش”.
وقد شكلت الانتخابات النيابية التي جرت في نيسان/ابريل الماضي ما رافقها من تزوير وتلاعب واسع أدى إلى تجميد مفوضية الانتخابات، مع بقاء نتائجها وتشكيل حكومة جديدة وفق المحاصصة وتقاسم المغانم بين الأحزاب الرئيسية، ضربة قاضية لكل آمال العراقيين بإمكانية وصول قوى تغيير جديدة لإصلاح الأوضاع المتدهورة في البلد التي كانت محصلة طبيعية لخمسة عشر عاما من مسيرة الفشل والفساد في إدارة البلد وموارده.
وجاءت نتائج الانتخابات لترسخ واقعا يصعب تغييره حاليا وهو تمسك الأحزاب الرئيسية في العراق بالسلطة عبر سلسلة من الخطوات تضمن الحفاظ على مصالحها بدأتها في تشكيل مفوضية انتخابات من الأحزاب وإعداد قانون الانتخابات وفق مقاساتها وزرع عناصرها في كل مفاصل العملية الانتخابية، مع تهيئة جيوش الكترونية (بأموال الفساد) عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي لبناء مملكة من البروبغاندا لتضليل الرأي العام وتسقيط المعارضين، إضافة إلى استخدام المال السياسي والرشى، وبالتالي سارت الانتخابات وفق مخطط الأحزاب. ورغم ادعاء أمراء الأحزاب بأنهم قد تجاوزوا المحاصصة الطائفية إلا أنهم عند توزيع المناصب والوزارات في حكومة عادل عبد المهدي، ظهر للعلن أن صراعهم هو على المصالح عبر إبقاء التقاسم المذهبي والعرقي دون الاهتمام بمطالب الشعب، كما أظهرت الانتخابات وتشكيل الحكومة بصمات خارجية لا يمكن انكارها، وصلت إلى حد إعلان قائد الحرس الثوري الإيراني أن “إيران فازت على أمريكا في العراق 3 – صفر” في إشارة إلى انتخاب الرئاسات الثلاث في العراق. كما أقر رئيس الوزراء السابق حيدر للعبادي بأن “التأثيرات الخارجية في صناعة القرار العراقي وصلت إلى حد فرض وزراء من قبل جهات خارجية”.
وفي الصيف الماضي اندلعت تظاهرات البصرة والمحافظات الجنوبية وقبلها في بغداد، لتشكل مؤشرا واضحا على مدى تردي الأوضاع الاقتصادية في البلاد التي وصلت إلى مستويات غير مقبولة، وعكست يأس الشعب من الوعود التي تقدمها الحكومات والقوى السياسية، لذا خرج المتظاهرون إلى الشوارع للمطالبة بحقوقهم الأساسية مثل الخدمات وإيجاد فرص العمل. وكانت بداية الشرارة من البصرة جنوب العراق، عندما انطلقت تظاهرات غاضبة احتجاجا على تردي خدمات الكهرباء والماء وانتشار البطالة، ثم توسعت المطالب لاحقا لتشمل الدعوة لكشف مافيات الفساد وتغيير مسؤولين، ووصلت إلى حرق مقرات الأحزاب التي حملها المتظاهرون مسؤولية تدهور الأوضاع. وقد قوبلت التظاهرات بوعود لم ينفذ أغلبها مع حملات اعتقالات ضد ناشطي التظاهرات، وتعرض العديد منهم للاغتيالات.
وفي شأن آخر، جاءت العقوبات الأمريكية على إيران لتشكل ضربة قوية لمصالح العراق نظرا لاعتبار إيران، العراق منفذها الرئيسي للإفلات من تلك العقوبات.
وحدد السفير الإيراني في العراق إيرج مسجدي، استراتيجية بلاده عقب العقوبات خلال ملتقى اقتصادي في العراق أن “بلاده تطمح إلى رفع مستوى الصادرات إلى العراق من عشرة مليارات إلى عشرين مليار دولار”. وجاءت التصريحات بعد أيام من إعلان رئيس الوزراء عبد المهدي بأن “العراق غير معني بالالتزام بالعقوبات الأمريكية على إيران”.
وبدأت بنوك وشركات صيرفة وتحويل أموال عراقية يديرها أصدقاء لإيران، بعملية واسعة لضخ أموال طائلة من العملة الصعبة إلى طهران عبر تعاملات غير قانونية تلتف على العقوبات الأمريكية، وهو ما دفع أمريكا إلى وضع العديد من تلك المصارف العراقية، ضمن القائمة السوداء.
أما التحدي الأمني الأخطر الذي واجه العراق، فهو محاولة تنظيم “الدولة الإسلامية” إعادة نشاطه إلى العديد من المناطق التي كانت تحت سيطرته سابقا إضافة إلى التحرك عبر الحدود العراقية السورية، بالرغم من الإعلان الرسمي العراقي بإنهاء دولة التنظيم عام 2017.
وقد لجأ التنظيم لتكتيك حرب العصابات حيث شنت عناصره وخلاياه النائمة في المدن، عمليات إرهابية واسعة استهدفت المراكز الأمنية والقرى البعيدة والطرق الدولية النائية، وردت القوات المسلحة بتنفيذ عمليات مطاردة واسعة ضده. وتؤشر عودة التنظيم إلى فشل العقلية التي تدير الملف الأمني وعدم استيعابها درس ظهوره ونتائجه التي دفع لها العراقيون ثمنا غاليا.
ولم يكن تنظيم “داعش” هو التحدي الأمني الوحيد أمام حكومة بغداد، وإنما شغل ملف سلاح الفصائل المسلحة، تحديا هو الآخر، وذلك لاستمرار بعض الفصائل بانتهاج سياسة الاستقواء بالسلاح والقيام بعمليات خارج العراق (في سوريا) دون موافقة الحكومة رغم ارتباطها إداريا بها من حيث الرواتب والتجهيزات.
وشهد العام تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مثل زيادة الفقر والبطالة وانتشار المخدرات وتدهور التعليم وغيرها، ليس بسبب قلة صادرات العراق النفطية التي تجاوزت 80 مليار دولار، ولكن بسبب الفساد وسوء الإدارة التي أوصلت ديون العراق إلى نحو 120 مليار دولار. وحتى محاولات الحكومة العراقية، الحصول على دعم دولي لإعادة إعمار مدنه المدمرة وتشجيع الاستثمار في قطاعاته المتعبة، فشلت ومنها مؤتمر الكويت، وذلك لخشية المجتمع الدولي من وصول أموال الدعم والاستثمار إلى جيوب الفاسدين.
وهكذا، لم يكن 2018 للعراقيين سوى عام حافل بالإحباط رسخ أزماتهم وأجهض آمالهم بحصول تغيير أو إصلاح لوقف تدهور الأوضاع، وذلك نتيجة تمسك القوى نفسها بالسلطة ومغانمها بكل الوسائل ضاربة معاناة الشعب وحاجاته عرض الحائط.