شاهد العراقيون صور ودعاية المرشحين للحملات الانتخابية، فلم يجدوا غير المفسدين الذين لفظهم الشعب العراقي يتصدرون القوائم، وليس بينهم الا القليل من الوجوه الجديدة. على كل حال ذهبت في يوم الانتخابات الى احد المراكز للتعرف على سير عملية الانتخابات البرلمانية ونجاعة التحضيرات لها ورصد ردود افعال المواطنين عليها فسجلت بعض الملاحظات اهمها”’ان البطاقة الانتخابية التي وزعت على المواطنين، كلفت الخزينة العراقية مبالغ طائلة، وكان من المؤمل ان تيسر وتسهل عملية الانتخابات. هذه البطاقة باتت مشكلة وسببا في اقصاء الكثيــرين من الذين اريد منعهم من خوض الانتخابات لسبب او لاخر.
من الغريب حقا ان توزع بطاقات الكترونية غالية التكاليف تستخدم في الانتخابات مرة واحدة كل اربع سنين. علما بأن بطاقة الانتخابات الورقية لا تزال تستخدم في فرنسا وبعض الدول الاوروبية الاخرى.
فوق هذا وذاك لم تؤد تلك البطاقة الغرض المطلوب منها وقت الانتخابات، لتعذر جهاز القراءة التحقق من معلوماتها’ كما أن هناك الكثير من الاسماء لم يتم تحديثها، خصوصا في المناطق التي ظنوا انها لن تصوت لرئيس الوزراء المنتهية ولايته، وحاول الكثير من سكان تلك المناطق معالجة تثبيت هوياتهم لكن من دون فائدة. وفي يوم الانتخابات جرى قصف بعض المراكز الانتخابية من قبل الجيش او الشرطة او المليشيات المتعاونة معهما بالصواريخ، من اجل منع الناس من الذهاب الى صناديق الانتخابات. كما ان المواطن عندما يصل الى مراكز الاقتراع يجد هناك زعماء بعض المليشيات ممن يراقب العملية الانتخابية ويدعو الناس علنا ويحرضهم لانتخاب رئيس الوزراء، بل حتى يشتري الصوت بـ50 الف دينار. أما الاشكالات والخروقات المسجلة في عملية الانتخابات فكانت لا تعد ولا تحصى، ففي حي’المعلمين والكاطون في بعقوبة بدأ اطلاق الرصاص في الهواء على تلك الاحياء، منعا لخروج الناخبين لصناديق الاقتراع.. وأجبرت القوات الامنية اهالي ابو غريب في بعض المراكز الكبيرة على العودة الى بيوتهم من دون انتخاب. أما في اماكن كثيرة من محافظة الانبار فقد احتل الجيش بعض المراكز الانتخابية ومنع المواطنين من ممارسة واجبهم، بل ملأت تلك القوات بعض الصناديق باوراق انتخابية مزورة لصالح وزير الدفاع.
ان المشاجرات الكثيرة بين انصار قائمة دولة القانون من جهة وانصار المجلس الاعلى والتيار الصدري من جهة اخرى كثيرة، حدث ذلك في مراكز متعددة إثر محاولات انصار قائمة دولة القانون التدخل لتغيير رغبة الناخبين لصالح مرشحيهم. اضافة الى كل ذلك فان المشرفين على العملية الانتخابية لم يكونوا مؤهلين لمراقبة العملية الانتخابية، ولم يملكوا المهنية لكشف خروقاتها الكثيرة. والمشكلة الاكبر هي ان المفوضية المستقلة المشرفة على سير العملية الانتخابية ليست مستقلة، بل هي مسيسة لصالح رئيس الحكومة مثلها مثل السلطة القضائية.
وهناك جوانب فنية عطلت أو أخرت سير الانتخابات، لعل اهمها عطب معظم اجهزة البصمات في اماكن الانتخابات، مما جعل القائمين عليها يغضون النظر عن هذه الخروقات. هذه المشاكل وغيرها سببت تأخيرا كبيرا في عمليات التصويت، ما أدى الى مزيد من ضياع وقت المواطنين من النساء والرجال والشيوخ. ومرد هذه الاخفاقات ناتج من اختيار مكان ضيق مؤلف من غرفة صغيرة واحدة تجري فيها عمليات التصويت، وتعتمد على جهاز قراءة واحد اذا ما تعطل عمله يتوقف المركز الانتخابي عن العمل، ما يفسح المجال واسعا للتزوير.
وقد رأينا الطوابير الطويلة من الناس ينتظرون دورهم في ممارسة حقهم الانتخابي تحت شمس حارقة.
لقد كان رئيس الوزراء العراقي يلعب بالنار عندما خطب في كربلاء، مطلقا تصريحاته النارية بالقول ‘نحن جيش الحسين، وهم جيش يزيد’ مما جعل كبار علماء الشيعة العراقيين يستنكرون هذا المسلك الممزق للشعب العراقي، فتصدى له على سبيل المثال لا الحصر كل من السيد مقتدى الصدر، والسيد محمد تقي المدرسي والشيخ جمال الوكيل وغيرهم. لقد جاءه الخطر من حيث لا يحتسب فقد تصور بان معسكر مذهبه رهن بيديه. ولعل ثالثة الاثافي والضربة القاضية جاءته من المرجعية نفسها اثر تصريحات آية الله العظمى الشيخ البشير النجفي الذي افتى علنا وأمام وسائل الاعلام بضرورة التغيير في العراق، وأوصى ضمنا بعدم انتخاب رئيس الوزراء الحالي. أما النتائج السياسية لهذه العملية الانتخابية فانها خلقت شروخا كبيرة بين الكتل السياسية، وقد تطيح برئيس الوزراء الحالي حتى لو حصلت قائمته على اكثر المقاعد لاسباب اهمها، ان حساباته بالفوز لولاية ثالثة كانت مرتكزة على تهميش المكون السني، من خلال حربه ضد الانبار التي كان يعتقد بأنها سوف لن تدوم سوى ايام معدودات، كذلك تخطيط قواته المسلحة لمنع مواطني هذا المكون من تأدية واجبهم الانتخابي، كما رأينا في بداية المقال. كان يعتقد ايضا بأن اصوات القوات المسلحة من الجيش والشرطة سوف تنتخبه بنسبة تزيد عن 90′. لقد استهان كثيرا بقوة خصومه السياسيين من التيار الصدري والمجلس الاعلى. أما الجانب الدولي فان الادارتين الامريكية والايرانية في واشنطن وطهران ليستا متحمستين هذه المرة لدعمه لولاية اخرى.’
بعد النتائج الاولية لفرز الاصوات عادت من جديد اسطوانة حكومة الاغلبية التي عاد يتبجح بها بعض السياسيين اليوم، وهي كلمة حق يراد بها باطل.
فعموم الشعب العراقي يؤيد حكومة اغلبية سياسية بعد ان ذاق الويلات من حكومة المحاصصة الطائفية، منذ الغزو الامريكي للعراق عام 2003. لكن المشكلة الكأداء هي ان الاحزاب الحاكمة طائفية بامتياز ولم نسمع لحد الان ان تلك الاحزاب قد غيرت من أنظمتها الداخلية، او اعادت هيكلة برنامجها كي تنفتح وتحتضن في عضويتها المواطن العراقي، من دون تمييز بين سني وشيعي، او عربي وكردي وتركماني، او مسلم ومسيحي وصابئي. كيف يمكن اذن لاحزاب طائفية ان تؤسس لحكومة اغلبية سياسية. ألا يكفي خداعا وتزييفا لارادة المواطنين واستخفافا بعقولهم.
‘ كاتب عراقي