بغداد ـ «القدس العربي»: تحدث تقرير صحافي أمريكي عن جملة انتهاكات مارستها لجنة حكومية شكلها رئيس الوزراء العراقي السابق، مصطفى الكاظمي، بهدف مكافحة الفساد، بينها عمليات «إساءة وإذلال» فضلاً عن تعذيب جسدي وجنسي أحياناً وانتزاع اعترافات مكتوبة مسبقاً للمعتقلين، مؤكداً أن الاعتقالات التي جرت كانت بدوافع سياسية، وبعض المستهدفين يرتبطون بالفصائل الشيعية المسلحة، وهددوا آنذاك، مكاسب زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، السياسية.
وحسب صحيفة «واشنطن بوست»، «حملة مكافحة الفساد التي شنها الكاظمي، المدعوم من الولايات المتحدة، لجأت إلى أساليب الاحتجاز والعزل والتعذيب والعنف الجنسي بحق معتقلين من كبار المسؤولين العراقيين ورجال الأعمال، لانتزاع الاعترافات منهم».
وتحقيقات الصحيفة، استغرقت 9 أشهر، وكان محورها حملة المداهمات التي حظيت باهتمام إعلامي واسع في أواخر العام 2020، وطالت منازل شخصيات عامة مشتبه بتورطها بالفساد، ونفذتها اللجنة بإشراف الفريق أحمد طه هاشم، الملقب بـ(أبو رغيف)، وصار يطلق عليه (زائر الليل)».
واستندت إلى أكثر من 20 مقابلة أجرتها، بما في ذلك خمسة أشخاص كانت اللجنة اعتقلتهم، وأشخاص من أُسر سجن أفرادها، إضافة إلى مقابلات مع 11 مسؤولا عراقيا وغربيا كانوا يتابعون عمل اللجنة.
«علقت من يدي بالسقف»
وبيّنت أن «ما حدث مع الرجال الموقوفين خلف الأبواب المغلقة، كان سوداويا بدرجة كبيرة، حيث جرت العودة إلى استخدام الأساليب القديمة البشعة من جانب جهة أمنية تعهد الكاظمي نفسه بأن يعمد إلى معالجة انتهاكاتها».
وأوضحت أن «عمليات إساءة وإذلال حصلت، وإن التحقيقات ركزت على انتزاع اعترافات مكتوبة مسبقة بدلاً من التحقيق والمساءلة حول عمليات الفساد، التي حصلت».
ونقل التقرير عن أحد المعتقلين سابقا قوله إن فترة الاعتقال «شهدت أنواعا من التعذيب. الكهرباء، الخنق بأكياس بلاستيكية. علقت من يدي بالسقف».
وتوفي من جراء ذلك، حسب المصدر «المسؤول السابق قاسم حمود منصور الذي اعتقلته اللجنة، حيث تظهر الصور التي عرضتها أُسرته عددا من الأسنان التي تم تكسيرها، وعلامات لضربة حادة على جبهته».
ووصفت صحيفة «واشنطن بوست» تحقيقاتها بأنها «المحاولة الأكثر شمولا وتوثيقا حول القضية، بينما ظلت المزاعم حول الانتهاكات الكثيرة بمثابة سر متداول بين الدبلوماسيين في بغداد خلال العام الماضي، ولم يفعل المجتمع الدولي الكثير من أجل متابعتها، في حين أن مكتب رئيس الحكومة السابق، سعى إلى التقليل من أهمية الاتهامات برغم أن لجنة برلمانية كانت تحدثت للمرة الأولى عن اتهامات التعذيب في العام 2021، وتناولتها وسائل الإعلام العراقية بشكل متقطع».
وينظر إلى المسؤولين الذين تم اعتقالهم من جانب اللجنة باعتبارهم من «الأهداف السهلة»، إذ ليس لديهم «حلفاء أقوياء ليدافعوا عنهم»، حسب التقرير الذي أشار إلى أن «شبهات الفساد لاحقت بعض المعتقلين طوال سنوات، إلا أن سرية عمل اللجنة والغموض الذي شاب الإجراءات القانونية، جعلت من المستحيل تحديد حجم الاعتقالات التي كانت تمت بطريقة مشروعة».
وبعض الاعتقالات جرت «بدوافع سياسية»، لأن «بعض المستهدفين كانت لهم ارتباطات بالفصائل التي هددت المكاسب السياسية للزعيم الشيعي مقتدى الصدر، وهو أحد الداعمين الرئيسيين للكاظمي».
«ابتزاز سياسي»
ونقل التقرير عن مسؤول عراقي كبير عمل في حكومة الكاظمي، قوله إن «هناك عنصر ابتزاز سياسي يؤدي دورا في ذلك»، مضيفا: كانت هناك «حالات حدثت فيها عمليات ابتزاز. فأنت تهاجم قاعدة القوة لشخص ما، وقاعدة قوتهم التجارية، في وكالة حكومية محددة، لا بغرض توجيه الاتهام إلى هؤلاء الأشخاص وكشف الفساد، وإنما أيضا لفتح المساحة أمام دخول جماعتك مستقبلا».
وبعدما ذكر التقرير بصعود الكاظمي إلى الحكم والدعم الذي حظي به من واشنطن والمجتمع الدولي، نقل عن مسؤول غربي كبير قوله: «أظن أننا غفرنا له كثيرا لأننا قلنا: حسنا ماذا بإمكانك أن تفعل؟ هو صاحب نية حسنة على الأقل ولديه النسب الصحيحة وعندما تلتقي به، يقول الأشياء الصحيحة».
غادروا بغداد
ومعظم أفراد الدائرة المقربة من الكاظمي غادروا بغداد بعدما خرج من منصبه في ظل فضيحة فساد تورط فيها رئيس مكتبه وأثارت هزة في العراق، في حين أن من غير المعروف مكان رئيس الحكومة السابق، تبعا للصحيفة.
ونقل التقرير عن مستشار كبير سابق للكاظمي، متحدثا شريطة عدم الكشف عن هويته بسبب حساسية القضية، نفيه «بشكل حاسم المزاعم حول حدوث انتهاكات»، مضيفا أن «الحكومة العراقية السابقة، إلتزمت بمعايير حقوق الإنسان في عملها».
وأشار إلى أن «تشويه الوقائع سيتيح لبعض المجرمين الإفلات من العقاب»، مذكراً أن «اللجنة استهدفت أيضا أعضاء في الميليشيات».
سجون سرية في المطار و«المنطقة الخضراء»… واعتقالات بدوافع سياسية
ونقل التقرير عن أُسر شخصيات اعتقلتها لجنة مكافحة الفساد أنهم «لم يتمكنوا من تحديد أماكن احتجاز أقاربهم لعدة أسابيع»، فيما يقول معتقلون سابقون إنهم كانوا يخضعون للاحتجاز في حالات كثيرة في زنازين صغيرة داخل مبنى في مطار بغداد تحت إدارة جهاز مكافحة الإرهاب، الذي تدربه الولايات المتحدة، والذي عادة ما يقوم بمهمات اعتقال واستجواب من يشتبه بأنهم من «الإرهابيين».
وحسب الصحيفة، ونقلا عن اثنين من مسؤولي جهاز مكافحة الإرهاب، فإن قادة الجهاز «لم يكونوا راضين عن استخدام منشأتهم، لكن لم تتوفر لديهم السلطة للتدخل لأنهم تحت سلطة مكتب رئيس الحكومة».
ومراسل الصحيفة، شاهد الجنود الأمريكيين في مجمع مطار بغداد في كانون الثاني/يناير العام 2021، أي خلال الفترة التي يعتقد أن الانتهاكات كان تجري خلالها، وهو ما يشير إلى أن «القوات الأمريكية كانت على علم بما كان يجري هناك».
ونقل التقرير عن مسؤولين عراقيين في مكافحة «الإرهاب» قولهم إن «نظراءهم الأمريكيين عبروا عن المخاوف المتعلقة باستخدام منشآت الاحتجاز للقيام بعمليات استجواب ليست متعلقة بالارهاب».
وعندما سألت «واشنطن بوست» المتحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية جو بوتشينو عما إذا كانت قوات التحالف، مطلعة على الانتهاكات، أو ما إذا كانت أعربت لنظرائها العراقيين عن مخاوفها إزاء ما يجري، قال إن «ليس لديه معلومات ليقدمها».
وإلى جانب منشآت المطار، نقل التقرير عن معتقلين سابقين قولهم إن «انتهاكات أخرى حصلت في سجن تحت الأرض في المنطقة الخضراء في بغداد»، حيث قال شخص اعتقلته اللجنة في مستهل حملة المداهمات، إن المحققين «بدأوا بتعذيبي لمدة 13 يوما، وسألوا لمن قدمت الرشاوى وكمية المال الذي أملكه، وطلبوا مني 1.5 مليون دولار، وقلت إنني لا أستطيع أن أدفع لأن أموالي كانت مجمدة في مشاريع، ولهذا، بدأوا بصعقي بالكهرباء في منطقة القضيب وضربي بقضبان معدنية وعلقوني على الحائط».
ولفتت الصحيفة، إلى «إطلاعها على صور وسجلات طبية لبعض الحالات وليس كلها»، مؤكدا أن «بعض الأشخاص تحدثوا عن عصب عيونهم وتعرضهم للصعق الكهربائي والضرب بالعصي وأسلوب التعذيب بالايهام بالغرق، وجرى تجريدهم من ملابسهم». كما تحدث شخصان، عن «تعرضهما لاساءات جنسية».
كما تحدث مسؤول عراقي سابق رفيع المستوى لأحد أقاربه وزملائه عن « إجباره على الجلوس على جزء من محرك سيارة وهو فعل حسب القانون الجنائي العراقي، بمثابة عملية اغتصاب».
وسبق للجنة برلمانية، تمثل عدة أحزاب، أن خلصت في آذار/مارس، إلى أن اتهامات التعذيب، تتمتع بالمصداقية. وتمكن أعضاؤها، من دخول مركز الاحتجاز في المطار في كانون الأول/ديسمبر 2020، لكنهم لم يتمكنوا من الوصول إلى المحتجزين، بمن فيهم نائب مدير مطار النجف السابق، جواد عبد الكريم الكرعاوي (54 سنة) الذي أكد، أقاربه وثلاثة معتقلين سابقين، تعرضه «لتعذيب قاس».
ووفق التقرير فإن «(أبو رغيف)، يعتبر شخصية معروفة في وزارة الداخلية، وهو محاور أساسي مع حكومات الغرب والأمم المتحدة، طوال فترة حكم الكاظمي، ومحارب شرس ضد الجريمة، وتحدث شائعات عن نجاته من 13 محاولة اغتيال».
الباحث في معهد «سينشوري انترناشيونال» الأمريكي، سجاد جياد قال للصحيفة «إنجازات اللجنة بشكل عام، ليست كبيرة»، مشيرا إلى أن «مكافحة الفساد كانت أكثر ما تتباهى به حكومة الكاظمي وأن انتزاع واسترداد الأموال كانت أكثر أهمية بالنسبة إليها من إظهار أنها تلاحق الفساد فعلياً».
وطبقا للتقرير «لم يتم الكشف عن المبالغ المالية الإجمالية التي استولت عليها اللجنة»، فيما نقل عن معتقل سابق قوله إن «المحتجزين المشبوهين اُبلغوا في بداية التحقيق معهم أن دفع المال أو التنازل عن الأصول، والمقدرة في أحيان كثيرة بملايين الدولارات، سيؤدي إلى تسهيل إطلاق سراحهم، وليس من الواضح عدد الأشخاص الذين تمكنوا من دفع بدل مالي من أجل إطلاق سراحهم أو إلى أين وصلت أموالهم».
ولفتت «واشنطن بوست» إلى أنه «برغم كون واشنطن، تعتبر لاعباً اساسياً في السياسة العراقية منذ غزو العام 2003، فإن القادة العراقيين استغلوا أحيانا جهل أو لامبالاة الحلفاء في واشنطن، عبر استغلال وعود الإصلاح من أجل اضطهاد خصومهم».
ونقل التقرير عن المتحدث الأمريكي نيد برايس تعليقا حول الاتهامات بالانتهاكات من جانب اللجنة، قوله إن «الفساد عائق كبير أمام الفرص الاقتصادية. ونحن نحث قادة العراق على بذل جهود في إطار قانوني واحترام سيادة القانون وحقوق الإنسان».
وتحدثت الصحيفة، عن أن «أُسر المعتقلين كانت تثير قضية الشبهات بوقوع الانتهاكات طوال العام 2021، وتبادلوا هذه الوقائع مع بعثة الأمم المتحدة والسفارات الغربية في بغداد».
خلال نقاش خاص مع دبلوماسيين غربيين ومسؤولين في الأمم المتحدة، كان الكاظمي ينفي الاتهامات ويتعهد بأنه «سيتصرف في حال توفرت أدلة على وقوع انتهاكات»، مشيرا إلى أن «الناشط في حقوق الإنسان علي البياتي عندما تحدث عن هذه الانتهاكات خلال برنامج تلفزيوني في العام 2020، تمت ملاحقته بعد عام بتهمة التشهير من قبل أمانة مجلس الوزراء، وهو ما أجبره على الهروب من البلاد».