العراق.. عشر سنوات عجاف

حجم الخط
0

يتزامن عيد النيروز الفارسي الاصل، الذي يحتفل به العراقيون عربا واكرادا بحلول ذكرى مرور عقد من الزمن على الزلزال المدوي بدخول الدبابة الامريكية لعاصمة الرشيد، وقد سبق ربيعها الطبيعي حراك شعبي متصاعد، وهو مجرد بداية لإرهاصات ثورة شعبية عارمة، حيث وضعت التوازنات السائدة حالياً في بلاد الرافدين على المحك، وقد يؤدي اختلاف النخب السياسية في التعامل معه إلى مخاطر الانزلاق مجددا في العنف الطائفي، مما سيقود إلى رسم خارطة جديدة للسياسة العراقية بشكل عام، خاصة في الانتخابات القادمة لمجالس المحافظات، التي لن تشارك فيها بعض المحافظات، وبالتأكيد انتخابات مجلس النواب القادم في العام المقبل ما لم يدرك قادته أهمية الوصول إلى حالة توافقية بعيداً عن إقصاء مكون أساسي، وإلا فالأمور ستتعقد وليست في مصلحة الجميع.
تتزامن احداث العراق بما يجري في الساحة السورية بوتيرة متسارعة يوحي بقدر ما هو ربيع عربي فـــي عاصمــــتي الأمــويين والعباسيين سيكون خريــــفا إيرانيا بائسا، حيث تحاول ايران تعويض خيبتها في مناطق اخرى منها اليمن، خصوصا أن الانتخابات الرئاسية الإيرانية، على الأبواب، ناهيك عن الاستحقاقات الأخرى التي تنتظر طهــران، ومنها الملف النووي.
وقد جاءت احتجاجات العراق بزخمها المتصاعد متأخرة بعد معاناة واحتقان سياسي وشعبي في كل مكوناته، وعلى إيقاعات مناسبة مرور عقد كامل على سقوطه، ساد سوادها الإحباط والتهميش لمكونات معينة المستند لدستور ممسوخ مليء بالألغام التي ترمي لتفكيكه واعتماده على المحاصصة الطائفية المقيتة. دستور من ايحاءات المحتل بريمر حولت الحياة بكل جوانبها في العراق إلى جحيم لا يطاق، فالحكومة الفاشلة تمارس لعبة سياسة الهرولة غير المحسوبة للامام، من مواجهة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعيشها العراق، ويرزح تحت وطأتها من خلال التمسك بسياسة التصلب الأمني، واللجوء إلى استخدام القوة المفرطة والقهر والعنف الممنهج ضد الشعب العراقي.
وحسب الدستور قسمت مكوناته بين شيعة وسنة وكرد، فالتقسيم الواقعي اما عرب وكرد او شيعة وسنة.
قبل رحيل غالبية جيوش الاحتلال سادت حالة من الإحباط وبعد عام واحد على رحيلها ساءت الاحوال، ولعل تهميش رموز سنية كالهاشمي والعيساوي وغيرهما قد حركت المياه الراكدة الى جانب الظلم والاقصاء وحياة الفاقة والعوز، افضى لما هو عليه اليوم ومن هنا فكان بداهة ان تصل شرارات الثورة إلى العراق وهو المهيأ لها لأن النظام السياسي اثبت فشله.
قبل عقد من الزمن كان العراق قد طوى صفحة من المعاناة بعد حصار جائر ثلاث عشرة سنة عجافا ليستقبل حربا غاشمة أكلت الأخضر واليابس وصبيحة سقوط عاصمة الرشيد اعتقد البعض أن رحيل رموز النظام السابق ومجيء الديمقراطية على ظهر الدبابة الأمريكية بأنه نهاية كل شيء، وأذا به بداية سلسلة اخرى من المأسي والمحن، حيث قتل خلال العشر سنوات ما يفوق ثماني سنوات من حرب العراق مع إيران التي تعد أطول حرب بين دولتين مستقلتين في التاريخ الحديث. انها لعنة مأساة كربلاء لدى ضمير معظم العراقيين يظل يلاحقهم لقرون فالى متى يستمر جلد الذات وجلد الجسد في عاشوراء؟ بعض العراقيين يعتقدون بأن الزمن كله عاشوراء وكل الأرض كربلاء! وتوارثت اجيالهم المحن مجسدين احزانهم في الاغاني والمقامات العراقية ففيها مسحة من الحزن ما يشفي غليل الاف الثكالى والأرامل. عقد من الزمن ينقضي بعد انهيار المنظومة الاجتماعية والخدمات وتحويل العراق لدولة فاشلة وثلث السكان تحت خط الفقر، رغم انه يعوم فوق بحيرة من النفط، الذي اصبح نقمة لهم بدلا من ان يرسم مستقبلا افضل لأكثر من جيل.
العراق واقطار عربية اخرى دخلت لعبة الامم بحيث اصبح ساحة لقوى اقليمية ودولية وتدرك هذا القوى المحركة لرقعة الشطرنج الاهمية الحضارية وعبقرية المكان للعراق فلم تعد له قائمة بعد سماع اهالي بغداد قعقعة الدبابة الامريكية في شارع الرشيد.
فهذا البلد اجتمعت فيه عناصر تكوين حضارات سادت ثم بادت … وفيه انهار وثروات معدنية ومخزون تأريخي هائل…من بلاد الرافدين فتح الملك البابلي نبو خذ نصر القدس واسر اليهود وأرسلهم إلى بابل وفي العصور الإسلامية اللاحقة حررها صلاح الدين العراقي الكردي من دنس الفرنجة.
سقوط بغداد يذكر الضمير العربي بغزو المغول لها وبأحداث مشابهة عند سقوط غرناطة آخر ممالك الطوائف في الاندلس ونكبة فلسطين، لقد اغرق هولاكو نهر دجلة بالكتب وتحول لونه بلون احبار الكتب لكثرتها! من مفارقات القدر وسخريته أن المغول الذي اسقطوا بغداد ودار الخلافة هم أنفسهم الذي نشروا الإسلام في بلاد الهند والسند بعد اعتناقهم الإسلام، وترك المغول اثارا حضارية فكرية ومعمارية منها تاج محل وقلعة ومسجد دلهي ومساجد وحدائق لاهو في باكستان كما ان التتار والمغول هم من نشروا الإسلام في وسط آسيا.
عرفت عراقيين في الداخل العراقي والخارج طاعنين في السن من الرعيل الأول وممن عايشوا الحياة العامة سياسيا واجتماعيا في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي يثنون على الحقبة الملكية، حيث كانت ملكية دستورية وعايشت الديمقراطية في وقت مبكر في المنطقة العربية وغدا هؤلاء يعيشون على ذكريات الماضي الجميل، بات يكفيهم سَماع ذكرياتها والاستئناس بأخبارها ليعيشوا أحاسيس وقيما افتراضية حُرموا منها في زمن جمهوريات العَسكر التي توالت على حكم العراق منذ 1958 وحتى اليوم.
ربما أن مقولة الزمان لا يأتي بأفضل مما كان تنسحب على حياة العراقيين، فها هم اليوم الجيل التالي يتغنون برغد العيش في سبعينات وبداية ثمانينات القرن الماضي، رغم أنها فترة حزب البعث الذي أعاد اعتبار بعض رموز الحكم الهاشمي للعراق، حيث أمر آنذاك الرئيس صدام حسين بعمل تمثال للملك فيصل الأول باني ومؤسس دولة العراق في القرن العشرين..
إن سواد عامة الشعب ومزاج العراقيين خلال نحو قرن مضى يتمحور في فترتين هي الحكم الملكي وفترة السبعينات ولو بقت وبقي النظام الملكي الدستوري حينها لكان وضع العراق قبل نصف قرن وليس الان أفضل من الأردن في مطلع الألفية الثالثة.. بل لكان أفضل من أي قطر عربي من الخليج للمحيط لأنه يحظى ليس بثروات نفطية ومائية فحسب، بل بعقول وعلماء ومبدعين اصبحوا محل تآمر خارجي وفي كل مجالات الحياة، وتراث فكري وعلمي لا نظير له.
عشر سنوات عجاف وبلاد الرافدين تزحف في الرمال المتحركة…
أي مظلومية والملك فيصل بن الحسين كان سنيا ولكنه حكم العراق كملك للجميع عربا وكردا؟
وأي مظلومية للشيعة وهم اغلبية عناصر البعث وقياداته العسكرية وهم الذين رجحوا كفة العراق العسكرية في الحروب مع ايران… لا لشيء بل غدت طائفية توزيع المناصب السيادية تدغدغ صاحب (دولة القانون).
العراق مثل بعض بلدان الشرق الاوسط يزخر بالتلون والتنوع منذ امد طويل ولم نسمع بهذا الاصطفاف الطائفي على الأقل منذ نشأة الدولة الحديثه فيه على يد الملك فيصل الاول باني العراق الجديد. ولذا فقد كان تنوعه مصدرا لتميزه وشهد ظهور اعلام علم وأدب وغدا منبع الافكار والمدارس المتعددة في كل الوان الثقافة، ومن هنا فإن العراق لم يكن طائفيا على النحو الذي نشهده اليوم بدءا من العصر الملكي الهاشمي المزدهر وانتهاء بحكم البعث، فصدام كان متسلطا على كل العراقيين واغلب كوادر البعث ليست من طائفته.! وعلى هذا النحو اصبح تقليدا لدى الحكومات المتعاقبة أن تتناوب القيادات فيه من كل الطوائف والاعراق.

‘ كاتب يمني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية