علاء اللامي
في دنيا الله الواسعة علي جهة التعميم، وفي الديمقراطيات العريقة والكبيرة كالهند وفرنسا وألمانيا وغيرها علي جهة التخصيص، حين يفشل أو يتهم مسؤول سياسي بدءاً من رئيس الدولة فما دون بتهمة ما، وتثبت عليه، وأحيانا حتي قبل أن تثبت عليه، فإنه يستقيل في الغالب ويعتزل السياسة والعالم.. وفي حالات خاصة قد يتحول إلي جامع فراشات أو طوابع أو إنه ـ وهذا يحدث في النادر ـ يلجأ إلي مسدسه الشخصي لشعوره بالعار أمام شعبه أو حبيبته أو فرسه!.. وفــــي حالات أخري، طبيعية تماما، يغادر المسؤول السياسي الكبير موقعه بعــــد انتهاء عهدته الرئاسية أو غير الرئاسية ويعود مواطنا عاديا جدا، لا يختلف عن بقية خلق الله وليس له من الامتيازات ما هو موجود لدي أي طباخ أو سائق باكستاني في قصر هذا الشيخ الخليجي الكروي الشكل أو ذاك. لعل البعض سمع بالمستشار الألماني شرويدر الذي راح يبحث في عدد من شركات المحاماة عن وظيفة له بعد أن حكم ألمانيا لعهدتين طويلتين بنجاح لا ينكره حتي خصومه، وربما نسي الناس وجوه زعماء آخرين كغاندي وتيتو وميتران والحديدية ثاتشر والتقي جدا كارتر، كل هؤلاء وغيرهم مضوا إلي حال سبيلهم أو إلي قبورهم بكل هدوء وأناقة بعد شيخوخة منعزلة وفترة احتضار تشبه إلي حد بعيد شربة كأس ماء بارد علي سطح القمر.. أما في دول أخري ومنها العراق، عراق اليوم الديمقراطي الفيدرالي الجثثي ذو الأسوار المحروسة بأشنع لصوص الحضارات والفساد المقدس بقرارات السلطات الثلاث فلا علاقة لها بهذا التقليد البشري. لقد أثبت الساسة والمسؤولون الحكوميون وقادة الأحزاب العراقيون أنهم ضد الموت.. واستغفر الله العظيم الباقي وحده! أقصد إنهم ضد الموت السياسي في صلب العملية السياسية الاحتلالية. فبعضهم احترقت أوراقه ألف مرة، وطرده أسياده المحتلون شر طردة، وملَّ منه حتي خصومه فنسوه أو تناسوه ولكنه وفي كل مرة ينبعث كالعنقاء ويرتدي جلدا جديدا ويعود إلي الساحة من جديد فيصول ويجول ويدخل في جبهات وتحالفات ويخرج من أخري ويخوض الانتخابات فيخسر كل شيء ولم يحصل حتي علي مقعد واحد يقتعده ولكنه لم يعتزل أو ينصرف أو يغرب بل ما زال حيا سياسيا ويرزق بطريقة وبأخري.. هل تتذكرون أحمد الجلبي باشا! إنه رمز لهذه الفصيلة من البشر! شخص آخر من ذات الفصيلة مع انه مختلف من حيث الماضي و التجربة النضالية الدموية في جهاز حنين البعثي الصدامي هو أياد علاوي زعيم قائمة وكتلة العراقية هذا الشخص بدأ حياته السياسية بعد الاحتلال باعتراف مدوٍ خلاصته: إنه اشتغل مع أكثر من 10 مخابرات أجنبية الحسود في عينه عود وكمنجة! بهدف إسقاط النظام الدكتاتوري، وبعد السقوط صار رئيسا للوزراء فدمر مدنا عراقية معروفة كالفلوجة والنجف وكربلاء وسحق انتفاضات شعبية ومن ثم خرج من السلطة مرغما بعد فشل التكتل الذي قاده في الانتخابات في الحصول علي أغلبية ما، أو علي عدد من المقاعد يوازي الضجيج الذي أثارته وسائل إعلام الاحتلال حوله، وبدلا من أن يركن البريكادير أياد علاوي لكتابة مذكراته إن كان فعلا يجيد القراءة والكتابة والتفكير السليم عاد إلي الميدان السياسي بطائرة ذات محرك شغال 24 ساعة علي 24 فزار وصافح ووشوشَ عددا من الرؤساء والملوك والغلمان ومديري المجاري والجوازات العرب أكثر من أولئك الذين زارهم وصافحهم صديقه اللدود وخليفته نوري المالكي.
علاوي هذا أبدي مهارة غير محدودة في فن المتاجرة بدماء الناس وعذاباتهم فقد راح يشاغب علي كل شيء يقوم به زملاؤه في العملية السياسية فإذا فجر التكفيريون المجرمون أو زملاؤهم من عملاء الموساد واطلاعات والـ سي آي أيه شاحنة مفخخة في سوق شعبي وقتلوا وجرحوا المئات نصب علاوي أفندي مناحة بصوت جهور ستريو في أقرب فضائية خليجية وراح يمرغ الخطط الأمنية للمالكي وبوش في الوحل، وإن نجحت قوات الحكومة والاحتلال في توجيه ضربة إلي عصابات القتل التكفيري هتف علاوي أو واحد من بطانته العلمانية للقشر بأن الحكومة غير جادة في عملية المصالحة الوطنية وانها تخرق حقوق الإنسان بشكل مستمر وكأن حكومة علاوي كانت تمسي وتصبح علي حقوق الإنسان في الفلوجة والنجف وكربلاء بالقبلات والزهور الشذية!
حكومة المالكي ليست موضع دفاع هنا أو هناك، بل هي تستحق اللعن مثل وربما أكثر من غيرها من الحكومة التي شكلت تحت ظلال الاحتلال، ولكن من العيب والعار علي من كان أسس لممارسات المالكي في التحالف مع المحتلين والغزاة الأجانب وفي التعامل مع المقاومة العراقية وعموم قوي مناهضة الاحتلال بالحديد والنار أن يقلب البطانة في غمضة عين ويحاول الصعود علي تلة الجثث الطازجة ليرفع راية حقوق الإنسان!
مناسبة هذا الكلام هي الزفة الإعلامية التي قام بها علاوي وكومة المواقع علي الشبكة والوسائل الإعلامية الأخري القريبة منه أو التي تم تقريبها باستعمال المقربات الكيمياوية والفيزياوية المعهودة. حيث علمنا بأن هذا الشخص قد اشتعل وجدا لمنصب رئيس الوزراء الذي تذوق حلاوته لعدة أشهر وإنه يوشك أن يجهز علي حكومة المالكي وحلفائها ويحل هو وحلفاؤه من علمانيي وإسلاميي خليل زاده محله. البرنامج الذي يتأبطه السيد علاوي معروف ألا وهو حكومة طوارئ بصلاحيات ذبح وسلخ غير محدودة جغرافيا أو تاريخيا لدرجة يدفع معها ذوي الشهداء إلي الترحم مقدما علي روح الرفيق علي حسن المجيد الكيمياوي. والمشكلة كما ينقل البعض من الدوائر والمثلثات المحيطة بالرئيس والقائد العام الورقي للقوات المسلحة نوري المالكي وصاحبه بوش أن هذا البديل علاوي لا يحل مشكلة بل سيجلب مشاكل أخري، فمن حيث استعمال القوة ـ يشرح القادمون من تلك الدوائر والمثلثات ـ فإن أبا إسراء لم يقصر ولم يتبق عليه سوي الاستعانة بطير الهدهد أو الأبابيل، ولو كان السيد بوش يؤمن بالمعجزات الشرقية لفعلها.. ظاهرة علاوي والجلبي وأيهم السامرائي ليست غريبة عن المجتمعات الخارجة لتوها من عهود الحكم الطلق والدموي من ذلك النوع الذي أسقطه المحتلون، ولكن من اللافت أن هناك ظاهرة تقابلها وربما كانت من ذات النسيج النفسي والمجتمعي ألا وهي تظاهر أو إظهار عدد آخر من الزعماء السياسيين وخصوصا من الجذور والمراتب الدينية زهدهم بالحكم والسلطة.. فأحدهم يحلف بالمقدسات جميعا بأنه غير راغب في مغنم أو سلطة أو مال وانه لا يريد أكثر من أن ينتهي بقية عمره مدرسا للعلوم الدينية في مسجده أو تكيته، وزعيم آخر يقسم بأغلظ الأيمان بأن عينيه علي الشعب العراقي ومآسيه وليس علي تلك الحقيبة الوزارية أو هذا المنصب، وشخص ثالث أكثر تواضعا قال انه لا يطمع بدور حكومي بل بدور في السلطة التشريعية.. هؤلاء الناس وغيرهم يطمحون إلي أدوار سياسية ما، والطموح ليس عيبا أو جريمة ولكنه طموح العاجزين وفاقدي المواهب والملكات القيادية والقدرات الحقيقية التي يتطلبها المنصب الحكومي في عصرنا الحالي: عصر الفستا والجيغا بايت والدراسات المتعددة الأبعاد والتخليط الوراثي ومصائب أخري مشابهة مما لا يتمكن أن يتلفظها مجرد تلفظ أكثر من نصف كتلة التوافق أو الائتلاف، أما السادة في كتلة التحالف الكردستاني فلديهم تخفيضات لغوية فيدرالية.. علاوي والجلبي من المعلنين وغيرهما من المعلنين وغير المعلنين لا يمكن أن يمضوا إلي حال سبيلهم ما لم ينوجد لهم بديل حقيقي يتطلبه الظرف المأساوي الحالي، وبما أن الظرف المأساوي الحالي وعوامل مكملة أخري من ضمنها خبث ودهاء العدو المحتل ودخول التيار التكفيري علي الخط دخولا كارثيا والدور المفضوح والبائس الذي لعبه النهازون من أدعياء اليسارية والعلمانية ممن أسماهم يوم أمس الشاعر الوطني سعدي يوسف قشامر الماركسية في حزب الطنطل الشيوعي الطالباني، بما أن هذه العوامل وأخري غيرها قد أجهضت نشوء وتبلور حركة وطنية متماسكة فإن الساحة بقيت خالية لعلاوي والجلبي وسواهما.. وهؤلاء الناس لن يقدموا أو يؤخروا كثيرا في حسابات التاريخ حتي إذا استعملوا كل ما لفقوا أو سوف يلفقون وما فبركوا أو سوف يفبركون من جبهات وتحالفات ومفاجآت لأنها ستكون برامج ومفاجآت لا أفق لها وأفضل ما يمكن أن يفعله الموتي هو أن يشبعوا موتا ويتركوا الأحياء يخوضون معامع الصراع.. ليست المشكلة مع السيد علاوي وامثاله هي في انعدام من يستمع إليهم أو من يصفق لهم بل علي العكس إنها في وجود الكثير من هؤلاء المراهنين علي الهياكل العظمية والموديلات المجربة حتي السأم، غير ان الواقع العراقي هو الكفيل بإزاحتهم جانبا هم وشعاراتهم وبرامجهم ومفاجآتهم كما أزاح في الماضي القريب بعض أمثالهم الي القبور أو المنافي أو رقع الدومينو والشطرنج في مقاهي بغداد المعتمة.. وحين يصر الخارج من التاريخ مثقلا بالهزائم والفشل علي الاستمرار في لعب دور غيره، والقيام بمهمات لا مكان لها في لوح التاريخ الفعلي، بل في أوهامه وهلوساته الشخصية، فهو يقوم بمهمة عقيمة ولا يخلو من إلحاق الأذي بالذات.. إنها باختصار تشبه مهمة البحث عن حَبِّ الرقي في المثل العراقي ذي الرائحة غير الزكية، ثم إن الناس ـ يا أياد علاوي ويا رهط علمانية ويسارية الملوثين ـ وبسبب مآسيها السوداء، التي تسببتم أنتم بثلاثة أرباعها، باتت تخشي المعجزات ولا تندهش للمفاجآت سواء ارتدي أصحابها مايوهات الانقلاب العسكري أو وضعوا علي قرونهم البديعة عمامة حكومة الإنقاذ!
ہ كاتب من العراق يقيم في جنيفwww.albadeeliraq.com8