العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (الاخيرة)

حجم الخط
0

العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (الاخيرة)

الحرب العراقية ـ الإيرانية كانت حاضنة المناخ الطائفي المرير الذي اجتاح العراق منذ بداية الاحتلالتواطؤ قوي أجنبية ووطنية مع الغزو وعلي تبني سياسة الانقسام والتناحر ظاهرة جديدة علي التاريخ العراقيالعراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (الاخيرة)بشير موسي نافعہ تنشر القدس العربي مقتطفاتمن كتاب العراق سياقات الوحدة والانقسام للباحث والاكاديميبشير موسي نافع، والذييحاول فيه تحليل البنيةالاجتماعية والثقافية والطائفيةفي العراق، ورؤية السنة والشيعة لبعضهما البعض.خيانة بريطانيا للحركة العربيةبيد أن الحركة العربية منيت بفشل ذريع في نهاية الحرب العالمية الأولي، عندما خانها حلفاؤها البريطانيون الذين قاموا بالشراكة مع الفرنسيين بتقسيم الولايات العربية العثمانية السابقة إلي عدة دول، وتعهدوا بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين. هذا الفشل، الذي ترسب مرارة عميقة في صفوف النخب العربية في العشرينات، أدي خلال عقدي الثلاثينات والأربعينات إلي تحول راديكالي في التوجه القومي العربي. كانت تلك أيضا هي الفترة التي شهدت بداية صعود الأنتلجنسيا العربية من خريجي الجامعات العربية والغربية الحديثة علي حساب العلماء وأعيان المدن. وفي مواجهة الفشل، أخذت العناصر القومية العربية الناشطة في توكيد الأسس العرقية لهوية العرب ووحدة بلادهم، إلي جانب الأبعاد الثقافية واللغوية والدينية. ان كانت القوة الرئيسية التي مهدت لانطلاق ثورة العشرين في العراق قد تمثلت في جماعة حراس الاستقلال ، التي انضوي تحت رايتها الشيخ علي السويدي والسيد محمد الصدر وجعفر أبي التمن، فإن الأصوات القومية العربية في عراق نهاية الثلاثينات ضمت أمثال يونس السبعاوي، وصديق شنشل، ومحمد مهدي كبة، وسامي شوكت، وضباط المربع الذهبي ، ومنتسبي نادي المثني بن حارثة الشيباني، حيث أخذ الخطاب العربي منحي أكثر راديكالية، ليس فقط في عدائه لقوي الاستعمار الأجنبي بل أيضا في رؤيته الحصرية للهوية العربية. ولم يكن هذا الجيل من العروبيين العراقيين حالة فريدة، فعبر الحدود كانت بلاد الشام تشهد ولادة عصبة العمل القومي التي مثلت الواجهة العلنية لشبكة واسعة من الشبان القوميين العرب الراديكاليين في سورية ولبنان وفلسطين وشرق الأردن، وارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالعروبيين العراقيين الشبان، مدنيين وعسكريين. هذه هي الدوائر العروبية التي كان عليها أن تلعب الدور الرئيسي في الحرب العراقية ـ البريطانية في ربيع 1941، وأن تعيش مرارة هزيمة العراق في تلك الحرب. وما ان انتهت الحرب العالمية الثانية، حتي انبثق من وسط هذه الدوائر حزب البعث العربي في دمشق في 1943، ليصل في 1949 إلي تأسيس فرعه العراقي، إلي جانب فروعه الأخري. وببروز البعث، كانت الحركة القومية العربية قد قطعت شوطاً واسعاً في تصورها الحصري للهوية العربية، وابتعدت مسافة كبيرة عن تصور العروبيين ـ الإسلاميين في مطلع القرن العشرين للعروبة وأهدافها.أغلق هذا التطور في مسار الفكرة القومية العربية وخطابها وتوجهاتها، في موازاة الحركات القومية التركية، الكردية، والفارسية، جسور وقنوات حركة التعرب في العراق، التي كانت في جوهرها جسوراً وقنوات إسلامية. لقد ارتفعت أسوار قومية في عراق النصف الثاني من القرن العشرين بين الأكثرية العراقية العربية، من ناحية، والأقليات الكردية والتركمانية والجالية ذات الأصل الإيراني، من ناحية أخري. طورت كل فئة خطاب هويتها الخاصة، المؤسس علي مركب من الحقائق والأساطير، والمستبطن استبعاد الآخر أو الخشية منه. وخسر العراق بذلك الكثير من استقراره وديناميته التاريخية الخاصة.كما كل الوحدات الجغرافية المشرقية، صنعت تاريخ العراق ومكوناته عوامل وقوي وحدة وانقسام، تجمع وتشظ، التفاف حول المركز وطرد مركزي. كان الفتح الإسلامي وانتشار الإسلام، وتحول العراق إلي مركز قيادة لدولة إسلامية كبري، أو انضمامه إلي كيان إمبراطوري قوي، كما الهجرات العربية الكثيفة والمتصلة منذ ما قبل الإسلام وحتي القرن الثامن عشر، كلها قوي توحيد. وكان تأسيس بغداد، وبروزها عاصمة حكم وسياسة وثقافة واقتصاد، عامل وحدة بالغ التأثير، عززت منه الاعتبارات الاستراتيجية لجغرافية العراق كون معظم أراضيه تقع ضمن سهل نهري تحده الجبال والصحراء. وليس بغداد فحسب، بل ان المدن العراقية الرئيسية الأخري، مثل الكوفة وواسط والموصل والبصرة، والمدن الأصغر الأخري، التي بدأ دورها في البروز في نهاية القرن التاسع عشر، لعبت دوراً كبيراً في انصهار العناصر البشرية المختلفة، أو في اجتماعها في إطار من الوحدة والتعاون مع الاحتفاظ بخصوصياتها العرقية أو الدينية. وكان الانقسام الطائفي، والصراعات السياسية، والغزو الخارجي، الذي حركته طموحات السيطرة أو دوافع طائفية، كما الصراع بين القوي العشائرية والمركز، كلها عوامل وقوي انقسام.بيد ان العراق لم يعرف الدولة بمفهومها الحديث، الدولة-الأمة (the nation-state)، حيث يفترض ان تنصهر الجماعات في إطار هوية وطنية/ قومية ضمن فضاء جغرافي محدد دولياً، وحيث يتماهي الشعب ودولته، إلا في أعقاب الحرب العالمية الأولي ووقوع أغلب بلاد المشرق العربي تحت السيطرة الإمبريالية. وظلت هذه الدولة تعيش توترات متفاوتة مع طموحات وحدة أوسع، طموحات الوحدة العربية، أو الطموحات الانفصالية الكردية. ولكن بروز الدولة القومية باعتبارها مآل الشعوب والوحدة الأساسية للنظام الدولي هو تطور حديث في التاريخ العالمي علي أية حال. تعود بداية هذا التطور إلي الترسيم الأولي للحدود الأوروبية الداخلية في معاهدة وستفاليا في منتصف القرن السابع عشر؛ ولكنه لم يستقر بالفعل ويكتسب ملامح محددة إلا منذ صعود الفكرة القومية في نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر. وقد ظلت حدود الدولة القومية الحديثة في أوروبا محل نزاع وحروب؛ بل ان حدود الدولة والأمة كانت إحدي الأسباب المفجرة للحربين العالميتين الأولي والثانية، وللانقسام الأوروبي الكبير خلال الحرب الباردة. وكما ان حدود الدولة الحديثة في أوروبا لا تعني بالضرورة وجود أحادية إثنية أو دينية في شعب هذه الدولة، فإن بروز نظام الدولة الحديثة في المنطقتين العربية والإسلامية، وفي عموم آسيا وأفريقيا، لم يرتكز إلي مثل هذه الأحادية. تكونت بريطانيا، مثلاً، من عدة كتل عرقية: الإسكتلنديين والإنكليز والويلزيين والإيرلنديين، ومن بروتستانت وكاثوليك. وقد ازداد هذا التركيب تنوعاً بفعل موجات الهجرة في النصف الثاني من القرن العشرين. وحتي في فرنسا، التي تعتبر مثال الدولة القومية الحديثة، لم تكن اللغة الفرنسية هي اللغة الأولي لأغلب طلاب المدارس حتي الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وقد لعبت الدولة المركزية، عبر مؤسسات التعليم والجيش والبيروقراطية، دوراً فعالاً في فرنسة فئات الشعب الفرنسي خلال العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر والقرن العشرين. وتتشكل كل من اسبانيا وسويسرا وبلجيكا جميعاً من مجموعات إثنية وثقافية مختلفة، تتحدث لغات مختلفة. إن التاريخ لم يصدر حكمه بعد علي نظام الدولة القومية الحديثة؛ ويشهد العالم اليوم محاولات شتي للخروج من حدود وقيود هذه الدولة إلي فضاءات سياسية وثقافية أوسع. ولا يعتبر التنوع الإثني والديني في العراق الحديث بالتالي استثناء، لا بالمقاييس الأوروبية ولا بالقياس إلي دول جواره العربية والإسلامية. صحيح ان لا الشعب العراقي ولا شعوب الجوار الأخري قد استشيرت عندما قامت القوي الإمبريالية المسيطرة في أعقاب الحرب العالمية الاولي برسم حدود دول المنطقة. ولكن أحداً لا يمكنه الجدال في وجود العراق، كوطن ووحدة جعرافية بسمات طبيعية وبشرية ـ اجتماعية مشتركة، منذ الفتح الإسلامي علي الأقل. وقد اختلف المؤرخون والجغرافيون العرب في تحديد ما يعنيه العراق؛ ولكنهم لم يختلفوا في انه يضم كل وادي الرافدين، يضاف إليه ما عرف بعراق العجم الواقع خلف سلسلة الجبال والمستنقعات الفاصلة بين الوادي ذي الأغلبية العربية ومنطقة فارس، التي غلب عليها النطق بالفارسية منذ نهايات العصر العباسي. شهد العراق حالة من عدم الاستقرار خلال الفترة الفاصلة بين الغزو المغولي والعهد العثماني، اتسمت بضعف سيطرة المركز البغدادي علي باقي المجال العراقي. وبالرغم من ان هيكل الإدارة العثمانية في العراق قام علي تقسيم العراق الجغرافي إلي ثلاث ولايات، فإن هذا التقسيم الإداري لم يكن ثابتاً، وظلت بغداد تشكل مركز القوة والوحدة للولايات الثلاث. وما ان اتيح للحكم المملوكي هامش للاستقلال الإداري النسبي عن اسطمبول حتي عادت قوي التاريخ والضرورات الاستراتيجية لتعيد للولايات الثلاث وحدتها تحــــــت الإشراف المباشر او غير المباشر لبغداد. ولم يعرف العراق، منذ الفتنة الكبري، الحرب الأهلية بدلالاتها الحديثة. وربما بسبب الفتنة الكبري وترسباتها المؤلمة، قدمت الجماعة المسلمة مسألة الوحدة علي كل المسائل الأخري. لا الصراع علي بغداد بين الأمين والمأمون، ولا الصراع بين البويهيين والسلاجقة، بين الصفويين والعثمانيين، بين الدولة العباسية والخوارج أو القرامطة، أو الحملات التي شنتها حكومة ولاية بغداد العثمانية ضد العشائر، أو تلك التي قامت بها الدولة الحديثة ضد العشائر المتمردة والأشوريين والأكراد، تطورت إلي حروب أهلية بالمعني الحديث للحرب الأهلية. مثلت هذه الحروب صراعاً علي الحكم بين قوي الطبقة الحاكمة، أو محاولة الدولة المركزية تعزيز قوتها في مواجهة تمرد مجموعات دينية أو عشائرية أو إثنية. وكانت فترات الانقسام نتاج ظروف سياسية معينة وليس نتاج مكونات أصيلة أو موروثة في الاجتماع العربي ـ الإسلامي في العراق، بالرغم من الأهوال التي تعرض لها العراق خلال تاريخه، وأنه كان دائماً من أكثر المناطق العربية ـ الإسلامية تنوعاً.وليس من الصحيح رؤية الوجود السني ـ الشيعي الحالي، أو المسألة العربية ـ الكردية، باعتبارها ثابتاً إسلامياً وقومياً قديم الجذور، وانها كانت دائماً عامل انقسام طائفي وإثني في العراق. لم يكن الحكم الإسلامي الراشد، ولا الحكم الأموي أو العباسي المبكر، سنياً أو شيعياً؛ كان حكماً إسلامياً فحسب، بغض النظر عن عدل حكامه أو ظلمهم. وقد مر قرنان علي ظهور الإسلام قبل ان يتبلور توجه سني، وثلاثة علي الأقل قبل ان يتبلور خطاب شيعي إثنا عشري. كان التبلور الطائفي الإثنا عشري عملية تدريجية؛ وقد ولدت الطائفة الشيعية الإثنا عشرية ونمت داخل الفضاء السني وليس بمعزل عنه. كما أن السنة نظروا لأنفسهم كحاضنة عريضة للإسلام لا كطائفة، ولم يظهر السنة شعوراً طائفياً دفاعياً إلا عندما داهمهم الخطر والاعتداء. لذلك كله، لم تشهد العلاقات السنية ـ الشيعية الإثني عشرية صراعاً كذاك الذي شهدته علاقة السنة بالخوارج مثلاً، أو الكاثوليك بالبروتستانت في أوروبا الحديثة. وساعد علي توكيد العلاقة العادية بين السنة والشيعة الإثني عشرية ان كلاً من الفقه السني والشيعي انتهي عملياً إلي رفض الخروج بالسيف علي الحاكم المسلم: السنة لأنهم باتوا يخشون الفتنة والانقسام الداخلي، والشيعة لأنهم عقدوا تأسيس الدولة وشرعيتها علي ظهور الإمام. وظلت التوجهات الشيعية تزور مؤسسة الخلافة، حتي في العصر العباسي المتأخر وبعد انتصار ما سماه هدغسون العالمية السنية في منتصف القرن الخامس الهجري. وبالرغم من أن العلماء الشيعة الإثني عشرية تكلموا منذ القرن الرابع الهجري في شرعية دولة لا يقودها الإمام الثاني عشر (الغائب في المعتقد الإثني عشري)، فإن وجهاء الطائفة وكبار رجالاتها انضووا تحت ظل مؤسسة الخلافة واحتلوا مناصب عدة فيها، بما في ذلك منصب الوزارة. ولم يأخذ الفاصل الطائفي في التجلي والتكرس بين الجهتين إلا في العصر المغولي؛ ثم تطور إلي حالة من حرب الدول، التي اختلطت فيها التوجهات الطائفية بمصالح الدولة التوسعية في العهد الصفوي – العثماني.تشيع تحت بصر الحكومة العثمانيةوبينما يبدو من الضروري رؤية الآثار العميقة التي تركها العهد الصفوي علي بنية التشيع والعلاقات السنية ـ الشيعية، فمن الضروري عدم المبالغة في توجه الدولة العثمانية والتزامها السني. فقد ولدت الدولة العثمانية في بيئة ثقافية صوفية حملت عناصر تأثير شيعي، ولم تبدأ في التوكيد علي سنيتها إلا في القرن العاشر الهجري/ السادس عشر الميلادي، عندما اندلع الصراع الصفوي – العثماني. وحتي بعد ذلك، فإن انتشار التشيع وسط العشائر العربية في جنوب العراق تم تحت سمع وبصر رجال الدولة العثمانية، وبموافقتهم ورضاهم في معظم الأحيان. ومن الضروري كذلك عدم الخلط بين المواقف المناهضة لمراسم العزاء الشيعي وطقوسه، التي اتخذها الحكام المسلمون في العراق (وخارج العراق)، من جهة، والموقف الطائفي التمييزي من الشيعة الإثني عشرية، من جهة أخري، لاسيما ان أغلب السنة، إلي جانب عدد من العلماء الشيعة، اعتبروا هذه الطقوس منافية للشرائع الإسلامية؛ كما ان هذه الطقوس ارتبطت في العهد العثماني بالنفوذ الصفوي/ القاجاري في العراق، النفوذ الحقيقي أو المتخيل.حسر الفجوة بين السنة والشيعةشهدت العقود الأخيرة من العهد العثماني تطورات بالغة الأهمية علي صعيد العلاقة بين السنة والشيعة، وإمكانية كسر الجدار الطائفي الذي باعد بينهما منذ الغزو المغولي. فقد لجأ السلطان عبد الحميد الثاني إلي سياسة الجامعة الإسلامية لمواجهة الأطماع الغربية في بلاد السلطنة، وهو ما كان يستدعي حشد الأمة العثمانية بسنتها وشيعتها خلف لواء الدولة. وفي ذات الاتجاه، تمت بالفعل مصالحة جادة بين الدولة العثمانية وإيران القاجارية. وقد أسس انتصار المدرسة الأصولية الشيعية علي المدرسة الأخبارية لبروز مؤسسة علمائية شيعية أكثر تحرراً وقدرة علي الاستجابة لمتغيرات العصر. ولكن المشكلة التي واجهت التقارب بين الطرفين تمثلت في عدم تطور المدرسة الأصولية (لأسباب عديدة) إلي حركة مراجعة نقدية جذرية للميراث الشيعي الطائفي، وانقسام السلفية السنية الحديثة إلي تيارين رئيسيين: تيار إصلاحي مثله عبده ورضا وآخرون، وتيار محافظ مثلته المدرسة الوهابية. هذا إضافة إلي ان العصور الحديثة لم تترك للمسلمين حرية التصرف في شأنهم الداخلي، بعد ان أصبحت بلادهم مسرحاً للتدخلات الإمبريالية وتدافع القوي الأجنبية. من جهة أخري، فإن عروبة العراق، التي بدأت بالوجود العربي قبل الإسلام في حوض الفرات وتأكدت بمرور القرون التالية، لا يجب ان ينظر إليها من المنظار العرقي الحصري لثقافة القرن العشرين القومية. كانت عروبة العراق جزءاً لا يتجزأ من المرجعية الإسلامية السائدة، التي كانت عربية الثقافة والمناخ، بالرغم من ان العراق أصبح حاضنة لأعراق متعددة، مسلمة وغير مسلمة، من حكام وعلماء وجند ورجال دولة، بل وعشائر راحلة ومستوطنة. وبالرغم من أن البحث في أصل من يعرفون اليوم بالأكراد هو مسألة شائكة بلا شك، فإن الفضاء العراقي كان ساحة رئيسية لتعرب الأكراد والتركمان والفرس والشركس. بدأت الهويات القومية، التركية والعربية والكردية والفارسية، في التبلور منذ نهاية القرن التاسع عشر؛ ولم يكن مستغرباً، لا في مطلع تحول العروبة إلي حركة قومية سياسية في الحرب العالمية الأولي، ولا في ظل الدولة العراقية الحديثة في عهدها الملكي، ان تنشط في الأوساط القومية العربية عناصر كردية أو تركمانية، تعربت منذ جيل واحد أو جيلين علي الأكثر. ولم تأخذ الحركة القومية العربية والكردية والفارسية في التعبير عن نفسها بتعبيرات عرقية حصرية إلا بعد الحرب العالمية الثانية. وعندها، ربما، توقفت حركة التعرب في العراق، وتحولت المسألة الكردية إلي مسألة قومية مستعصية. ولعل ما ساهم في تفاقم المسألة الكردية، كان تورط القوي القومية الكردية في الصراعات الإقليمية والدولية.وليس من الصعب رؤية التلازم بين الوحدة والاستقرار والرخاء، من ناحية، والانقسام وانهيار الحكم المركزي وغياب الأمن وتقويض سبل المعاش، من ناحية أخري. ولأن موقع العراق الجيوبوليتكي، حتي بعد ولادة الدولة الحديثة ورسم حدودها الدولية، ربط بين مصيره ومصير جواره العربي والإسلامي، فإن استقرار العراق ورخائه مؤشر علي استقرار المنطقة ورخائها، كما ان انقسام العراق وانحطاطه مؤشر علي انقسام المنطقة وانحطاطها. وإن كان نظام الدولة الحديثة، والسلطة الهائلة التي استحوذت عليها، فتح الباب في كافة أنحاء العالم لمقاييس الأكثريات والأقليات، فإن العراق يجب ان يكون الاستثناء الذي لا يمكن النظر إلي عناصره البشرية بمقاييس الأكثرية والأقلية. يرتبط الشيعة العراقيون، وغير العراقيين، ارتباطاً رمزياً وثيقاً بالعراق؛ فيما يري السنة أنهم صنعوا تاريخ العراق الإسلامي ومجده، وأن ليس هناك من بلد خارج الحجاز أعطي ميراثهم ملامحه كالعراق. وبينما أصبحت إسلامية العراق وعروبته سمة تاريخية راسخة، يعززها محيطه العربي ـ الإسلامي، فإن الوجود المسيحي في العراق (كما هو في مصر وبلاد الشام) وجود أصيل يعود إلي مطلع المسيحية ذاتها. ومهما كان إلحاح المسألة الكردية، فإن وضع أكراد العراق لا يمكن ان يحل حلاً حاسماً بمعزل عن الوضع الكردي في عموم المنطقة. إن توجهات الهيمنة القسرية، القائمة علي تجاهل المواريث التاريخية، لن تؤدي إلا إلي تقويض استقرار العراق وتقويض استقرار جواره علي السواء.وهذا، ربما، ما يستدعي إضافة بعض من الملاحظات السريعة والمشروطة حول حقبة الدولة العراقية الحديثة، التي بدأت بتنصيب فيصل الأول ملكاً في 1921 وانتهت بالغزو الأميركي للعراق وإطاحة الدولة العراقية في 2003. وهي ملاحظات سريعة لأن هذا الكتاب لم يتناول هذه الفترة بالبحث؛ وهي مشروطة لأنها لا يجب ان تؤخذ بدرجة من اليقين قبل ظهور عدد كاف من الدراسات الموثوقة لهذه الفترة، تسمح بمقارنة النتائج والتحقق من مصداقية الأرقام واتجاهات القوي. وليس هناك من شك في وجود حساسية بالغة تتعلق بقراءة بنية الدولة العراقية الحديثة وتوجهاتها؛ فقد انتهي العهد الملكي في العراق بمذبحة، وانتهي زعيم أول نظام جمهوري مقتولاً، بينما يقبع آخر رئيس للجمهورية في سجن أميركي ينتظر المحاكمة. كما ان العراق شهد منذ 1921 عدداً من الحروب، وسلسلة من الانقلابات؛ بل ان أول انقلاب عسكري في العالم العربي كان انقلاب بكر صدقي في 1936. وسجل الدولة الحديثة هو فوق ذلك سجل لم يجف حبره بعد، ولم يزل يمس حياة الكثير من العراقيين المعاصرين ويؤثر تأثيراً مباشراً علي ذاكرتهم ووعيهم. ولاعتبارات واضحة، أصبح ميراث الدولة الحديثة أكثر مواريث العراق تسييساً وعرضة للتوظيف الأيديولوجي. بالرغم من ذلك كله، فإن طرح عدد من الملاحظات ذات العلاقة قد يساعد علي فتح أبواب من النقاش، وعلي توكيد أو نفي بعض ما تم التوصل إليه في الفصلين السابقين:أولاً- لجأ البريطانيون تحت وطأة خسائرهم في ثورة العشرين إلي منح العراق إدارة ذاتية، تحت إشراف بريطاني ثقيل الوطأة، وحكماً وطنياً منقوص السيادة. ولأن البريطانيين لم يكن لديهم تصور للدولة سوي التصور الحديث لها، فقد أرادوا تسليم مقاليد الدولة لعراقيين تدربوا في مؤسسة الدولة الحديثة وطرقها ووسائلها. ولم يكن هناك من عراقيين من هذا الصنف إلا أولئك الذين درسوا في المدارس العثمانية الحديثة، وخدموا في بيروقراطية وجيش الدولة العثمانية الحديثة. وكان هؤلاء في أغلبهم من السنة، بعضهم عرب والبعض الآخر من أصول كردية أو تركمانية. إذ بالرغم من التقارب السني – الشيعي في نهاية العهد العثماني، فقد ظل الشيعة محجمين عن الانضواء في جهاز الدولة العثمانية، حتي عندما فتحت الدولة أبواب وظائفها للعراقيين وعموم فئات الرعية (ولم تعد مقصورة علي الأتراك) في حقبة التحديث العثماني. ولعل ما ساعد رجال الدولة العثمانية السابقين علي تسلم مقاليد الدولة العراقية الحديثة ان عدداً منهم، وليس كلهم علي أية حال، كان قد انضم إلي الثورة العربية وإلي قوات الأمير فيصل الثائرة علي حكم الاتحاد والترقي في إسطمبول. ولم يكن مستغرباً بالتالي ان يخسر السيد الكيلاني، رئيس وزراء الفترة الانتقالية، الشخصية التقليدية وأحد وجهاء بغداد الكبار، الذي عرف بولائه للعهد العثماني المنتهي، منصبه سريعاً، وأن يصعد إلي رئاسة الوزارة الموظفون والضباط العثمانيون السابقون أمثال عبد المحسن السعدون، ياسين الهاشمي، ناجي السويدي، ونوري السعيد، الذين عرفوا بخلفيتهم التعليمية الحديثة، أو كانوا من الموالين للهاشميين. كانت سيطرة العناصر السنية علي مقاليد الدولة نتاج ظرف تاريخي خاص وليس مؤامرة طائفية للاستحواذ علي الحكم.ثانياً- بالرغم من التوجه القومي العربي للعهد الملكي والسيطرة السنية علي جهاز الدولة الوليدة وضعف التمثيل الشيعي في الوزارة والجيش وصفوف كبار موظفي الإدارة، فإن من الصعب وصف الدولة الملكية بأنها كانت قومية حصرية أو طائفية النزعة. تواجد الأكراد بقوة في صفوف طبقة ضباط الجيش، وعرف بكر صدقي، رئيس الأركان الذي قاد انقلاب 1936، ليس فقط بأصوله الكردية بل أيضاً بعواطفه الكردية. وقد أصبح الكثير من الأكراد وزراء، كما ترأس الوزارة كردي واحد علي الأقل من آل بابان. أما الوزراء ورؤساء الوزراء الذين انحدروا من أصول كردية وتركمانية، وعرفوا في الوقت نفسه بتوجهاتهم العروبية، فكثر. هذا بالرغم من انطلاق حركة التمرد الكردي القومي منذ منتصف الثلاثينات. وقد ارتفع التمثيل الشيعي في سلك الوزارة وفي الجيش ودوائر الدولة تدريجياً، كما ازداد عدد المدارس الحديثة في المناطق الشيعية في شكل مطرد، وتدفق العراقيون الشيعة علي المعاهد العليا وبعثات الدولة الخارجية. ومنذ نهاية الحرب الثانية، أصبح اختيار شيعي لرئاسة الوزراء أمراً معتاداً تماماً. كما لعب الشيعة دوراً متزايداً في الحياة الثقافية – السياسية في العراق الملكي. كان فاضل الجمالي ومهدي كبة من مؤسسي نادي المثني بن حارثة الشيباني في 1933، وهو المنتدي الذي تحول إلي حاضنة للفكرة القومية العربية في العراق الحديث. وبينما ساهم ساطع الحصري، السني من حلب، مساهمة بارزة في نمو الفكرة القومية العربية، كان العروبي الشيعي من بعلبك، رستم حيدر (وحتي مقتله في حادث جنائي) أحد أقرب المقربين من الملك فيصل الأول ومن الأسرة المالكة. للدولة العنصرية أو الطائفية، مهما بلغت من تسامح، سقف لا تخترقه، سقف يحدد طائفيتها أو نزعتها التمييزية؛ ولكن مثل هذا السقف العرقي أو الطائفي لم يوجد في العهد الملكي.ثالثاً- ليس ثمة من اتهامات طائفية توجه عادة لنظام حكم عبد الكريم قاسم، النظام الجمهوري الأول. ولد قاسم لأب سني وأم شيعية، وقد احتل حتي الانقلاب عليه منصب رئيس الوزراء، أما مجلس رئاسة الدولة فقد ضم عربياً سنياً، وآخر شيعياً، وثالثاً كردياً. والمدهش ان التقييم غير الطائفي لنظام قاسم لا يأخذ في الاعتبار ان أغلب وزراء حكوماته كانوا من السنة، وأن عبد السلام عارف، رفيق قاسم الحميم، الذي لعب الدور الأهم في الانقلاب علي الحكم الملكي، كان سنياً. وبالرغم من شعبية قاسم الواسعة في أوساط عموم الشيعة، فقد كان عهده خطراً كبيراً علي التقاليد الإسلامية الشيعية. في عهد قاسم، تجرأت الدولة علي التشريعات الإسلامية المتبقية في مجال الأحوال الشخصية، ونشط الحزب الشيوعي العراقي نشاطاً كبيراً، لا سيما في أوساط المتعلمين والعمال العراقيين الشيعة. ولم يكن مستغرباً ان يدفع هذا المناخ عدداً من المثقفين والعلماء الشيعة الشبان إلي تأسيس حزب الدعوة ، أولي المنظمات الإسلامية السياسية الشيعية في العراق الحديث. أما عبد السلام عارف فقد عرف بتوجهاته القومية العربية والإسلامية. حافظ عارف خلال عهده علي علاقات حسنة بالمرجعية الشيعية، التي شهدت في ظل حكمه وحكم شقيقه، عبد الرحمن عارف، أكثر فتراتها قوة وتأثيراً. وحكم العارفين هو الذي فتح أبواب العراق لآية الله الخميني بعد نفيه من إيران، بالرغم من رفض عدد من علماء النجف استقباله. ولم تتوتر علاقة عبد السلام عارف بمرجعية النجف إلا عندما كانت تتكشف لديه الصلات السرية بين بعض علماء المرجعية في النجف ونظام الشاه في إيران، الذي نظر إليه في بغداد باعتباره مصدر تهديد للعراق. ولعل التباين بين موقف الحكم في بغداد وموقف مرجعية النجف من استقرار آية الله الخميني في العراق يرجع إلي تباين موقفي الطرفين من نظام الشاه. وليس ثمة من مؤشر علي ان الاعتبارات الطائفية كان لها أي دور يذكر في الصداقة الوثيقة بين عارف وقاسم، في اختلافهما بعد ذلك، وفي سجن الأخير للأول، أو في مشاركة عارف في الانقلاب علي قاسم. والمفارقة ان التمثيل العربي السني والعربي الشيعي في حكومة عارف أصبح متساوياً، بالرغم من ان اختيار الوزراء من الجانبين لم يتم علي أساس طائفي بل عكس الانضواء الشيعي المتزايد في الدولة والحياة السياسية. وقد اتسم عهد عارف القصير، وعهد شقيقه الانتقالي الأكثر انفتاحاً، بقدر كبير من الاضطراب والتدافع بين القوميين العرب والشيوعيين، وبين القوميين من غير البعثيين والقوميين البعثيين، كما بين هؤلاء جميعاً والإسلاميين السنة والشيعة علي السواء.رابعاً- بدأ العهد الجمهوري الأخير، عهد أحمد حسن البكر وصدام حسين، بانقلاب 1968 ومن ثم سيطرة حزب البعث علي السلطة. كان العدد الأكبر من قيادة النظام الجديد من ضباط الجيش، ومن الشبان البعثيين العرب السنة العلمانيين، المنحدرين من أسر وعشائر غير بغدادية. ولكن البعث كان دائماً وثيق الصلة بالعرب الشيعة، الذين لم تنتشر بينهم في الخمسينات والستينات التيارات اليسارية فحسب، بل والتيارات القومية العربية الأيديولجية كذلك. إن القادة الثلاثة الأول لحزب البعث في العراق كانوا من العرب الشيعة؛ ولم تظهر أغلبية سنية في قيادة الحزب إلا بعد استيلاء اللجنة العسكرية علي القيادة إثر الفوضي التي تسبب فيها الحرس القومي التابع للقيادة المدنية في 1963، ومن ثم نجاح عارف بموافقة اللجنة العسكرية لحزب البعث في طرد شركائه البعثيين وحرسهم القومي. كان أغلب أعضاء اللجنة العسكرية من الضباط السنة، بل ومن أصول عشائرية تكريتية، وهو ما سيسهم في صعود التكريتيين إلي السلطة بعد ان أخذت دائرة الحكم تضيق وأخذ الرفاق في الانقلاب علي بعضهم البعض وتصفية الواحد منهم للآخر. ولكن تصوير نظام البعث علي انه نظام حكم عربي – سني، انتهج سياسة اضطهاد منظم للشيعة وللأكراد، باعتبارهم شيعة وأكراداً، هو تصوير تنقصه الأدلة حتي الآن.كل أنظمة المشرق، حيث الدولة الحديثة وجماعتها الوطنية لم تستقرا بعد، تواجه خصومها بقدر كبير من العنف، لا سيما عندما يلجأ خصومها أنفسهم إلي استخدام وسائل العنف. العنف الذي وظفه النظام ضد المناطق الكردية المتمردة علي السلطة المركزية، وذلك الذي واجه به انتفاضة المحافظات الجنوبية في 1991، لا يختلف كثيراً عن العنف الذي تعاملت به الدولة التركية او الإيرانية مع حالات التمرد الكردي، أو الذي تعاملت به الدولة الجزائرية أو السورية أو المصرية مع تمرد القوي الإسلامية المسلحة. ولا يختلف بالتأكيد عن العنف الذي تواجه به دولة ما بعد احتلال 2003 خصومها المسلحين. كان نظام البعث، خاصة منذ نهاية عهد البكر، نظاماً انفرادياً، حاول تأسيس الاستقرار بقوة الأجهزة الأمنية ووسائل القمع والعنف. ولكن عنف النظام في مواجهة خصومه في المناطق الكردية والشيعية ليس دليلاً علي طائفيته، لا سيما أن نظام البعث لم يتورع عن استخدام عنف مشابه (وإن بدرجة أقل) ضد منطقة عربية سنية كالرمادي، عندما استشعر بوادر تمردها في منتصف التسعينات. ثمة عدد من الأسئلة لا بد ان يجاب عليها قبل محاولة حسم الجدل حول طائفية النظام وتمييزه العرقي: إلي أي حد، مثلاً، كانت سياسات النظام التعليمية والتنموية سياسات تمييزية، ماذا عن عدد الجامعات وتوزيعها الجغرافي، عن عدد الطلاب الجامعيين وتوزيعهم الطائفي والعرقي، ماذا عن سياسات التوظيف الحكومي والارتقاء في مناصب الدولة، ماذا عن الإصول الطائفية لكوادر الحزب الحاكم وقياداته، وماذا عن دوائر الحكم والمقاعد الوزارية؟خامساً- إن معظم تداعيات الوضع العراقي الحالي تعود إلي الحرب العراقية – الإيرانية وسنواتها المدمرة والدموية الطوال. ولا يجب ان يكون هناك شك في ان نظام صدام حسين، مدعوماً بعدد من القوي الإقليمية والدولية، يتحمل مسؤولية إشعال الحرب. في سنوات الحرب تلك ولدت أوهام الدور المضخم لدي النظام، وفيها ولدت بذور الانقسام الطائفي، وفيها ولدت أزمة العراق المالية – الاقتصادية. الأزمة المالية – الاقتصادية هي التي أدت إلي أزمة الكويت وحرب الخليج الأولي، ومن ثم إلي حصار العراق الطويل، وتصدره قائمة الأهداف الأميركية في الشرق الأوسط. وما ان صنعت أحداث الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر سياقاً عالمياً جديداً حتي بدأ العد العكسي لغزو العراق واحتلاله.الحرب العراقية ـ الايرانيةبيد ان الحرب العراقية – الإيرانية كانت أيضاً حاضنة المناخ الطائفي المرير الذي أخذ في اجتياح العراق منذ بداية الاحتلال. كان هدف العراق الرئيسي من شن الحرب علي إيران في 1980 السيطرة علي إقليم عربستان/ خوزستان الجنوبي ذي الأكثرية العربية، وهو ما كان يعني العبث بالتركيب القومي الإيراني ودفع إيران إلي التفكك والانهيار. وقد ردت إيران الصاع صاعين عندما مدت يد العون للقوي الكردية القومية في شمال العراق، وللعناصر والتنظيمات الإسلامية الشيعية السياسية، بل وعملت علي تكوين تنظيمات جديدة. ونظراً لأن إيران دولة يحكمها نظام إسلامي شيعي، ونظراً للموروث التاريخي الثقيل للعلاقة بين إيران الصفوية/ القاجارية والعراق، فقد ولدت سنوات الحرب الطويلة خطاباً طائفياً، انتشر في أنحاء المشرق والعالم الإسلامي. وعندما انتهت الحرب بدون سقوط النظام في العراق، بدا ان أغلب التنظيمات العراقية المعارضة في الخارج، لا سيما الشيعية التي ازدهرت خلال سنوات الحرب، فقدت مسوغ وجودها. وهذا بالذات ما أدي ببعض هذه التنظيمات إلي البحث عن مسوغ استمرار في الخطاب الطائفي. ثم جاءت هزيمة العراق في حرب الخليج الأولي عام 1991 وما تبعها من توظيف بغداد الواسع للعنف لاستعادة السيطرة علي المدن الجنوبية، ذات الأكثريات الشيعية. وليس هناك من شك في ان أحداث 1991 وفرت مادة غير مسبوقة للخطاب الطائفي. أخيراً- شكل نظام الدولة الحديثة، في العراق وغيره من الدول العربية والإسلامية، معضلة كبري للفكر والوعي الجماعي العربي والإسلامي. وقد فاقم من هذه المعضلة فشل أنظمة هذه الدولة المتفاوت في عملية التنمية، والحفاظ علي الاستقلال، ولجوؤها المتكرر إلي العنف السافر لتعويض أزمة الشرعية. وربما سيحتاج العرب والمسلمون سنوات طويلة أخري لحل إشكالية الدولة. وليس من الصعب اتهام الدولة العراقية الحديثة، سواء في حقبتها الملكية أو الجمهورية، بكثير من الاتهامات. ولكن وصم هذه الدولة بالطائفية يستدعي إعادة النظر في المنطق الذي قامت عليه، كما يعرفه دارسوها العرب وغير العرب. ومثل هذه المقاربة للعراق الحديث لا تؤيدها الشواهد التاريخية المتاحة. هذا لا يعني، بالطبع، ان عراق ما بعد الغزو ليس مهدداً بالانقسام الداخلي، الطائفي أو العرقي؛ فالهويات تلد، أو تكتسب نزعتها للتمركز حول الذات ونفي الآخر، في ظروف انتقالية أو انقلابية، أو في فترات الحروب والصراعات العاصفة. ولدت القوميتان العربية والكردية في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، عندما كانت رياح التحديث تعصف بالبلاد والشعوب العثمانية، واكتسبت توجهاتها السياسية خلال سنوات الحرب العالمية الأولي، بكل ما تعنيه سنوات الحرب من خوف وعدم استقرار وعنف. وكانت نتائج الحرب والسيطرة الاستعمارية الانتدابية هي التي أعطت العراق الحديث حدوده الديمغرافية والجغرافية. بيد ان العراق لم يشهد في تاريخه الحديث سياقاً تواطأت فيه قوي أجنبية وأخري وطنية، بوعي أو بدون وعي، علي تبني سياسة تدفع شعبه إلي حافة الانقسام الطائفي، كما الفترة التالية لاحتلال 2003. عبر تاريخه كله، كان لكل خيار من خيارات الهوية السابقة آثاره وعواقبه علي أصحابه ومن هم في جوارهم، وعلي العراق ككل. ويقف عراقيو مطلع القرن الحادي والعشرين أمام خيار جديد: أن يروا أنفسهم من منظار الانتماء الطائفي أو الإثني الذي ولدوا به، بكل ما في ذلك من آثار وعواقب، أو أن يحافظواعلي وحدة العراق وبقائه.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية