العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (2)
ارتبط تشيع الغلاة في القرون الهجرية الاولي بالمشهد الكربلائي وفكرة القائد الجذاب وفقدان المركز الشيعيالسيطرة علي العراق كانت الحلم الأكبر لأي طامع بالسلطة والبويهيون ربطوا شرعيتهم بشرعية الخلافة العباسيةالعراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (2)بشير موسي نافع تنشر القدس العربي مقتطفاتمن كتاب العراق سياقات الوحدة والانقسام للباحث والاكاديميبشير موسي نافع، والذييحاول فيه تحليل البنيةالاجتماعية والثقافية والطائفيةفي العراق، ورؤية السنة والشيعة لبعضهما البعض. العراق واهل السنة والجماعةكان العراق هو الساحة التي تبلورت فيها رؤية أهل السنة والجماعة، كما كان أيضا البوتقة التي تفاعلت فيها الأحداث والأفكار التي ستؤدي الي نشوء التشيع الاثني عشري. وكما ان من المستحيل ان نعثر علي مصطلح أهل السنة والجماعة في القرنين الهجريين الأوليين، فمن المستحيل ان نعثر علي فرقة أو تيار فكري أو مجموعة آراء ثابتة وواضحة باسم الشيعة الاثني عشرية في القرون الثلاثة الأولي. لقد وجد التشيع كتوجه سياسي، أو تعاطف، منذ الفتنة الكبري بالطبع، ولكن هذا التوجه أو التعاطف كان مجرداً من المحتوي الأيديولوجي واضح المعالم، المحتوي الكافي للدلالة علي فرقة اسلامية بعينها. ومن الممكن القول ان الأكثرية الساحقة من المسلمين في الفتنة الكبري كانت تري أحقية الإمام علي (عليه السلام) بالخلافة، بل ويصعب ان نري خلافاً جوهرياً بين الروايات الاسلامية التاريخية للقرنين الهجريين الأولين. ولعل هذا ما يجعل الخطوط العامة للرواية الشيعية الاثني عشرية للقرنين الأول والثاني مقبولة في عمومها أيضا من أهل السنة، لأنها ليست موجهة ضدهم أصلاً بل ضد الاتجاهات الشيعية الأخري. لقد حفرت مأساة كربلاء ومقتل الإمام الحسين بن علي (رضي الله عنه) عميقاً في ضمير الجماعة المسلمة، وأسست لبروز معارضة اسلامية واسعة للحكم الأموي، ولكن هذه المعارضة حملت تعبيرات سياسية ودينية مختلفة ولم تقتصر علي توجه واحد. خلال السنوات الاربع التالية لواقعة كربلاء لم يسمع شيء بارز من الهاشميين في العراق، والتفت المشاعر المناهضة للأمويين حول عبد الله بن الزبير في مكة حيث أعلن خلافته. وقد دانت لابن الزبير معظم أقاليم بلاد الاسلام آنذاك ما عدا الشام. كما ان ثورة القراء التي قادها عبدالرحمن بن الأشعث، والتي ضمت عدداً من التابعين ذوي الميول السياسية المختلفة، عبرت عن حركة معارضة عريضة للأمويين بدون توجه عقدي أو أيديولوجي معين. كانت ثورة المختار بن عبيد الثقفي في الكوفة (وهو الذي التحق سابقا بابن الزبير) في 66هـ/685 ــ 68هـ/687 ذات توجه شيعي بلا شك، ولكن من الصعب تحديد حقيقة ولاء المختار الذي ادعي ان خروجه كان باسم محمد بن الحنفية، الابن الثالث للامام علي من امرأة من بني حنيفة وليس من فاطمة عليها السلام. انتهت ثورة المختار بمقتله علي يد مصعب بن الزبير، الذي تولي الكوفة باسم أخيه عبد الله، في 68هـ/687؛ ولكن ميراث تلك الثورة لم ينته بمقتل زعيمها، فمن بقايا أتباع المختار ولدت الفرقة التي ستعرف بالكيسانية، كما ولدت المجموعة الشيعية السرية الصغيرة التي سينتهي قيادها في مطلع القرن الثاني الهجري لبني العباس، والتي ستنجح خلال عقود ثلاثة فقط بعد ذلك في تقويض حكم بني أمية وتأسيس الخلافة العباسية. افتقد التشيع خلال القرنين الثاني والثالث الهجريين مركز ثقل رئيس واحد، وتعددت تعبيراته السياسية بحيث أصبح من الصعب التفرقة بين العلويين، الهاشميين، الحسنيين، الحسينيين، والفاطميين. ومن جهة أخري انتشر الغلاة وتداخلت ولاءاتهم مع ولاءات عموم المتشيعين لشخصيات آل البيت أو بني هاشم أو الفاطميين البارزة، بغض النظر عن أصول بروز هذه الشخصيات، وهل يستند الي اسهام علمي مميز أو زعامة سياسية. الابتعاد عن السياسةكانت ثورة الإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي في 122هـ/740 آخر ثورة يقودها زعيم من آل البيت النبوي علي الأمويين. ويشير صمت الأمويين عن والده علي زين العابدين، وابنه محمد الباقر، وابن الأخير جعفر الصادق، الي أنهم لم يمارسوا أي نشاط سياسي يذكر ولم يشكلوا خطراً علي الحكم الأموي. وليس هناك شك في ان قبول زيد لشرعية الخلفاء الراشدين جميعاً كان عامل قوة هائل وتهديداً بالغاً للحكم الأموي في عقده الأخير، عندما أخذت المشاعر المعادية للأمويين في التصاعد. وبعد الثورة العباسية، كان محمد بن عبد الله النفس الزكية (الحسني)، الذي ثار علي أبي جعفر المنصور في 145هـ/762 وقتل في العام نفسه، آخر الثوار الكبار من الهاشميين. وفي ما بين 250هـ/864 و 424هـ/1032، أقام ورثة ثورة الإمام زيد امارة زيدية في بلاد الديلم وجيلان بشمال ايران، ولكن المذهب الزيدي لم يتبلور بصورة فعلية الا بعد تأسيس الدولة الزيدية في اليمن في 288هـ/901. وقد نجح الأدارسة الحسنيون في تأسيس امارة أخري في المغرب منذ 172هـ/789. ولكن أياً من الأمارتين لم تشكل تحدياً لشرعية الدولة العباسية ومؤسسة الخلافة، ولم يبرز مثل هذا التحدي الا بعد وصول الخلافة الفاطمية من المغرب الي مصر عام 358هـ/969. لم ينبع الخطر علي التشيع من تعدد المشاريع السياسية فحسب، بل ومن انتشار الغلاة والغلو أيضاً، خاصة في الكوفة وبغداد التي صارت حاضنة التوجهات الشيعية المختلفة. وتقدم كتب الفرق، بما في ذلك كتاب فرق الشيعة للحسن بن موسي النوبختي (ت 300هـ/310 ــ 912هـ/922)، الذي يعتبر من أوائل النصوص الاثني عشرية المتوافرة لدينا، صورةً غنية لتوجهات الغلو الشيعي في القرنين الثاني والثالث. بعد فشل حركة المختار الثقفي ومقتله، ولدت فكرة المهدية بين صفوف أتباعه الذين قال بعضهم ان محمد بن الحنفية هو الإمام المهدي وهو وصي الإمام علي بن أبي طالب. ثمة سببان رئيسيان وراء بروز اتجاهات الغلو الشيعي. أولها ذلك الارتباط المتزايد منذ ما بعد كربلاء بين التشيع والكاريزما. لقد لعب الشخص، القائد، الزعيم، العالم، دوراً هاماً في أغلب الاتجاهات الاسلامية المبكرة، ولكنه احتل موقعاً محورياً وخاصاً جداً بالنسبة للاتجاه الشيعي، وهو ما جعل التشيع أكثر عرضة للرقي بالشخص الي مصاف ينكرها الاتجاه العام للجماعة المسلمة، وأن يخرج بذلك عن الأسس العقدية التي أصبحت موضع اتفاق الأكثرية من المسلمين. أما السبب الثاني فيتعلق بالساحة العراقية ذاتها التي شهدت ولادة أغلب اتجاهات الغلو. ففي العراق وجد العرب المسلمون في حوض الفرات والجزيرة أبناء عمومتهم من المسيحيين العرب، كما قابلوا الأفكار المانوية، ثم الزرادشتية والمزدكية، فالبوذية الي الشرق. وهو ما أطلق حركة جدل وتدافع تركت أثرها علي بعض المتكلمين الشيعة، كما ساعدت في تأسيس الاتجاهات الكلامية الاسلامية بشكل عام. لقد استمرت اتجاهات الغلو في الوجود طوال القرن الثالث الهجري، حيث أخذ بعضها في التحول الي فرق عقدية ثابتة المعالم، كما حدث مع الاسماعيلية فالقرامطة والعلويين؛ بينما اضمحل بعضها الآخر وتلاشي بعد ان عجز عن تأسيس جذور له في أوساط المسلمين. ويمكن القول ان بداية تبلور الشيعة الاثني عشرية في نهاية القرن الثالث الهجري قد لعب دوراً رئيسياً في اضمحلال هذه الاتجاهات، بل ربما كانت المهمة الأولي للشيعة الاثني عشرية الأوائل هي مواجهة ما علق بالتشيع من غلو. هذا لا يعني بالطبع ان الأفكار التي ولدت في الساحة الشيعية منذ نهاية القرن الهجري الأول قد اختفت أو رفضت كلياً. علي العكس، فان بعضها قد تم استيعابه فعلا في التصور الشيعي الاثني عشري للاسلام.التقت في نهاية القرن الثالث وبداية الرابع الهجريين مجموعة من التطورات التي أسهمت اسهاماً مباشراً في تكوين الأيديولوجية الاثني عشرية وتصديها لاتجاهات الغلو الشيعي. كان أول هذه التطورات استقرار فكرة الامامة في أوساط الشيعة المختلفة. لقد التفت المجموعات الشيعية دائماً حول زعيم أو قائد، ولكن علي بن ميثم، المعروف أيضا بابن التمار، الذي كان معاصراً لهشام بن الحكم، كان علي الأرجح أول من تكلم في الامامة. والامامة هنا بمعني ضرورة النص علي امام بعد النبي صلي الله عليه وسلم، وضرورة وجود امام لكل عصر. وقد أصبح مبدأ الامامة موضع نقاش علني حتي أنه نوقش في حضرة المأمون. ولكن بروز مبدأ الامامة لا يعني الاتفاق علي سلسلة ما، بل كان هناك كثير من الشخصيات والجماعات المتنافسة والمتدافعة حول من هو الامام، وأصبح هذا التدافع السبب الرئيسي وراء الانقسامات الشيعية المتكررة. بدأت هذه الانقسامات مباشرة بعد كربلاء عندما أعلن المختار الثقفي وأتباعه امامة محمد بن الحنفية وليس علي زين العابدين الذي أصبح فيما بعد الإمام الرابع في السلسلة الاثني عشرية. ثم توالت الانقسامات بعد وفاة محمد الباقر واسماعيل بن جعفر الصادق، وجعفر الصادق نفسه، وموسي الكاظم، وعلي بن موسي، ومحمد بن علي، وعلي بن محمد، والحسن بن علي المعروف بالعسكري. بل وحتي نهاية القرن الرابع الهجري، يذكر الشيخ المفيد (محمد النعماني) ان أغلب الشيعة من جيله كانوا لا يزالون غير متيقنين من هوية الإمام وحقيقة غيبته. وطبقا للنوبختي، فان شيعة الحسن العسكري، الإمام الحادي عشر، افترقوا عند وفاته في 260هـ/873 أو 874 الي اثنتي عشرة فرقة، واحدة منها فقط أقرت بأن له ابناً وأن هذا الابن، محمد بن الحسن، في حالة من الغيبة، وأنه الإمام المهدي. الاثنا عشرية بدأت كجماعة صغيرةما يمكن استنتاجه من النصوص الشيعية الاثني عشرية المبكرة، مثل فرق الشيعة للنوبختي و الارشاد للشيخ المفيد، ان الطائفة التي ستعرف في نهاية القرن الثالث وبداية القرن الرابع الهجريين باسم الشيعة الاثني عشرية نهضت من مجموعة صغيرة من الشيعة التي رفضت الروايات الشيعية الأخري للامامة (سواء الكيسانية أو العباسية أو الزيدية أو الاسماعيلية، وغيرها من الروايات الأخري المتعددة والأقل أثراً) وقالت بسلسلة من الأئمة انتهت عند الحسن العسكري بالاعتقاد بوجود ابن له هو الغائب محمد المهدي. ويعتبر كتاب النوبختي نفسه، الذي يأخذ بسلسلة الأئمة الي الإمام الثاني عشر (المهدي)، واحداً من النصوص المؤسسة لهذا التصور للامامة.يتعلق التطور الثاني بالدور الفعال الذي لعبه المتكلمون المعتزلة المتشيعون في مواجهة التيارات المتطرفة والمغالية داخل صفوف الشيعة في النصف الثاني للقرن الثالث الهجري ومطلع الرابع الهجري. ان من الصعب تفسير الميول الاعتزالية لبعض المتكلمين الشيعة دون أخذ العامل السياسي في الاعتبار، فمن ناحية كان المعتزلة المبكرون مناهضين للحكم الأموي، ومن ناحية ثانية فقد أظهر المأمون، الحامي الرئيس للمعتزلة في مطالع القرن الثالث الهجري، ميولاً شيعية تجلت في قراره تعيين علي الرضا ابن موسي الكاظم ولياً للعهد. ولولا وفاة الرضا المفاجئة في 203هـ/818 لكان علي الأرجح قد تولي الخلافة العباسية (ويطرح قبول الرضا هذا التعيين أسئلة ضرورية حول القول بأن الأئمة الشيعة لم يعترفوا بشرعية الحكم العباسي). ربما كانت هذه الأجواء المتداخلة من التشيع والاعتزال حول الخليفة العباسي البارز قد تركت أثرها في أوساط بعض المتكلمين الشيعة الذين وجدوا في النهج الاعتزالي وسيلة للتميز عن الاتجاه السني العام الآخذ في التبلور. كان كل من الحسن بن موسي النوبختي، وخاله أبو سهل اسماعيل بن علي النوبختي (ت311هـ/923)، من كبار المتكلمين الشيعة المعتزلة. وتعود الأسرة، التي أصبح عدد من أبنائها من المقربين للخلفاء العباسيين، الي عبد الله نوبخت، الفارسي الأصل، الذي كان منجماً ومترجماً لأبي جعفر المنصور وشارك معه في بناء بغداد. وقد ساهم المتكلمون الشيعة/ المعتزلة من النوبختيين مساهمة كبيرة في تحرير التشيع الاثني عشري من اتجاهات الغلو. وبالرغم من فقدان كتب الحسن بن موسي النوبختي، باستثناء فرق الشيعة ، فان من المؤكد أنه كتب رسالة في الرد علي الغلاة نقل عنها ابن الجوزي فقرة في كتابه تلبيس ابليس . قم مركز صاعدالي جانب هذا التطور في بغداد، كانت قم تبرز تحت نفوذ الأسرة الأشعرية كواحدة من أهم معاقل التشيع. هنا، قام أحمد بن محمد بن عيسي الأشعري، الذي تصفه المصادر الشيعية بشيخ قم، بالتصدي لأفكار الغلاة. ومنذ 255هـ/869، نجح أحمد بن محمد الأشعري في طرد عدد من الشيعة الغلاة من المدينة. لفترة من الزمن خلال ما تعارف عليه المتكلمون الشيعة بالغيبة الصغري للامام المهدي (260هـ/874 ــ 329هـ/941)، كان الغلاة ومناهضوهم بين الشيعة المؤمنين بالامامة وغيبة محمد بن الحسن العسكري يدفعون الزكاة والخمس لوكلاء مختلفين للامام. ولكن شيئاً فشيئاً، واذ تعزز موقع العلماء الشيعة الاثني عشرية المؤسسين، مثل النوبختي والأشعري القمي والكليني وابن بابويه، ثم المفيد والمرتضي والطوسي، أصبح الانفصال بين عقائد الاثني عشرية وعقائد الغلو واسعاً الي حد كبير. لقد كان العلماء والمتكلمون الشيعة الاثنا عشرية جزءاً لا يتجزأ من الفضاء الاسلامي العباسي، وكان بعضهم من أصحاب النفوذ في مؤسسة الخلافة. وبالرغم من ان تبنيهم لمبدأ رفض التسليم بمصداقية الصحابة قد فصلهم عن الاتجاه العام لاعتقاد الجماعة، فان استمرار وجودهم داخل جسم الجماعة، وحفاظهم علي مواقعهم في مؤسسة الدولة، كان يستدعي التحرر من الغلو وعبء الغلاة. أما التطور الثالث فقد ارتبط ارتباطاً مباشراً بفكرة الغيبة ذاتها. فقد كان الاعتقاد بأن سلسلة الامامة تقف عند الإمام الثاني عشر، وأن الأخير هو في حالة غياب، يعني بالضرورة انتهاء دور الامامة. ولكن المجتمع الشيعي في المقابل يظل في حاجة لقيادة دينية، قيادة تستجيب للأسئلة الطارئة وتبين طريق الشرع. في غياب الامامة، كان طبيعياً ان تؤول مسؤولية الدين للفقهاء والمتكلمين، ولم يكن غريباً بالتالي ان يبدأ التدوين الشيعي الاثني عشري مباشرة بعد شيوع موضوعة الغيبة الصغري في 260هـ/874، وأن ترتفع وتيرة الكتابة والتأليف بعد اعلان أبي الحسن علي بن محمد السمري (ت329هـ/941)، آخر سفراء الإمام الغائب الأربعة، ان وفاته ستكون بداية الغيبة الكبري. كتب الأشعري القمي (ت299 أو 300أو 301هـ/911 ـ 913) كتابه المقالات والفرق ، وكتب النوبختي فرق الشيعة ، في عصر الغيبة الصغري، ثم توالت النصوص الكلامية الرئيسية منذ بدء الغيبة الكبري علي يد ابن بابويه والشيخ المفيد والطوسي. ولم يؤد اعتناق مبدأ الغيبة الي اقرار المسائل العقدية الاساسية للشيعة الاثني عشرية فحسب، بل أدي أيضاً الي وضع كتب الحديث الرئيسية، وقواعد أصول فقه خاصة بالطائفة، ونهج فقهي يميزها عن غيرها. بدأ تأسيس المذهب الفقهي الاثني عشري، الذي سيعرف فيما بعد بالمذهب الجعفري، بتأليف أولي مجموعات الحديث الشيعية الكبري، الكتاب الموسوم بـ الكافي ، لأبي جعفر محمد بن يعقوب الكليني الرازي ثم البغدادي (ت328 أو 329هـ/940التف حول الشيخ المفيد في بغداد عدد كبير من الطلاب الذين برز بينهم بعض من أهم الشخصيات العلمية الشيعية الاثني عشرية، ولكن أكثرهم تأثيراً علي الاطلاق في بناء المذهب كان الشريف المرتضي (علي بن الحسين الموسوي؛ ت 436هـ/1022)، وأبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي (ت460هـ/1067)، المعروف بشيخ الطائفة والذي تتلمذ أيضا علي يد الشريف المرتضي. يعد المرتضي، الذي كتب في مجالات علمية شتي، وكان متكلماً معتزلياً، وهو من رتب المصادر الفقهية حسب أولوية الرجوع اليها، مبتدئا بالكتاب، فالسنة، فالاجماع ثم العقل، أول من وضع الأساس الأصولي المنهجي للفقه الاثني عشري. وقد هيمنت شخصية أبي جعفر الطوسي علي الساحة العلمية الشيعية بعد وفاة المرتضي (وكلاهما بغدادي)، تاركاً أثره علي كل ميادين البحث، بما في ذلك العقائد، والفقه، والأصول، والحديث. بل ان آراء الطوسي تحولت علي يد تلاميذه الكثر الي أدلة بحد ذاتها، وأصبح هو مرجعاً قلدته أجيال من الفقهاء وحاذرت الخروج علي آرائه، مما أدي الي جمود فقهي طويل لم يكسره الا بروز محمد بن أحمد بن ادريس العجلي الربعي الحلي (ت598هـ/1201- 1202) وازدهار مدرسة الحلة الفقهية بعد أكثر من مائة عام علي وفاة الطوسي. ولكن مهما يكن الأمر فان الأجيال الثلاثة من فقهاء القرن الخامس الهجري، من الشيخ المفيد الي المرتضي وصولاً الي الطوسي، أعطت الطائفة أخيراً مدرستها الفقهية الخاصة، مفيدةً من الظروف المواتية التي صاحبت سيطرة البويهيين علي الحكم في العراق وفارس، ومن التراكم المنهجي والعلمي الذي وضعه العلماء والفقهاء والمحدثون السنة في القرون السابقة. شيعة شوافعلقد كان ممكناً حتي منتصف القرن الرابع الهجري ان تجد شيعة بارزين في ميادين العلم يعتبرون أنفسهم شافعية فقهاً، مثل الفضل بن الشاذان (ت260هـ/873- 874)، موسي بن أشيب (ت339هـ/950)، أبو الحسن محمد بن أحمد بن ابراهيم (ولد في 281هـ/894- 895)، وأبو القاسم علي بن أحمد (ت352هـ/962). ولكن هذا التداخل بين المدارس الفقهية السنية والشيعة الاثني عشرية سيتلاشي تدريجياً، وينتهي بعد ان قطع تبلور الطائفة العقدي والفقهي شوطاً واسعاً في منتصف القرن الخامس. من جهة أخري، فان التبلور الأيديولوجي للطائفة لم يفض الي انشقاق سياسي أو اجتماعي عن جسم الجماعة المسلمة السنية، ذلك ان النصوص المؤسسة للطائفة قد سجلت في وضح النهار وفي ظل الهيمنة السنية السياسية والفكرية. لقد عاش العلماء والفقهاء والمتكلمون الشيعة الأوائل في العراق وفارس، وكان بعضهم من أعيان الدولة العباسية ورجالها. وبالرغم من المعتقدات التي تتبناها الطائفة الشيعية الاثنا عشرية في خلاف واضح مع التصور السني للدين والتاريخ، فان مبدأ الامامة في صيغته الاثني عشرية كان المقصود به أساساً التباين مع الطوائف الشيعية الأخري وليس مع أهل السنة فحسب. ان اقرار سلسلة من الأئمة الاثني عشر كان يعني رفض التصور الاسماعيلي والزيدي للتشيع، والتصالح مع الواقع الذي عاش في كنفه الأئمة منذ ما بعد كربلاء، بلا خروج ولا تدافع. هذا لا يعني بالطبع ان التوترات السياسية والاجتماعية بين الشيعة الاثني عشرية وأهل السنة قد انعدمت، ولكن هذه التوترات كانت محدودة ومتباعدة، وظلت الطائفة تنمو وتنحسر داخل الجسم السني الي القرن العاشر الهجري/السادس عشر الميلادي، عندما أخذت الدولة الصفوية التشيع الاثني عشري الي منحي مختلف تماماً. البويهيون والحمدانيونان تداخل العلاقات بين الشيعة والسنة في العراق طوال القرون الخمسة التي فصلت بين تبلور الطائفة الاثني عشرية وولادة الدولة الصفوية يجعل من الصعب محاولة تقصي نمط محدد لهذه العلاقات. لم يؤسس الشيعة الاثنا عشرية دويلات أو امارات منفصلة، كما فعل الفاطميون والزيدية، ولم يقيموا في تجمعات سكانية محددة أو معزولة، ولم يتردد أعيانهم في قبول أعلي المناصب في الدولة العباسية. وفي المقابل، وبالرغم من حوادث التوتر والصدام علي مستوي العامة، لاسيما في بغداد، فان السنة تعاملوا مع الوجود الشيعي الاثني عشري باعتباره جزءاً من الاجتماع الاسلامي، ولم يروا في بروز أمراء متغلبين في بعض الجهات، أو في تعيين أمراء حج أو وزراء للخلافة، من الشيعة الاثني عشرية، أمراً مستغرباً أو خارجاً عن المألوف. وقد استنكرت أغلبية السنة بعض مظاهر التعبير الشيعية واعتبروها مخالفة للشريعة، كما احتدم الجدل الديني بين علماء الطرفين في بعض الأوقات، ولكن هذا كله لم يخرج عن نطاق الجدل داخل الجسم الاسلامي بين أطرافه العقدية المختلفة من معتزلة وحنابلة وأشاعرة، أو بين الفقهاء والمتصوفة، أو حتي بين أتباع المذاهب الفقهية المختلفة. وليس من السهل تقدير عدد أو انتشار الشيعة الاثني عشرية في العراقيين، العربي والفارسي، في القرن الخامس الهجري. والأرجح ان تقدير موغان مومن ان الشيعة لم يشكلوا أكثرية في أي من المدن الاسلامية آنذاك، سوي الكوفة والري، هو تقدير صحيح. ولكن اعتماد مومن علي كتب الرجال الشيعية المبكرة لتقدير عدد العلماء الاثني عشرية وانتشارهم الجغرافي خلال القرون الاسلامية الأربعة الأولي، هو نهج يثير الكثير من الاسئلة. ان فهرست الطوسي، علي سبيل المثال، يضم عدداً من الرجال الذين عرف عنهم الغلو أو الانتماء الي فرق لا يعترف بها التيار العام للشيعة الاثني عشرية. لقد أطلق استيلاء البويهيين علي المقاليد الفعلية للحكم في بغداد حقبة ازدهار للتشيع في العراق، العربي والفارسي علي السواء؛ ولكن من الضروري عدم المبالغة في التأثير الذي تركته الفترة البويهية علي أوضاع الشيعة. كان عهد الخليفة العباسي المتوكل (حكم 232هـ/847 ــ 247هـ/861) عهد توجه حاد ضد الشيعة علي مستوي مؤسسة الخلافة، بعد أكثر من عقد من التماهي بين الخلافة والاعتزال، والاضطهاد الذي وقع علي أحمد بن حنبل والملتفين حوله أو المتبنين لوجهة نظره. ورافق هذا التوجه اجراءات عنيفة ضد من نظر اليهم كخارجين علي الأسس العقدية الصحيحة، وبخاصة غلاة الشيعة. جلد شيعي لشتمه أبا بكر وعمر وعائشة مما أدي الي موته؛ وفي 236هـ/850 أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي وما حوله من المنازل والدور؛ كما اتخذت اجراءات أخري ضد أهل الكتاب كذلك. ولكن سياسة المتوكل لم تتحول الي سياسة دائمة للعباسيين، وسنري المعتضد (حكم 279هـ/892 ــ 289هـ/ 902) يوشك ان يصدر منشوراً في أول عام من خلافته يتضمن مناقب علي ومثالب معاوية ، ولم يثنه عن ذلك سوي انتشار الثورات الزيدية وخشية ان يتسبب اعلان المنشور في تشجيعها. قبل عدة عقود من دخول البويهيين بغداد، كان الحمدانيون، وهم أسرة شيعية التوجه من أصول عربية تغلبية، يؤسسون امارة لهم في الموصل ابتداء من 293هـ/905، ثم في حلب منذ 333هـ/945، في ظل الخلافة العباسية وبتأييد منها. يشير النشاط السياسي الواسع للحمدانيين في بغداد زهاء المائة عام (من منتصف القرن الثالث الي منتصف القرن الرابع الهجريين)، الي ان أجواء الخلافة العباسية كانت مفتوحة الأبواب للقوي الشيعية، وأن حالات الخروج علي الخلافة، أو اعلان الحرب عليها، سواء جاءت من أمراء سنة أو شيعة، هي فقط التي كانت تستدعي الردود العسكرية. وان كان للحمدانيين، ان يعينوا ولاة وقادة وأن يظلوا لصيقين بالخلفاء، فقد كان طبيعياً ان يتمتع شيعة أكثر اعتدالاً بحرية مماثلة. وهذا ما يتضح في النشاط الشيعي الفكري المتزايد في بغداد منذ بدء الغيبة الصغري، وهو النشاط الذي سبق الحقبة البويهية. دخل البويهيون بغداد بقيادة معز الدولة أحمد في 334هـ/945، وذلك بعد ان كانوا قد سيطروا علي عراق العجم قبل ذلك بعامين. وفي عام 324هـ/936، كان ملكهم قد أحاط بالعراق وكرمان وفارس، ولكنهم فشلوا في التوسع أبعد من ذلك، سواء في الشام ومصر أو في آسيا الاسلامية من خراسان شرقاً. لم يطح البويهيين بالخلافة العباسية، لكنهم عزلوا الخليفة المستكفي ونصبوا مكانه المطيع لله، الذي كان طيعاً ضعيفاً. وحتي 447هـ/1055، عندما وضع السلاجقة نهاية للحكم البويهي في العراق، عامل البويهيون الخلفاء معاملة رديئة، وفي عصرهم، كما يقول ابن الأثير ازداد أمر الخلافة ادبارا . ولكن من الضروري التمييز بين مستويين من السياسة البويهية: السياسات الكبري المتعلقة بالحكم والعلاقات بالقوي الخارجية، والتي كان هدفها الحفاظ علي الخلافة العباسية، والسياسة الداخلية التي كانت تشجع التشيع وترعاه بدون التدخل في شؤون وحياة الأكثرية السنية. كان السيطرة علي العراق هي الحلم الأكبر لأي من الأمراء المسلمين، وقد دافع البويهيون عن وجودهم فيه بكل ما أوتوا من قوة ودهاء وبدون التفات الي المشترك الشيعي الذي جمعهم بالفاطميين الذين كانوا يسعون الي السيطرة علي العراق أيضاً والتوسع نحو الشرق. وقد أدرك البويهيون منذ البداية ان شرعية الخلافة واستمرارها كان احدي ضمانات استقرارهم في العراق. خلال القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي وجه البويهيون قوتهم الي جنوب العراق، حيث واجهوا اندفاع القرامطة (المتشيعين) من البحرين الي البصرة. ومن عام 369هـ/979 الي 379هـ/989، أطاح البويهيون حكم الحمدانيين الشيعة في الموصل، ولم يعيدوهم اليها الا لأنهم رأوا في وجودهم في منطقة الثغور بالغة الحساسية ردءاً لحكمهم من الانشغال بالمواجهة مع البزينطيين. خلال الحكم البويهي، شهد العراق تطورين ذوي أهمية محلية فيما يتعلق بالوضع الشيعي، فقد استطاع المزيديون من بني أسد، وكانوا يتشيعون، تأسيس نفوذهم جنوبي بغداد، حيث عاشت امارتهم من 350هـ/961 الي 545هـ/1150. وقد أصبحت الحلة مركز امارة المزيديين منذ وضعوا أولي لبناتها في 495هـ/1102. ثم استطاع عدد من أمراء بني عقيل، وكانوا شيعة كذلك، وضع نهاية لحكم الحمدانيين في الموصل وتأسيس امارة لهم في شمال العراق والجزيرة ومنطقة الأنبار من 380هـ/990، الي ان أطاح بهم السلاجقة في 489هـ/1096. ونظرا لأن بني أسد رفضوا الالتحاق بالقرامطة وساهموا في الحملة البويهية ضدهم، فقد أقرهم الحكام البويهيون علي امارتهم، وواصل المزيديون من ناحيتهم ولاءهم لبغداد. وقد اتبع البويهيون سياسة مشابهة تجاه أمراء بني عقيل. ولكن في 401هـ/1010، وبعد اغراءات من الفاطميين في القاهرة، خطب مرداس بن المقلد، أمير بني عقيل، في أعماله للحاكم بأمر الله الفاطمي. فأرسل الخليفة العباسي القادر بالله القاضي أبا بكر الباقلاني الي بهاء الدولة البويهي يعرفه ذلك. فكان ان أمر بهاء الدولة عميد جيوشه بالمسير الي حرب مرداس، الذي ما ان أدرك عواقب قراره حتي أرسل يعتذر وقطع الخطبة للفاطميين وأعاد الخطبة للقادر بالله.ہ صدر الكتاب الشهر الماضي عن دار الشروق في القاهرة7