العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (3)

حجم الخط
0

العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (3)

مشكلة العلاقات السنية ـ الشيعية لم تقتصر علي مسألة شرعية الدولة بل امتدت للواقع السياسي ذاتهالسجال بين علماء السنة والشيعة والتنافس الذي أثاره إسلام ملوك المغول والتركمان وسّع الفجوة بينهماالعراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (3)بشير موسي نافع تنشر القدس العربي مقتطفاتمن كتاب العراق سياقات الوحدة والانقسام للباحث والاكاديميبشير موسي نافع، والذييحاول فيه تحليل البنيةالاجتماعية والثقافية والطائفيةفي العراق، ورؤية السنة والشيعة لبعضهما البعض. داخل العراق، اتبع البويهيون سياسة شيعية واضحة، تاركين الشأن السني للخلفاء العباسيين. فقد بدأت مدينة النجف في البروز بعد أن أبدي عضد الدولة (ت 372هـ/982) اهتماماً خاصاً بمشهد الإمام علي في النجف، وأعلن البويهيون يوم غديرخم عيداً، وأدخلوا مراسم جديدة للاحتفال بذكري استشهاد الإمام الحسين تمثلت بالحزن الجماعي المنظم ومواكب العزاء التي تضم نساء سافرات يلطمن، وهي الطقوس التي تعود إلي أصول بابلية وسورية قديمة. وأخذ الشيعة من عامة بغداد علي وجه الخصوص في التجرؤ علي الصحابة والخلفاء الراشدين وفي كتابة سباب الصحابة علي الحيطان. إلي جانب ذلك، أبدي البويهيون عناية خاصة بالعلماء الشيعة الإثني عشرية في العراق، من ابن بابويه إلي المفيد والمرتضي والطوسي، وأغدقوا علي مكاتبهم ومدارسهم، موفرين بذلك الظروف لمزيد من الازدهار الثقافي للشيعة الإثني عشرية. وليس هناك من شك في أن سنة العراق استشعروا الخطر وهم يشهدون ضعف الخلافة، وتزايد الخطر الفاطمي، وتعاظم جرأة البيزنطيين علي المسلمين في الثغور، وانتشار مظاهر الاحتفالات الشيعية التي رأوا فيها تعدياً علي القيم المستقرة للدين. وقد ولد ذلك كله سلسلة من الصدامات بين السنة والشيعة وردود فعل سنية واضحة. أصبح العاشر من محرم مناسبة للحداد الشيعي الجماعي ولاقتتال الشيعة والسنة في بغداد، التي شهدت صدامات بين الطرفين في 353هـ/964، 354هـ/965، 363هـ/974، 408هـ/1017، 421هـ/1030،441هـ/1049، 443هـ/1051، و445هـ/1053. عندما كانت السلطة البويهية ما زالت قوية ونافذة، تدخل الحكام البويهيون لمنع الأمور من التدهور، مثل أن يطلبوا من شيعة بغداد في 382هـ/992 الامتناع عن إقامة مسيرات العزاء، أو أن يصدروا أمراً بنفي الشيخ المفيد من بغداد في 398هـ/1008 (فأخرج منها ثم شفع فيه)، بعد أن اندلع القتال بين الشيعة والسنة في المدينة بسبب حرق مصحف منسوب إلي الصحابي ابن مسعود. وفي 421هـ/1030، عقد الخليفة القادر بالله (381هـ/991 ــ 422هـ/1031) جلسة استدعي فيها القضاة والعلماء في دار الخلافة حيث قريء عليهم كتاب جمعه، فيه رد علي أهل البدع، وتفسيق من قال بخلق القرآن ، وأخذ خطوط الحاضرين بالموافقة علي ما سمعوه. ثم جمعوا ثانية بعد أيام وقريء عليهم كتاب آخر طويل يتضمن بيان أهل السنة والجماعة والرد علي أهل البدع.. والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وفضل الصحابة وذكر فضائل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ، وأخذت خطوطهم بالموافقة علي ما سمعوه. كانت هذه الكتب هي ما سيعرف بالاعتقاد القادري، والتي أظهرت تأثراً واضحاً بالموقف العقدي الحنبلي. وقد اُعلن الاعتقاد القادري مرة أخري في 433هـ/1043، وأخذت خطوط العلماء والزهاد عليه بأنه اعتقاد المسلمين ومن خالفه كفر. ليس من الواضح إن كانت فترة الحكم البويهي قد أفادت التشيع في العراق وفارس بقدر ملموس علي مستوي الانتشار الجغرافي والبشري. كان وجود الشيعة في ناحية الكرخ من بغداد وفي الكوفة وجوارها كما في الري وقم وحلب، وكان تشيع بني أسد وبني عقيل، سابقاً علي الحكم البويهي. ولكن من المؤكد أن الحقبة البويهية شهدت اكتمال المرحلة التكوينية للنص العقدي والفقهي الشيعي الإثني عشري، وأن العلماء الشيعة الأوائل وضعوا بذور التوتر غير المسبوق مع المحيط السني عندما اعتنقوا مقولة رفض مصداقية الصحابة وفتحوا الباب لسب كبار الصحابة والتعدي علي أحد أسس الوعي والتاريخ السني. وما فاقم من هذا التوتر كان بلا شك طقوس العزاء التي تحولت في كثير من مظاهرها إلي استهتار جماعي بالسلوك والقيم الإسلامية. سواء أكان البويهيون شيعة زيدية أم لا، فإن لجوءهم إلي تشجيع التشيع الإثني عشري ورعايته كان منطقياً إلي حد كبير. فمن ناحية، احتاج البويهيون عصبية عراقية للالتفاف حولهم؛ ومن ناحية أخري، فان استدعاء العصبية الزيدية أو الفاطمية كان يعني بالتأكيد نهاية حكمهم. فهدف الزيدية كان دائما إقامة حكم يقوده أحد أحفاد علي وفاطمة؛ بينما كان الفاطميون يطالبون بالفعل بوضع نهاية للخلافة العباسية وتقديم الطاعة والولاء للخليفة الفاطمي في القاهرة. ولذا فإن العصبية الإثني عشرية، بعزوفها عن السعي الي إقامة سلطة شيعية دينية آنذاك، كانت الخيار الوحيد المتاح. ولكن إن لم تنجح الرعاية البويهية في نقل التشيع الإثني عشري نقلة نوعية، فقد وضعت في المقابل بذور التوتر الطائفي بين السنة والشيعة. النفوذ السلجوقيدخل السلطان طغرلبك السلجوقي بغداد في 447هـ/1055، وذلك بعد أن كان السلاجقة الأتراك، السنة الأحناف، قد اجتاحوا معظم آسيا الإسلامية. وينظر عادة إلي الحقبة السلجوقية باعتبارها حقبة انتصار العالمية السنية ، كما وصفها هودجسون. ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أن السلاجقة انتهجوا سياسة مناهضة للتشيع، أو للتشيع الإثني عشري علي وجه الخصوص. شهد العراق في مطلع العصر السلجوقي بعضاً من ردود الفعل السنية ضد مظاهر محدودة للتعبير الشيعي، ولكن ردود الفعل تلك لم تتحول إلي سياسة اضطهاد منظم ولا هي دامت طويلاً. وكانت الحادثة التي أثارت العواطف وشحنت أجواء التأزم ما تعارف عليه المؤرخون المسلمون بفتنة البساسيري. كان أبو الحارث أرسلان البساسيري، التركي الأصل، وزيراً للخليفة القائم بأمر الله (422هـ/1031 ــ 467هـ/1075)، وقد تسلط علي شؤون الخلافة وبغداد خلال الأيام الأخيرة من حكم البويهيين الضعيف والمتداعي، وهو ما دفعه للهرب عند دخول السلاجقة بغداد، وهم الذين رفعوا راية حماية الخلافة وإجلال الخليفة. استغل البساسيري غياب طغرلبك عن بغداد لإخماد تمرد عليه في عراق الجبل، فدخلها من جديد في تحالف مع أمراء بني عقيل والمزيديين حكام الحلة. كان تحالفاً شيعياً واضحاً، استهدف عزل الخليفة العباسي وإقامة الخطبة للخليفة الفاطمي المستنصر؛ وهذا ما أحدثه البساسيري في بغداد فعلاً، بعد أن أخرج منها القائم بالله لاجئاً إلي حديثة عانة في أعلي الفرات. ولكن سيطرة البساسيري علي بغداد لم تستمر أكثر من عام واحد؛ وما أن تأكد تحرك جيش طغرلبك إلي عاصمة الخلافة حتي تخلي عن البساسيري حلفاؤه من العقيليين والمزيديين وترك وحيداً يواجه مصيره المحتوم في 451هـ/1059. رأي سنة بغداد أن شيعتها أعانوا البساسيري علي الخلافة، فاندلعت أعمال انتقامية ضد من اعتبروا من أصحاب البساسيري وأعوانه. منع الشيعة في بغداد من إقامة طقوس العزاء، وأمر أبو نصر منصور بن محمد الكندري، وزير طغرلبك، الذي كان بالغ التعصب علي الشيعة والأشعرية علي السواء بلعن كليهما علي منابر خراسان. ولكن ذلك لم يمنع مصالحة السلاجقة لأمراء بني عقيل وللمزيديين، الذين عادوا من جديد للعب أدوار سياسية متفاوتة في بغداد وفي النزاعات بين الأمراء السلاجقة. واستمر ملك الأسرتين في أعلي الفرات والحلة حتي أطاح الجيش السلجوقي العقيليين في 486هـ/1096، أثناء التوسع السلجوقي باتجاه الشام؛ وطرد بني مزيد من الحلة بأمر من الخليفة المستنجد في 558هـ/1163 لتحالفهم مع القوة السلجوقية التي حاصرت بغداد وحاولت إعادة السيطرة عليها بعد أن دخلت الخلافة مرحلة الاستقلال عن الجند السلاجقة. غادر محمد بن الحسن الطوسي (شيخ الطائفة) بغداد إلي النجف، بعد عام من دخول السلاجقة المدينة وتعرضت مكتبته لاعتداء من العامة، ولحق به عدد من تلاميذه وأتباعه. وقد عاش الطوسي بقية حياته، مدرساً ومؤلفاً، في النجف، ليكون بذلك أول العلماء الشيعة الإثني عشرية الذين اتخذوا من المدينة الناشئة مقراً علمياً. وربما تواصل اتخاذ المدينة مقراً علمياً لجيل أو جيلين بعد وفاة الطوسي، ثم انتقل مركز العلوم الشيعية إلي مدينة الحلة حيث برز ابن إدريس الحلي (ت 598هـ/1202)، وعدة علماء من آل طاووس، ثم المحقق الحلي (ت 676هـ/1277)، والعلامة الحلي، المعروف بابن المطهر (ت 726هـ/1326). واستمر دور الحلة العلمي حتي وفاة ابن فهد في 841هـ/1438. ينبئ هذا الازدهار العلمي المتصل في العراق عن ضآلة أثر السيطرة السلجوقية علي الوضع الشيعي؛ ولكن انتقال مركز النشاط العلمي الشيعي إلي خارج بغداد يدل، من ناحية أخري، علي تراجع شيعي ملموس في مطلع العهد السلجوقي. من وجهة نظر بغداد، كانت الدولة الفاطمية والنشاطات الإسماعيلية السرية ما تزال هي مصدر التهديد الداخلي الرئيسي، وقد ازداد الاهتمام السلجوقي بهذا التهديد بعد النصر الكبير الذي أحرزه السلاجقة ضد البيزنطيين في معركة ملازكرد في 463هـ/1071. ولعل هذا الاهتمام هو ما دفع الخليفة العباسي إلي تحريض الإمام الغزالي (ت 505هـ/1111) علي كتابة رسالة فضائح الباطنية التي قصد بها تفنيد الأسس العقدية والفلسفية للإسماعيلية. ولكن كتاب القاضي أبي بكر بن العربي (ت 543هـ/1148)، تلميذ الغزالي، الموسوم بـ العواصم من القواصم ، كان عملاً غير مسبوق في تاريخ الكتابة السنية. فقد كرس ابن العربي كتابه لتقديم رد سني تفصيلي علي الرواية الشيعية للفتنة الكبري ومواقف الصحابة فيها، وهو ما يشير الي حجم المسافة التي سارها النص الشيعي الإثنا عشري، منذ نهاية القرن الرابع الهجري، في انفصاله عن الفضاء السني وفي سجاله مع هذا الفضاء. تراجع نفوذ السلاجقةأخذ النفوذ السلجوقي في التراجع داخل العراق منذ منتصف القرن السادس الهجري؛ ومنذ اعتلاء الخليفة الناصر سدة الخلافة (575هـ/1180 ــ 622هـ/1225) كان استقلال مؤسسة الخلافة قد أصبح واقعاً فعلياً، وعادت إليها بعض الحيوية التي عرفتها في عصر العباسيين الأقوياء. ومن المؤكد أن الناصر كان يتشيع، وقد استوزر وزيراً علوياً لبعض الوقت. وفي عهده جهر شيعة بغداد بمواقفهم المناهضة للسنة ونظم شعراؤهم القصائد في ثلب الصحابة وتهجين من يحبهم . ولم تتغير الأوضاع كثيرا في عهد الخلفاء الثلاثة الذين تلوا الناصر وحتي سقوط بغداد في يد المغول في 656هـ/1258. فقد تولي نصير الدين ابن العلقمي، أحد أعيان الشيعة في العراق، وزارة الخليفة المستنصر (623هـ/1226 ــ 646هـ/1242). وبعد وفاة نصير الدين، استوزر المستعصم (640هـ/1242 ــ 656هـ/1258) مؤيد الدين أبا طالب محمد بن العلقمي، الذي سيثير دوره في سقوط بغداد ومقتل الخليفة المستعصم جدالاً كبيراً بين السنة والشيعة. وكادت نقابة الطالبيين في بغداد أن تصبح حكراً علي آل طاووس الشيعة البارزين، الذين تعود جذورهم إلي مدينة الحلة.بيد أنه في الوقت الذي كان فيه عدد من أعيان الشيعة ينخرطون في مؤسسة الخلافة، كان الفقه الشيعي يواصل الانسحاب. فبعد انهيار الدولة البويهية، أفتي الفقيه الشيعي حمزة بن عبدالعزيز السلار (ت463هـ/1071)، أحد تلاميذ المرتضي المقربين، بحرمة صلاة الجمعة. وربما كان بذلك أول من أفتي بعدم إقامة صلاة الجمعة في زمن الغيبة. وبالرغم من إلحاح المستنصر، رفض السيد علي بن طاووس (ت 664هـ/1266) تولي أي من المسؤوليات في ظل الخلافة، مسقطاً عنها المشروعية. وقد كتب ابن طاووس يوماً إلي بعض وزراء الدولة قائلا: كيف بقي لي قدرة علي مكاتبتك في حوائجي وحوائج الفقراء وأهل الضراء وأنا مكلف من الله جل جلاله ورسوله صلي الله عليه وسلم والأئمة عليهم السلام أن اكره بقاءك … والغريب أن ابن طاووس سيقبل ولاية نقابة الطالبيين في بغداد عندما عرضها عليه هولاكو في 661هـ/1263. في موقفه هذا، سيؤسس ابن طاووس لتوجه شيعي يساوي بين الدولة الإسلامية والدولة غير الإسلامية، ويجعل إقامة العدل، أو بالأحري عدل السياسة تجاه الطائفة، معيار النظر والتعاون مع هذه الدولة. علي المستوي الديني، كل الدول في عصر الغيبة تفتقد الشرعية؛ وعلي المستوي السياسي، فإن الشرعيات نسبية، لا يعتبر إسلام الدولة العامل الأولي في تحديد الموقف منها. كان ابن طاووس عالماً شيعياً ينزع إلي التصوف، وبالرغم من أن مصطلح الإخبارية لم يكن شائعاً آنذاك في الأوساط العلمية الشيعية، إلا انه كان عالماً محافظاً، يقبل نصوص الأخبار علي علاتها ويجد كراهة في طرق الفقهاء والمجتهدين.وسرعان ما تم التوكيد علي تصور ابن طاووس للشرعية في أعمال الحسن بن يوسف بن المطهر، المعروف بالعلامة الحلي (648هـ/1250 ــ 727هـ/1326)، الذي كان فقيهاً مجتهداً لمع اسمه خلال الحقبة الإيلخانية في العراق. فمن وجهة نظر العلامة الحلي، الإمامة الوحيدة التي يمكن اعتبارها شرعية هي إمامة المعصوم المنصوص عليها لا الإمامة التي تقوم علي إرادة أهل الحل والعقد أو الاختيار، سواء بالبيعة كما هي عند أهل السنة أو الخروج كما هي عند الزيدية. وبينما اشترط الطوسي لانعقاد صلاة الجمعة وجود السلطان العادل بدون أن يخصص هوية هذا السلطان، فقد ذهب الحلي إلي أن السلطان العادل هو الإمام المعصوم أو نائبه الخاص . وطبقا للحلي، ففي غيبة الإمام يعطل نفاذ الحدود سوي في حالتين، كما يعطل الجهاد؛ ولم يفوض الحلي للفقيه سوي ولاية الأمور الحسبية كالزكاة ومال الطفل والمجنون. وقد استمر موقف الحلي يشكل الإطار المرجعي للفقه السياسي الشيعي، باستثناءات وخلافات بسيطة، حتي عاد الجدل الفقهي حول الشرعية وولاية الفقيه في العهد الصفوي. بذلك تحولت الأيديولوجيا الإثنا عشرية من التحرر من الغلو والتميز عن الفرق الشيعية الأخري إلي جدار سميك يفصل الفقيه عن كل نظام سياسي إسلامي يحكمه السنة، وينزع عن هذا النظام الشرعية باعتباره مغتصبا للإمامة. تطور الفقه الشيعيوقد كان هذا التطور في الفقه السياسي الشيعي يجري في اتجاه معاكس تماما للاتجاه الذي كان يسير فيه الفقه السياسي السني. فمن الماوردي (ت 450هـ/1058)، وأبي يعلي الفرّاء (ت 456هـ/1064)، والغزالي (ت 505هـ/1111)، ، قبل الاجتياح المغولي لبغداد، إلي ابن تيمية (ت 728هـ/1327) وبدر الدين ابن جماعة (ت 733هـ /1333)، كان الفقه السني يتطور باتجاه التصالح مع الواقع وتقديم وحدة الجماعة علي كل اعتبار آخر. وبعد أن امتنع العلماء المسلمون الأوائل عن إضفاء شرعية صريحة علي الدولة الإسلامية الوراثية بعد حقبة الخلافة الراشدة، أخذ الفقهاء السنة يتخذون موقفا أكثر عملية في تعاملهم مع الدولة منذ مطلع العهد السلجوقي. فرّق الفقهاء السنة بين مؤسسة الخلافة، التي رأوا فيها الإطار الجامع للأمة، وبين السلطنة التي نظروا إليها باعتبارها أمراً واقعاً، بالرغم من تأسيسها علي ما أسماه الماوردي إمارة الاستيلاء ، ورجحوا الاعتراف بشرعية الأمر الواقع علي غياب الأمن واندلاع الفتن. مدفوعين بالحفاظ علي وحدة الجماعة واستقرارها، رأي الفقهاء السنة أن شرعية الدولة ترتبط بارتباط الدولة بالمرجعية الإسلامية، مهما كان هذا الارتباط واهيا أو مستدعيا للأسئلة، لأن الدولة هي في النهاية تجل للقصور الإنساني وعجز الإنسان عن الكمال. ولكن ذلك لم يكن الوجه الوحيد لعلاقة الفقه السياسي السني بالدولة، فقد صاحب هذا النهج الواقعي للعلماء السنة جهد حثيث قام به العلماء السنة لتحديد دور الدولة، ومنعها من استلام مقاليد التشريع، أو التحكم في شؤون الاجتماع الإسلامي، الذي أصبح مستقلا إلي حد كبير عن الدولة في مجال تنظيم وإدارة جماعاته أو في مجالات التعليم والاقتصاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. بيد أن مشكلة العلاقات السنية ـ الشيعية في العصر الإسلامي الوسيط لم تقتصر علي مسألة شرعية الدولة والافتراق المتسع في مجال الفقه السياسي، بل امتدت إلي الواقع السياسي ذاته. وقد احتل الاجتياح المغولي المدمر لبغداد موقعاً بارزاً في رسم هذا الواقع. سقطت بغداد في يد جيش هولاكو في 20 محرم 656هـ/27 يناير(كانون الثاني) 1258، وخلال الأربعين يوما التالية استبيحت المدينة بكل شيء فيها: مساجدها ومدارسها، بيوتها ومكتباتها، نساؤها ورجالها وأطفالها، وخلافتها وعلماؤها وأعيانها. أرقام الضحايا من سكان بغداد التي تداولها المؤرخون المسلمون تراوحت من 800 ألف إلي مليونين؛ وارتكب هولاكو جريمة ما كان لمؤمن أن يتصور حدوثها، وهي قتل المستعصم آخر خلفاء بغداد العباسيين، وابنيه، ومن طالت يداه من الأسرة العباسية، وسبي نسائهم . كانت فاجعة كبري بكل المقاييس، وكانت فاجعة غير مسبوقة في تاريخ المدينة التي بنيت أصلاً لتكون عاصمة للخلافة؛ ليس لأن جيشا دخل بغداد عنوة، فقد دخلها بقوة السلاح من قبل جيش المأمون، ودخلها الجيش البويهي كما دخلها جيش السلاجقة. ولكن كل القوي السابقة التي استهدفت بغداد كانت مدفوعة بالرغبة في امتلاكها، بأن تصبح جزءاً من عالمها، بأن تتماهي معها. أما جيش هولاكو فقد جاء بغرض واحد فقط: إسقاط المدينة، إسقاط الرمز الذي تمثله، إهانتها وتركيعها. ولعل هذا ما أصاب الضمير الإسلامي في الصميم، وما جعل سقوط المدينة والمسؤولية عن هذا السقوط، لا سيما مسؤولية الوزير مؤيد الدين ابن العلقمي، محل اهتمام المؤرخين المسلمين. يحمل ابن كثير، ابن الوردي، ابن العماد، ومؤرخون آخرون، ابن العلقمي قدراً كبيراً من المسؤولية، سواء لإهماله جيش الخلافة أو تسليمه المدينة والخليفة المستعصم لهولاكو. ويري هؤلاء أن ابن العلقمي كان مدفوعاً بمرارة فشله في حماية شيعة بغداد في العام السابق عندما هاجمت عناصر من الجند والعامة جانب الكرخ ونهبت دور ومحال الشيعة، بما في ذلك دور أقرباء الوزير. ولكن ابن الفوطي وابن الطقطقي يبرئان الوزير ويضعان المسؤولية علي عاتق المستعصم الذي لم يستجب لنصيحة وزيره بمداراة هولاكو بالهدايا، والمستعصم يعلم أن لا طاقة لبغداد وجيشها في مواجهة المغول.الحصار المغولي لبغداد وتدميرهاإن القول بأن سقوط بغداد بيد المغول لم يكن حتمياً يستند إلي أن مدينة دلهي، قبل سقوط بغداد، وقلعة أربيل، بعدها، قد قاومتا بنجاح حصاراً مغولياً لا يقل عنفاً وبطشاً عن حصار هولاكو لبغداد. كما أن حصار بغداد قد بدأ وجيشها يطارد عصاة في الأنبار، وان الجيش قد تأخر في العودة إلي المدينة بسبب فيضان أغلق الطريق أمام الخيل. ولكن الأرجح أن بغداد كانت ستسقط علي أية حال، فمنذ وصل هولاكو إلي همدان كانت دفاعات العراق الآسيوية، خاصة الدولة الخوارزمية، قد انهارت، وكان جيش هولاكو يفوق مدداً وعدداً جيش الخلافة حتي لو حشد كل هذا الجيش للدفاع عن المدينة. ان المستعصم، سياسة وتدبيراً، لم يكن من أفضل الخلفاء، وربما ساهم شخصيا في إغراء المغول بالخوارزميين؛ وحتي ابن كثير، وهو يكتب عن الخلافة بدرجة عالية من التقدير، لم يستطع إخفاء ذلك. من جهة أخري، فكل المؤرخين المسلمين الذين يدينون ابن العلقمي هم سنة عاشوا في ظل الدولة المملوكية، حيث ارتفعت وتيرة الخطاب السني ومناهضة التشيع، وحيث تأسس عداء عميق للمغول لم يخفف منه حتي اعتناق الأخيرين الإسلام. ولكن المؤرخين اللذين يبرئان ابن العلقمي لم يخلوا هما أيضاً من الغرض، فابن الفوطي كان ربيب نصير الدين الطوسي (ت 672هـ/ 1274)، المتكلم والفيلسوف الشيعي (هذا إن صحت نسبة الحوادث الجامعة لابن الفوطي)، بينما كان ابن الطقطقي شيعياً. في النهاية، ومهما كانت حقيقة دور ابن العلقمي، فإن الانطباع الذي تركته واقعة اجتياح بغداد وإسقاط الخلافة كان أهم من الحقيقة، خاصة ان إشكالية ابن العلقمي كانت جزءاً من صورة أكبر . لقد حاصر هولاكو بغداد ومستشاره الرئيس هو نصير الدين الطوسي، الذي كان قبل ذلك قد تآمر مع المغول ضد حماته الإسماعيلية النزارية. وهناك من الروايات التاريخية ما يشير إلي أن الطوسي هو من أغري هولاكو بقتل المستعصم، في حين كان هولاكو نفسه يخشي عواقب قتل الخليفة. وبالرغم من أن الاستباحة المغولية لبغداد لم تفرق بين سنتها وشيعتها، فثمة شواهد علي أن العلماء الشيعة في بغداد والحلة لم يستهجنوا سيطرة المغول الكفار، ولا إطاحتهم الخلافة؛ وأن العلماء الشيعة أبدوا استعدادا للتعاون مع الوضع الجديد، ربما بتشجيع من الطوسي أو ابن العلقمي. يتحدث علي بن طاووس عن يوم سقوط المدينة قائلاً: يوم ثامن عشر محرم وكان يوم الاثنين سنة ست وخمسين وستمائة فتح ملك الأرض زيدت رحمته (يقصد بذلك هولاكو) ومعدلته بغداد وكنت مقيماً بها في داري بالمقيدية وظهر في ذلك تصديق الأخبار النبوية ومعجزات باهرة للنبوة المحمدية … ويروي ابن الطقطقي أن هولاكو استفتي من تبقي من علماء بغداد أيما أفضل السلطان الكافر العادل أم السلطان المسلم الجائر، وكان ابن طاووس حاضراً في المجلس. فلما رأي ابن طاووس إحجام العلماء، تناول الفتيا ووضع خطه فيها بتفضيل العادل الكافرعلي المسلم الجائر، فوضع الناس خطوطهم بعده . وربما كان هذا هو اللقاء الذي انتهي بتولية ابن طاووس نقابة الطالبيين، بعد مقتل ابن عمه شرف الدين محمد بن موسي بن جعفر بن طاووس، النقيب الاسبق، في استباحة بغداد، ووفاة ابن أخيه مجد الدين محمد، النقيب التالي، في ذات عام الاجتياح. ويذكر ابن الفوطي أن أشراف ووجهاء الحلة، التي كان أغلب أهلها قد فروا الي البطائح عند قدوم المغول إلي العراق، قد اجتمعوا بهولاكو وعرضوا شراء الأمان للمدينة وأهلها بالمال، فوافقهم هولاكو علي ذلك. ولعل هذا ما ولد المفارقة المؤلمة بين مصيري بغداد والحلة، بالرغم من أن المغول لم يتورعوا عن تدمير مقام الإمام الرضا عندما اجتاحوا مدينة طوس. مر العراق خلال القرون الثلاثة التالية للغزو المغولي بحقبة من العنف واختلال التوازن، توالي فيها انهيار الدول الواحدة بعد الأخري، وانحدرت خلالها المدن وطغت العشائر البدوية. سرعان ما أعيد بناء بغداد، وانتعشت فيها مظاهر الحياة الفكرية، لكنها لم تعد أبداً لما كانت عليه في عصر الخلافة الطويل. واستمر النشاط العلمي الشيعي لبعض الوقت في الحلة، ولكن هنا أيضا سرعان ما خمد وانتقل مركزه إلي مواقع أخري، لاسيما جبل عامل. وقد ازداد الشرخ الفكري والاجتماعي والسياسي بين السنة والشيعة بفعل ارتفاع وتيرة السجال بين علماء الطرفين والتنافس الذي أثاره إسلام ملوك المغول والتركمان، الإسلام الذي راوح بين التسنن والتشيع. العراق والدور الانتقاليعاش العراق خلال القرون الثلاثة الفاصلة بين الغزو المغولي والصعود الصفوي ـ العثماني ما يمكن وصفه بالحقبة الانتقالية الطويلة. سياسياً، تعاقبت علي حكم العراق عدة دول، لم تستطع أي منها الاستقرار طويلاً. اجتماعياً، أصبح العراق مقصداً لهجرات العشائر الراحلة التي ازداد نفوذها في الجنوب، في الجزيرة، وفي حوض الفرات، بدرجة غير مسبوقة. ثقافياً، بالرغم من استمرار تقاليد العلم والعلماء السنة والشيعة في ميادين الفقه والعقائد والآداب، فقد أحكم التصوف سيطرته علي دوائر العلماء والعامة علي السواء، معززاً بولادة الطرق الصوفية التي أصبحت أداة ثقافية – دينية واجتماعية نافذة. لقد تزامن الغزو المغولي في منتصف القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي مع حسم التدافع السياسي والاجتماعي في بلاد الإسلام (الذي بدأ منذ القرن الرابع الهجري/العاشر الميلادي) لصالح أهل السنة، بعد أن انتهت الدولة الفاطمية، واختفي النفوذ البويهي تماماً من العراق وفارس، وخسرت الزيدية وجودها في منطقة جيلان لتنحصر في أعالي اليمن. داخل العراق نفسه، انتهي نفوذ بني عقيل في الجزيرة والأنبار، كما خسر المزيديون من بني أسد سلطتهم علي الحلة. وربما كان بدر الدين لؤلؤ، أحد قادة جند الأتابكة السلجوقيين، والذي حكم الموصل زهاء الخمسة عقود، يتشيع. ولكن، وبالرغم من تحالف لؤلؤ مع هولاكو، فإن القائد المغولي سرعان ما أطاح بأبناء لؤلؤ في الموصل إثر وفاة الأخير في 656هـ/1256، أو بعد ذلك بقليل، وبسط السيطرة المغولية الكاملة علي المدينة وجوارها. انحسر التشيع سكانياً، سوي الوجود الزيدي في اليمن، والعلوي ـ الإسماعيلي أو الإثني عشري في مناطق منعزلة من الشام، والإسماعيلي في مناطق صغيرة ومحدودة من فارس ووسط آسيا. وفي حين استمر الوجود الشيعي الإثنا عشري في بغداد والحلة وبعض مدن فارس، فقد كان العراق في مطلع الغزو المغولي خالياً كلياً من الغلاة الذين لم يعودوا للظهور إلا في القرن الثامن الهجري/الرابع عشر الميلادي، عندما أخذت السلطة المركزية في التحلل وفتحت المؤثرات الصوفية علي التشيع الباب لتيارات غلو جديدة. حكم المغول الإيلخانيون العراق بشكل غير مباشر منذ اجتياحهم بغداد وحتي نهاية حكم أبي سعيد في 736هـ/1336؛ ثم عزز العراق استقلاله بقيام الاسرة الجلائرية (مغولية الأصل)، التي اتخذت من بغداد مركزاً لها، باسطة سيطرتها علي العراق وبلاد الكرد وأذربيجان من 736هـ/1336 إلي 853هـ/1432. وقد وضع التركمان من أسرة قاراقوينلو نهاية للجلائريين (الذين كانوا في خدمتهم)، بداية في أذربيجان منذ 782هـ/1380، ثم في العراق منذ 813هـ/1410، ليبسطوا سيطرتهم علي المنطقتين حتي 872هـ/1468، إلا فترة انقطاع قصيرة خلال الغزو التيموري في مطلع القرن التاسع الهجري/الخامس عشر الميلادي. ولكن هذه الأسرة التركمانية سرعان ما انهارت أمام صعود الأقونيلو، الأسرة التركمانية هي الأخري، في أذربيجان وشرق الأناضول، ثم في بغداد منذ 872هـ/1468 وحتي الغزو الصفوي للعراق بقيادة الشاه إسماعيل في 914هـ/1508. كان المغول من وجهة نظر المسلمين كفاراً بامتياز، فلا علاقة لمعتقداتهم بالإسلام ولا بعقائد أهل الكتاب. ولكن هذه الرؤية للمغول لم تفض الي تطور الفقه الإسلامي، الشافعي والحنفي والحنبلي، السائد في العراق وآسيا الإسلامية، في اتجاه شبيه لذلك الذي تطور فيه الفقه المالكي في الأندلس وشمال أفريقيا. فمنذ بدأ التراجع الإسلامي في شبه القارة الأيبرية في القرن السادس/الثاني عشر الميلادي، اخذ الفقهاء المالكية التأكيد في فتاواهم علي حرمة بقاء المسلمين تحت حكم غير المسلمين وعلي واجب الهجرة إلي دار الإسلام، لا سيما بعد أن بدأ الملوك الأسبان المسيحيون تهديد شعائر المسلمين ومعتقداتهم في القرنين التاسع والعاشر الهجريين/الخامس عشر والسادس عشر الميلاديين. في العراق وآسيا الإسلامية، نجم عن العنف الدموي للغزو المغولي بعض الهجرة للأعيان والعلماء والقبائل التركمانية، ولكن الحكام المغول كانوا علي دراية بعمق جذور الإسلام في البلاد التي سيطروا عليها وبأن سيطرتهم تعتمد علي قوة البطش لشريحة مغولية صغيرة. وهذا ما جعل الحكم المغولي ينزع إلي عدم التدخل في الحياة الدينية والشأن الاجتماعي للمسلمين، مما ساعد علي احتواء احتمالات حدوث هجرة كثيفة للمسلمين من البلاد التي وقعت تحت سيطرة المغول إلي البلاد التي ظلت تحت حكم الإسلام. إضافة إلي ذلك، فإن الحكام المغول انفسهم سرعان ما اعتنقوا الإسلام. وقد اتخذ الحكام المغول مقرهم في المدن الفارسية الرئيسية، بينما أدار العراق وزراء، بدأوا بمؤيد الدين ابن العلقمي، ثم ابنه عز الدين أبي الفضل، اللذين توفي واحد منهم بعد الآخر خلال عام اجتياح بغداد والعام الذي يليه. ثم ولي العراق في ذي الحجة 657هـ/نوفمبر (تشرين الثاني) 1259 علاء الدين الجويني، الذي تحدر من أسرة فارسية عريقة في الأدب والإدارة؛ وقد استمر الجويني في موقعه إلي 681هـ/1282، أي حتي ما قبل بدء اعتناق الحكام المغول الإسلام. 7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية