العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (7)

حجم الخط
0

المماليك لم يكونوا غرباء عن النسيج البغدادي.. اعتبروا العراق مصيرهم وعبروا عن ثقافة انتماء للمكانالمشاريع العمرانية الطموحة بداية القرن التاسع عشر حولت مدن العراق الي بوتقة صهر عروبية لعناصر مختلفة

بشير موسي نافعہ تنشر “القدس العربي” مقتطفاتمن كتاب العراق سياقات الوحدة والانقسام للباحث والاكاديميبشير موسي نافع، والذييحاول فيه تحليل البنيةالاجتماعية والثقافية والطائفيةفي العراق، ورؤية السنة والشيعة لبعضهما البعض.

عروبة العراقبدأ الفتح العربي ـ الإسلامي للعراق خلال الشهور القليلة الأخيرة من خلافة أبي بكر (ت 13هـ/634). فقد تقدم خالد بن الوليد، الذي كان قد أنجز إلي حد كبير الانتصار علي قبائل الردة، إلي شمال شرق الجزيرة العربية لمد يد العون إلي قائد شيبان، المثني بن حارثة، الذي كان يقوم بغارات صغيرة علي منطقة النفوذ الساساني في العراق. ولكن فتح العراق لم يتحقق فعلاً إلا بعد ذلك بعامين (15هـ/636)، عندما حقق الجيش العربي ـ الإسلامي نصراً حاسماً علي الساسانيين في القادسية، جنوبي غرب الكوفة. وقد تراجعت الجيوش الساسانية بعد القادسية إلي إقليم فارس وما خلف سلسلة الجبال التي تفصل منطقة المركز الساساني عن بلاد الرافدين. كانت القوة التي قادها خالد إلي جانب شيبان لا تتجاوز ربما ثمانية آلاف رجل، أغلبهم من قبائل مضر وربيعة التي لم تشارك في حركة الردة. ولكن جيش القادسية فاق علي الأرجح الثلاثين ألف رجل، وذلك بعد أن سمح الخليفة الثاني عمر بن الخطاب للقبائل التي ارتدت سابقاً بالالتحاق بجيوش الفتح. وقد ضم جيش القادسية رجالاً من قبائل قيس وتميم وأسد (المضرية)، وقبائل أزد وخشعم وطيء وقضاعة وبجيلة وكندة (اليمنية)، وقبائل بكر وتغلب وعبد القيس (وجميعها من ربيعة)؛ اجتمعوا إلي جانب بعض المهاجرين والأنصار. أضافت هذه الآلاف من المقاتلين المسلمين التي دخلت العراق عنصراً عربياً جديداً إلي وجود عربي سابق في منطقة الحيرة وصحراء العراق الجنوبية والجزيرة، وفي دومة والأنبار؛ وهي العشائر التي عرفت بعرب الضاحية. خلال السنوات القليلة التالية، وبعد أن أصدر عمر قراره باستقرار جند الفتح في البلاد المفتوحة، التحقت بجنود القادسية آلاف أخري من أسرهم وعائلاتهم وأقربائهم. وتحول مصرا البصرة والكوفة بالتالي ليس فقط إلي بوتقة انصهار صنعتها عملية الاستيطان و اختلاط القبائل و العشائرالعربية في موطنها الجديد، بل أيضا إلي قاعدتي انطلاق للفتوح العربية الإسلامية في فارس وأذربيجان وأرمينيا، وطبرستان وخراسان وكرمان. كما تحولت الموصل هي الأخري إلي مدينة للجند المسلمين منذ فتحها في 20هـ/641. وقد ساعد علي تعرب العراق السريع أن أبوابه ظلت مشرعة لهجرات جديدة لاحقة من الجزيرة العربية، بخلاف الشام حيث أحكم معاوية قبضته مغلقاً الشام أمام تيارات الهجرة، وذلك بهدف الحفاظ علي مستوي رفاه عال للمستوطنين العرب. إن انفتاح العراق الجغرافي علي الجزيرة العربية وتنوع القبائل التي شاركت في موجة الفتح الأولي، إضافة إلي حركة التوسع الإسلامي باتجاه شمال وشمالي شرق العراق، كل تلك كانت عوامل هامة في استمرار التدفق العربي علي بلاد الرافدين. ولكن تعرب العراق كان في جوهره حركة تاريخية متعددة الجوانب، تداخلت فيها تقاليد الموالاة القبلية، بالهجرات من الجزيرة العربية، بسلسلة من الأحداث السياسية الفاصلة.

لم يتوقف التدفق العربي باتجاه العراق خلال العهد الأموي، إما للالتحاق بجيوش الفتح الإسلامي المتواصل في آسيا، أو للانضمام إلي حركات الخروج والثورة علي الأمويين التي وجدت في العراق مرتعاً خصباً، أو لأسباب اقتصادية بحتة. وقد تحول العراق إلي مصدر قلق دائم للأمويين فقد خشي هؤلاء الاكتظاظ السكاني العربي المتزايد في مدن العراق. اتبع زياد بن أبيه، الذي أعطي ولاية العراق من قبل معاوية في 44هـ/ 664، سياسة إمبراطورية راديكالية في مواجهة الوضع العراقي المتفجر، آمراً، بعد تسلمه الولاية بسنوات قليلة، بترحيل خمسين ألف رجل مع عائلاتهم من الكوفة والبصرة إلي خراسان. وقد وضع هذا الإجراء أسس الاستقرار العربي في خراسان، ومعه جذور الثورة العباسية التي ستقوض الحكم الأموي بعد ذلك بثمانية عقود. في شمال العراق وأعالي دجلة، حيث كانت تدور رحي المواجهة الإسلامية مع البيزنطيين، قام مروان بن محمد أحد أهم القادة العسكريين الأمويين، والذي تسلم قيادة مناطق الجزيرة وأذربيجان وأرمنيا من ابن عمه هشام بن عبد الملك في 114هـ/ 732، بتشجيع عشائر من ربيعة، لا سيما تغلب، للاستقرار في جوار الموصل، التي كانت تعرف بديار ربيعة. كما شجع عشائر من بكر بن وائل (وهي أيضا من ربيعة) للاستقرار شمال وشمالي غرب الموصل، في جوار آمد؛ وهي المنطقة التي عرفت بديار بكر. وسيلعب أبناء هذه العشائر، إلي جانب أعداد أقل من عشائر أخري استوطنت تلك المناطق، دوراً حاسماً في حماية الثغور الإسلامية أمام بيزنطة لعدة قرون قادمة. تغير في قدر العراقشهد العراق منذ انتصار الثورة العباسية وانهيار الأمويين انقلاباً هائلاً في دوره وموقعه. فبعد تردد قصير خلال خلافة أبي عبد الله السفاح بين الكوفة والأنبار، وضع أبو جعفر المنصور في 141هـ/ 755 مخطط بناء عاصمة بني العباس الجديدة. وقد انتقل المنصور فعلاً إلي بغداد بعد ذلك بخمس سنين وفور اكتمال تشييد الجزء الأول منها، الذي تضمن علي الأقل قصراً وديواناً ومسجداً، في حين كان البناء ما زال جارياً في الأجزاء الأخري. تحولت بغداد خلال العقود القليلة القادمة إلي حاضرة الدنيا، وواحدة من مراكز الانصهار الديمغرافي والثقافي النادر في ذلك العصر. كان العرب عنصراً واحداً من عناصر الإمبراطورية العباسية، التي ضمت إلي جانبهم فرساً وأتراكاً وبربراً وأفارقة وأكراداً، إضافة إلي عدد من الإثنيات الدينية من السكان الأصليين لمناطق الشرق الأدني القديم كالآشوريين والكلدانيين والصائبة والأنباط. ولعل روح المساواة والتقوي التي غذت حركة الثورة علي الأمويين، والتي حاول العباسيون الأوائل إعلاءها، قد لعبت دوراً كبيراً في تحويل العراق، وبغداد علي وجه الخصوص، إلي مركز جذب لا يقاوم للعلماء والأدباء والتجار وأصحاب الطموح من كافة الأعراق التي تكون منها المجال الإمبراطوري العباسي. لقد ظلت دمشق طوال العصر الأموي مدينة عربية، ولكن بغداد نمت منذ لحظة تأسيسها لتمثل رؤية الإسلام العالمية. كان الكثير من مسلمي الفرس وخراسان ووسط آسيا الأوائل قد جاؤوا إلي البصرة والكوفة (كما إلي مكة والمدينة) قبل صعود العباسيين إلي الحكم، ولكن ما ستشهده بغداد من حركة نزوح واختلاط كان علي مستوي آخر مختلف تماما.

يمكن القول أن الوحدة السياسية للعالم العباسي قد أخذت في التفكك منذ منتصف القرن الثالث الهجري. ولكن المؤكد أن هذا التفكك وصل إلي منعطف اللاعودة منذ تولي المعتضد الخلافة في 279هـ/ 892. إن أسباب تراجع سيطرة المركز العباسي عديدة، وليس هذا مجال بحثها، ولكن المهم أن هذا التراجع لم يصحبه أي تراجع ملموس في عروبة العراق. أولاً، لأن الوجود القبلي العربي في جنوب العراق وشماله كان قد أصبح من الكثافة وعمق الجذور ما جعله قادراً علي استيعاب تيارات الوفود غير العربية. ثانيا، أن القوي التي مثل صعودها السياسي والعسكري الوجه الآخر لانحدار السيطرة السياسية والعسكرية للخلافة، مثل أمراء الجند الأتراك الذين كان المعتصم أول من بدأ جلبهم إلي بغداد (ثم سامراء) واستبدل بهم العسكر العربي والخراساني، ثم بني بويه ذوي الأصول الديلمية الفارسية، وحتي الاجتياح السلجوقي التركي الكبير للمنطقة، قد اقتصر وجودها في العراق علي المؤسسة العسكرية وبيروقراطية الحكم. لا سيطرة الجند الأتراك، ولا السيطرة البويهية، رافقت هجرات بشرية تركية وفارسية كبيرة للعراق؛ وقد اقتصر وجود الجند الأتراك والبويهيين علي بغداد وبعض مدن العراق الأخري. وحتي موجة الهجرات التركية، التي صاحبت أو تلت السيطرة السلجوقية علي بغداد (447هـ/1055ــ 590هـ/1194)، اتجهت للاستقرار بشكل أساسي في شبه جزيرة الأناضول، التي فتحت أبوابها للاستيطان الإسلامي بعد معركة ملازكرد الحاسمة وانهيار السيطرة البيزنطية في أغلب الجانب الآسيوي من البوسفور، أو في أقصي شمال العراق وبلاد الشام. بيد أن من الضروري، علي أية حال، ملاحظة بعض المتغيرات الهامة التي نجمت عن ضعف سيطرة المركز والتفكك السياسي العباسي منذ الربع الأخير للقرن الثالث الهجري (نهاية القرن التاسع الميلادي). كان أحد أهم وجوه هذا التفكك أن برزت عدة دول وإمارات في آسيا الإسلامية وما وراء العراق، مثل الصفوريين، السامانيين، الغزنويين، والخوارزميين. بل إن دور البويهيين لم يكن ليأخذ تلك الأهمية النسبية في التاريخ الاسلامي لولا استيلاؤهم علي بغداد. تبنت هذه الدول والإمارات جميعا الثقافة الفارسية، علي الأقل علي مستوي بلاط الحكم، وساهمت بالتالي في حركة إحياء ثقافي فارسي كبير. والأرجح أن النتيجة التي توصل إليها شعبان في أن سلسلة جبال زاغروس قد أصبحت، منذ منتصف القرن الرابع الهجري/ منتصف العاشر الميلادي، الخط الفاصل بين فضاء إسلامي فارسي الثقافة إلي الشرق وفضاء إسلامي عربي الثقافة إلي الغرب والجنوب الغربي، هي نتيجة صحيحة. هذا لا يعني بالتأكيد أن هذا الخط الفاصل كان قاطعاً ومطلقاً، ذلك أن لغة وثقافة العلماء المسلمين في الدائرتين ظلت دائما عربية، كما أن العديد من القري الخراسانية ظلت تتحدث العربية حتي العصور الحديثة. ولم يكن هذا الفاصل فاصلاً قومياً بالمعني الحديث للقومية، ليس لأن مفهوم القومية لم يكن قد ولد فحسب، بل أيضاً لأن الاتصال بين الدائرتين عبر حركة العلماء والتجار والحجيج والمتصوفة والجند ظلت حركة نشطة وكثيفة وواسعة. وقد ظلت الخلافة، بمدلولها الرمزي والديني، تربط شعوب وأمم هذا المجال الإسلامي الكبير، من بغداد إلي بخاري إلي غزنة، وتوحدهم. تلاشي الثغور الاسلاميةمن جهة ثانية، أدي اعتناق القبائل والشعوب التركية المتسارع للإسلام إلي التلاشي التدريجي للثغور الإسلامية في وسط آسيا، ومن ثم انفتاح الطريق أمام موجات الهجرات التركية الهائلة، ابتداء بالموجة السلجوقية في منتصف القرن الخامس الهجري/ منتصف الحادي عشر الميلادي. لقد افتتح السلاجقة حقبة صعود تركي ـ إسلامي سياسي في معظم آسيا الإسلامية وشمال إفريقيا، استمرت حتي انهيار الإمبراطورية العثمانية في مطلع القرن العشرين. ولكن الأثر الثقافي والإثني للهجرات التركية ظهر أساساً في المحيط الإسلامي ـ الفارسي وفي شبه جزيرة الأناضول، حيث تداخلت الدوائر الإثنية والثقافات والتقاليد العربية والفارسية والتركية ضمن المحيط الإسلامي الأوسع، إلي أن وضع الصدام الصفوي ـ العثماني حداً سياسياً فاصلاً بين هذه الدوائر بدون ان ينجح في فصلها إثنياً وثقافياً. عاش العراق، منذ أخذت قبضة الحكم العباسي المركزي في التراخي، دينامية تبادل وتفاعل بشري بين المدينة والريف والبادية من ناحية، وبينهما جميعا والجزيرة العربية من ناحية أخري. هذه الدينامية، التي تعود في جذورها إلي مطلع حركة الفتح الإسلامي، ستظهر بشكل جلي منذ القرن الرابع الهجري/ العاشر الميلادي، وتستمر بلا توقف حتي النصف الثاني من القرن العشرين. وإن كانت مناطق عربية أخري مثل بلاد الشام ومصر قد شهدت دينامية شبيهة، فإن انفتاح العراق علي الجزيرة العربية وعنف فيضانات دجلة وحاجة أنظمة ريّ وادي الرافدين للرعاية الدائمة، جعلته ساحة التجلي الأبرز لهذه الدينامية. وسيكون لهذه العلاقة المركبة بين المدينة العراقية، والريف والبادية وجزيرة العرب، الدور الرئيسي في الحفاظ علي عروبة العراق، وفي تحديد علاقات التوازن بين كتل سكان العراق الثــلاث: أهل المدن، أهل الريف، وأهل البادية. إن القانون الخلدوني الشهير، الذي يربط بين تحلل المدينة وضعف نظامها من ناحية وزحف البادية وصعود قواها مـــــن ناحية أخري، قد أصبح مذهباً تفسيرياً ضرورياً لقراءة تاريخ شمال أفريقيا والمشرق العربي ومنطـــــقة القلب من العالم الإسلامي. ولكن المهم ملاحظته في هذه العلاقة، وفيما يخص العراق منــــها، أن أهل البادية سرعان ما وجدوا مقاماً لهم في الريف والمدينة، وأن التراجع الديمغرافي في العراق، الذي كانت تتسبب فيه أحداث الفيضانات الجامحة أو الطواعين أو الحروب، كان يجد رافداً ومعادلاً له في هجـــرات قبائل الجزيرة العــربيـة. تعافي مؤسسة الخلافةبدا منذ مطلع القرن السابع الهجري أن العراق كان في طريقه إلي التعافي السياسي، فقد عادت لمؤسسة الخلافة حيويتها، وأخذ الخلفاء في توكيد سلطتهم السياسية في بغداد وجوارها بعد أن فشلت محاولات الأمراء السلاجقة في العودة إلي عاصمة الخلافة. ولكن العراق، وقبل أن تصل الحقبة الجديدة إلي مداها وتبدأ إعطاء ثمارها الاقتصادية والاجتماعية، وقع فريسة لهجمة المغول الكاسحة والمدمرة. وبالرغم من الدمار والموت الذي تعرضت له بغداد (626هـ/1258) فإن الغزو المغولي لم يكن هو الآخر غزواً استيطانيا؛ وقد حافظ العراق علي إدارته المحلية طوال الحكم الإيلخاني، يديره باسم السلاطين المغول حكام من طبقة الإداريين المسلمين الفرس. خلال ولاية عطا ملك الجويني، ثالث وزراء الإيلخانيين في العراق، الذي استمرت ولايته لثلاثة وعشرين عاماً، عاشت بغداد بعض الاستقرار وأخذت في استعادة بعض حيويتها. ولكن بغداد في الحقيقة، وهي مرآة العراق، كانت قد أخذت في الانحطاط النسبي منذ نهايات القرن السادس الهجري. ويقدم ابن جبير، الذي زار بغداد في 581هـ/ 1185، صورة محزنة لمدينة فقدت الكثير من ألقها في ما يحاول أهلها الحفاظ علي كبريائهم. استمرت الإدارة الإيلخانية في بغداد ومعظم العراق العربي حتي 740هـ/1339، ولكن العقود الأخيرة منها اتسمت بعدم الاستقرار، إلي أن استقل بحكم بغداد الأمير المغولي المسلم حسن بُزرغ، مؤسساً ما عرف بالسلالة الجلايرية. بعد عقود قليلة، وقعت بغداد فريسة للغزو التيموري للمرة الأولي في 795هـ/ 1393، ثم للمرة الثانية في 803هـ/1401 . وإن كانت المدينة قد نجت من الدمار في المرة الأولي، فإنها عانت الكثير منه في الثانية، سكاناً ومدارس ومنشآت. في 813هـ/ 1410، أقام التركمان القراقوينلو دولتهم في بغداد، حتي تبعهم في 872 هـ 1468 التركمان الأقوينلو، الذين دامت سيطرتهم علي المدينة حتي أطاح بهم إسماعيل الصفوي في 914هـ/ 1508. ولم يستمر الوجود الصفوي في العراق طويلاً، إذ سرعان ما وضع السلطان العثماني سليمان القانوني حداً له في 941هـ/ 1534، ليدخل العراق بولاياته الثلاث: الموصل، بغداد، والبصرة، حقبة الحكم العثماني، الذي دام بانقطاعات قصيرة حتي الحرب العالمية الأولي وولادة الدولة العراقية الحديثة. هجرات قبلية جديدةلقد سمح انحدار المدينة وتراخي قبضة الحكم المركزي وغياب الأمن أن ترد العراق موجات جديدة من الهجرات القبلية، كان آخرها تلك التي نجمت عن التوتر السياسي والاجتماعي الذي أحدثته الحركة الوهابية في نجد ومختلف أنحاء الجزيرة العربية في النصف الثاني من القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر. وكان طبيعياً خلال حقبة زمنية استمرت لأربعة قرون أن تتحلل قبائل قديمة، وأن تولد من بين عشائرها وحدات قبلية جديدة؛ أو أن تلتحق قبائل بأخري أكثر منها عدداً وأشد بأساً، وأن تتكون تحالفات قبلية لمواجهة هذا الموقف أو الخطر أو ذاك. وفي حين تجلت ظاهرة صعود القبائل الراحلة وشبه الراحلة في كل أنحاء العراق، فإنها كانت أبرز ما تكون في جنوب البلاد، المطل بلا حاجز جغرافي علي الإحساء ونجد. بدأ جنوب العراق منذ مطلع القرن التاسع عشر يشهد بناء مشاريع جديدة وطموحة؛ ومنذ منتصف القرن اتجهت الإدارة العثمانية في بغداد نحو تطبيق سياسة واضحة وحثيثة لتوطين العشائر العراقية وتوسيع نطاق الحياة الحضرية. وستأخذ حركة الاستقرار العشائري منحيً متسارعاً خلال القرن العشرين، بحيث أصبح تقسيم العشائر العراقية إلي بدوية وريفية، الذي اتبعه عباس العزاوي في كتابه الكبير المنشور بين (1937 ـ 1956)، غير ذي معني خلال عقود من ظهور الكتاب؛ وذلك لأن قطاعات متزايدة من العشائر التي كانت تعيش حياة بداوة في النصف الأول من القرن العشرين قد استقرت إلي حد كبير خلال النصف الثاني من القرن، وأن المدن العراقية الكبري، مثل بغداد والبصرة والموصل، أصبحت مراكز جذب لمئات الألوف من أبناء العشائر الريفية والبدوية علي السواء. ولكن هذا لم يكن العامل الوحيد وراء دينامية التغير والانصهار التي شهدتها المدن العراقية خلال هذه الحقبة الطويلة من الغزو المغولي إلي القرن العشرين. فقد استقبلت مدن كبغداد والموصل في البداية جاليات مغولية وتركمانية صغيرة، ثم أصبحت الكاظمية والنجف وكربلاء مناطق جذب ديني وتجاري لجاليات فارسية؛ وخلال العهد العثماني الوسيط، خاصة عندما أصبحت ولايتا بغداد والبصرة تتمتعان بحكم مملوكي ذاتي، شهدت المدن العراقية حركة تعرب واستقرار للجند والبيروقراطيين المماليك. ومنذ نهاية القرن التاسع عشر، استقبل العراق، كما أغلب الولايات العربية العثمانية، جاليات من المهاجرين المسلمين من القوقاز والبلقان، وإن كان نصيب العراق من هذه الهجرات أقل من نصيب الولايات التركية وبلاد الشام. وفي موازاة تلك الدينامية الديمغراقية النشطة، كانت المدن العراقية من بغداد إلي الموصل ساحة لتعرب العديد من العناصر الكردية التي هبطت من جبال الكرد إلي الحواضر العراقية، علماء وتجاراً وجنداً. إن المتغيرات الرئيسة في وضع العشائر العراقية خلال العهدين الإيلخاني والتركماني تتمثل في بروز العشائر الطائية في الجزيرة، وعلي امتداد الفرات بين حديثة والرحبة الشامية، أي عبر مناطق نفوذ العراق الإيلخاني والشام المملوكي. وباستلام عيسي بن مهنا وإخوته وأولاده إمارة العرب في تلك المنطقة منذ نهايات القرن الثالث عشر الميلادي/ نهايات السابع الهجري، أصبح شأن هذه الإمارة محل تحالفات إيلخانية ــ مملوكية لكبح جماح العشائر، أو لاستخدام نفوذها وتوظيفها ضد القوة الأخري. ولكن عبادة (من طيء) استمرت في ديارها علي جانب الفرات الأيمن، وفي صراع متكرر مع عشائر خفاجة خصمها الرئيسي في الجوار. وبرزت عقيل في البصـــــرة باعتبارها أهم قبائل المنطقة. وليس من الواضح إن كانت عقيل هذه قد جاءت البصرة بعـــــد سلسلة الترحال التي تلت ارتباطها بقرامطة البحرين، أو أنها انحدرت إلي البصرة من الموصل والجزيرة بعد فقدان إمارتها علي يد السلاجقة. إن طـــــرد بني أسد من الحلة في منتصف القرن السادس الهجري/ الثاني عشــــر الميلادي لم يذهب بهم بعيداً؛ فقد عادت أسد إلي التجمع من جديد جــــنوبي واسط، وإن كانت الآن بنــــفوذ متواضـــع وبدون إمارة.

تواصل الهجراتخلال القرن الخامس عشر الميلادي/ التاسع الهجري، واصلت العشائر العربية صعودها وانتشارها في جنوب العراق، وتصاعدت وتيرة علاقات التحالف والصراع بينها وبين الحكام التركمان في بغداد. لقد تحولت عشائر المنتفق إلي إمارة، فردت سيطرتها علي البصرة، ثم أخرجت منها علي يد الأمراء التركمانيين في 820هـ/ 1417. ولكن الواضح أن عشائر المنتفق عادت للسيطرة علي البصرة قبل مطلع العهد العثماني، واستمرت كذلك بين ولاء وخروج عن طاعة ولاة بغداد. وستبرز ربيعة خلال هذه الحقبة في ديارها بين دجلة والفرات، إلي ان سنحت الفرصة خلال صراع بين عشائرها في 824هـ/ 1421 أن تجتاح خفاجة مدينة الحلة مرة أخري، موقعة بها وبأهلها الخراب والدمار. إن طيء لم تزل تحافظ علي إمارتها العشائرية في أعالي الفرات، من حديثة إلي الرحبة، ولكن جزءاً منها سيحاول توكيد نفوذه بلا طائل في منطقة البصرة في النصف الثاني من القرن السادس عشر الميلادي/ العاشر الهجري، في حقبة كان الحكم العثماني في بغداد إبانها قوياً قادراً. وستدخل الساحة العشائرية العراقية منذ بداية العهد العثماني قبيلة قشعم، متخذة من جنوبي الكوفة والنجف دياراً لها. ولكن الملاحظ، علي أية حال، أن حرية الحركة التي أتيحت للعشائر خلال عهد الدول التركمانية قد تراجعت إلي حد كبير خلال القرن الأول من العهد العثماني؛ فقد اعتمد الولاة العثمانيون في بغداد سياسة لا هوادة فيها في مواجهة محاولات العشائر غزو ونهب المدن والأرياف. وفي حين ساعدت هذه السياسة علي استتباب الأمن في العراق خلال القرن السادس عشر والنصف الأول من القرن السابع عشر الميلاديين، فإنها لم تكن مشجعاً كافياً علي استقرار هذه العشائر وتوطنها. وما إن وهنت القبضة العثمانية في النصف الثاني من القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر حتي استعادت العشائر حرية حركتها النسبية، وعاد العراق ليستقبل موجة جديدة من الهجرات العشائرية. إن أولي العشائر التي أعلنت عن وجودها بعصيان مدوٍ بعد استعادة مراد الرابع العراق في 1041هـ/ 1638 هي عشائر الخزاعل، التي أخذت من أطراف السماوة دياراً لها. وفي 1157هـ/ 1690 ظهرت شمر للمرة الأولي جهة نهر عيسي؛ ثم أدت الحملة العثمانية ضد عشائرها إلي انقسامها إلي شمر طوقة، التي ستأخذ ديرة لها جانب دجلة الممتد من ديالي إلي كوت العمارة، وشمر مسعود في أطراف المسيب وكربلاء. وهذا ما يؤكد أن وفود عشائر شمر إلي العراق قد سبق التوسع السعودي ـ الوهابي في نجد والجزيرة العربية. بل إن ظهور شمر في منطقة الجزيرة منذ 1138هـ/ 1725، وظهور شمر زوبع في المنطقة غرب بغداد باتجاه الفلوجة في 1159هـ/ 1746، سابق أيضا علي الحركة الوهابية. (ثمة فرع واحد من شمر، هو شمر الجرباء، ارتبط هجرته إلي العراق بالتدافع القبلي في حائل بين آل سعود وعشائر شمر ومطير خلال العقد الأخير من القرن الثامن عشر). وإن قبلنا وجهة النظر القائلة بأن عشائر العبيد وعزة والدليم تعود جميعها إلي أصل زبيدي واحد، فالأرجح أن تمايز هذه العشائر واستقلال كل منها قد بدأ في هذه الحقبة بالذات، وأن حوادث عصيان الدليم والعبيد علي ولاة بغداد لم تكن تختلف عن عصيان العشائر الجنوبية وفي الوقت الذي واصلت قشعم وبنو لام وربيعة وزبيد تقاليد العصيان والاغارة والنهب، واكتسبت إمارة المنتفق حيوية جديدة تحت قيادة آل السعدون؛ فإن طيء وأسد وخفاجة لم تختف من المسرح.

بيد ان من الواضح أن العصبيات القبلية الجديدة قد أدت إلي إضعاف العصبيات القديمة وتحديد مساحات نفوذها، بل ودفع بعضها خارج مواطنها التقليدية ودفع البعض الآخر إلي الانضواء تحت مظلة القوي الصاعدة. وفيما عدا بعض المتغيرات في الموقع الجغرافي، الناجمة عن الترحال المدفوع بالصراعات العشائرية أو البحث عن أراض زراعية ومراعٍ أفضل، فإن خارطة العراق العشائرية تكاد تكون قد اكتسبت ملامحها الأخيرة. وحدها عنزة، هذه العشيرة البدوية التي ستستعصي علي التوطين، حتي بعد أن استقرت وتوطنت أغلب العشائر في العراق، تأخر ظهورها حتي 1214هـ/ 1799. وقد جاءت عنزة إلي العراق عبر بادية الشام (حيث تعرف عشائر عنزة بالرولة)، وأخذت في الإغارة علي عشائر الدليم القاطنة جانب الفرات أعلي الحلة، قبل أن يجرد عليها الوالي علي باشا حملة عسكرية. إن المرجح أن هجرة بعض عشائر عنزة إلي بلاد الشام والعراق قد نجمت فعلاً عن التوسع السعودي ـ الوهابي، والقيود الشرعية والدينية والضرائبية التي أخذت الحركة الجديدة في فرضها علي قبائل الجزيرة العربية. ولم يكن ظهور عنزة علي المسرح العراقي في نهايات القرن الثامن عشر آخر ظهور لها. فمنذ ذلك الحين ستصبح الصحراء العراقية، علي يمين الفرات، من شمالها إلي جنوبها، أرضاً مفتوحة لعشائر عنزة. العراق المملوكيكان تولي سليمان باشا (أبو ليلة) ولاية بغداد في 1749 بداية لعهد جديد في العراق، الذي سيتمتع منذ الآن بحكم ذاتي تقوده طبقة من المماليك الذين نشأوا وتدربوا وانخرطوا في السلك الوظيفي العثماني داخل العراق. وقد بني المماليك حكمهم علي أساس من علاقات وثيقة بالقوي المحلية، وأخذ العراق في عهدهم ينهض من جديد بينما أخذت تنمو في العاصمة بغداد وما حولها بدايات إحساس وطني عراقي. ما عزز من وضع المماليك أنهم أعادوا لبغداد امتدادها الاستراتيجي، من خلال سيطرتهم الكاملة علي ولاية البصرة وبسط نفوذهم علي إمارة آل بابان الكردية وعلي الإمارة الجليلية في الموصل. استمر حكم المماليك حتي أطاحت به قوات الحكم العثماني المركزي في 1831؛ ودخل العراق بالتالي، كما كل الولايات العثمانية، حقبة التحديث العثماني، التي أوقعت ما يشبه الانقلاب في أنماط الحياة والاجتماع والإدارة والاقتصاد في كل مناطق الإمبراطورية. لم تكن لدي الحكام المماليك سياسية دمج وتوطين واضحة تجاه العشائر، بل انهم لم يترددوا عند الحاجة في استخدام البطش والقوة لقمع العشائر العاصية والإطاحة برؤسائها. ولكن اكتساب العراق حكماً ذاتياً جعل المماليك أكثر وعياً بتوازنات القوي الداخلية وأكثر اعتماداً علي هذه القوي. كما ان الخطر السعودي ـ الوهابي عزز من علاقة العشائر الجنوبية علي وجه الخصوص بحكومة بغداد، ومن حاجة الطرفين لبعضهم البعض. وسرعان ما ألقي هذا المناخ الحافل بالقوي المتدافعة بذور الاستقرار العشائري. تمثلت سياسة قمع العشائر ودفع غائلتها عن المدينة بسلسلة من الحملات العسكرية التي استهدفت إجبارها علي الالتزام بطاعة الحكم في بغداد ودفع الضرائب المستحقة. قاد أغلب هذه الحملات الولاة المماليك، من سليمان باشا، أول ولاتهم (حكم 1162هـ/ 1749 ــ 1175هـ/ 1761)، إلي داود باشا (حكم 1232هـ/1816 ــ 1247هـ/1831)، آخر الولاة المماليك. قام الحكام المماليك في الجنوب، كلما استدعت الظروف، بمواجهة عشائر كعب والخزاعل والمنتفق وقشعم وزبيد وربيعة. ولكن الظاهرة الأهم في العصر المملوكي كانت في الخطر الذي أخذت تمثله عشائر أعلي الفرات وأعلي دجلة والجزيرة، مثل الدليم، شمر، عنزة، والعبيد، وازدياد وتيرة الحملات المملوكية بهدف إخضاع متمرديها؛ وهو ما ينبئ عن القوة المتصاعدة لهذه العشائر وقدرتها علي تحدي السلطة في بغداد. ولكن علاقة الحكام المماليك بالعشائر، والأهلين بصفة عامة، كانت علاقة بالغة التعقيد ولم تكن علاقة ذات بعد واحد ولا هي اتسمت بالثبات. لقد لعبت عشائر المنتفق بقيادة ثامر السعدون دوراً أساسياً في إنهاك قوات صادق خان الزندي (التي كانت قد استولت علي البصرة في 1183هـ/1769، وإيقاع هزيمة مدوية بها بعد ذلك بعشر سنوات، مما أدي إلي التسريع بجلاء القوات الإيرانية عن الجنوب العراقي. وحتي نهاية العهد المملوكي، لعبت شخصيات متعددة من آل الشاوي، شيوخ عشائر العبيد، أدواراً سياسية واجتماعية وثقافية هامة في حياة العاصمة بغداد، وفي علاقات المماليك بإيران وآل سعود، وفي وقوف عشائر العبيد في أغلب الأحيان إلي جانب الحكم في بغداد. كان طبيعيا بالتالي أن تؤدي هذه العلاقة الشائكة بين قيادات العشائر وحكم لم يكن قد طور نظماً مستقرة لموقفه من القوي المحلية إلي نهايات مأساوية لبعض من أبرز شخصيات آل الشاوي، مثل عبد الله الشاوي (قتل1183هـ/ 1769)، سليمان الشاوي (قتل1200هـ/ 1794)، وولديه محمد وعبد العزيز الشاوي (قتلا في 1218هـ/ 1803). والواضح أن علاقة آل الشاوي وعشائر العبيد بالحكام المماليك قد ازدادت تعقيداً منذ مطلع القرن التاسع عشر وتصاعد التهديد السعودي ـ الوهابي للعراق. فقد عاد عبد العزيز الشاوي من مهمة وساطة وإصلاح في نجد متأثراً بالدعوة الوهابية، وهو ما أدي سريعاً إلي بدء اتصالات بين عشائر العبيد والسعوديين. وليس هناك من شك في أن مقتل عبد العزيز الشاوي وشقيقه، والحملة التي قادها الوالي علي باشا (حكم 1217هـ/ 1802 ــ 1223هـ/ 1808) في مطلع ولايته علي عشائر العبيد، كانت ذات صلة مباشرة بهذه الاتصالات. ولكن الوالي سليمان باشا الصغير (حكم 1223هـ/ 1808 ـ 1225هـ/ 1810)، الذي كانت له ميول سلفية واضحة، سرعان ما عاد إلي تقريب العبيد وشيوخهم والاستعانة بهم في توطيد حكمه. هذه العلاقة التحالفية بين العبيد وسليمان باشا الصغير انقلبت إلي عداء محكم مع وصول داود باشا إلي سدة الولاية واتباعه سياسة أكثر حزماً تجاه العشائر الواقعة في محيط بغداد وإلي الشمال والغرب منها. في الوقت نفسه كانت إمارة المنتفق، وبعد فترة صدام قصيرة مع سليمان باشا (أبو ليلة)، تتحول تحت قيادة ثامر وثويني وعجيل السعدون، علي التوالي، إلي أداة أساسية لنظام الحكم المملوكي. بل إن ارتباط عشائر المنتفق بالحكم المملوكي وصل إلي اصطفاف المنتفق بصلابة إلي جانب أهالي بغداد للدفاع عن الوالي داود باشا في مواجهة الحملة العثمانية العسكرية التي استهدفت وضع نهاية للحكم المملوكي في 1830 ــ 1831. إن رؤية المماليك باعتبارهم حكاماً غرباء علي العراق، مشبعين بالثقافة التركية ـ العثمانية الفوقية، هي رؤية غير صحيحة تماماً. لقد جيء بمماليك العراق فتياناً صغاراً من أبخازيا وجورجيا، وتلقوا تدريبهم في بغداد ليصبحوا إداريين وقادة جيش وحكاماً. ولكنهم لم يكونوا انكشاريين بالمعني الحرفي، فقد استقروا في مكان واحد وسمح لهم بحياة عائلية طبيعية نسبياً. وبالرغم من روح الزمالة العميقة (spirit d’corps) التي استندت إليها رابطتهم العصبية، فقد أدركوا أيضاً أن العراق هو مصيرهم. وإذا نظرنا إليهم كطبقة بيروقراطية ـ عسكرية واحدة، فسنجد انهم حملوا قدراً من التوتر الثقافي والانتمائي المستمر، جعل الكثيرين منهم أميل إلي الارتباط بنسيج الحياة البغدادية العربية ـ الإسلامية. كان سليمان باشا الكبير، مثلاً، حاكماً مملوكياً تقليدياً حاول الحفاظ علي الطابع المملوكي للحكم وتعزيز سيطرة بغداد علي كل العراق، جغرافية وسكاناً، مهما كلف ذلك من عنف. ولكننا سنجد بعد وفاته أن أسرته وأولاده اختاروا الحياة في بغداد، حتي أن أعيان المدينة وعلماءها هم الذين جاؤوا بابنه سعيد والياً (حكم من 1228هـ/ 1813 ــ 1231هـ/ 1816) باعتباره الأقرب إلي أهالي المدينة. وقد تميزت حقبة حكم سعيد، الذي كان صغير السن وافتقد الحنكة والتجربة، بتقرب واضح من سكان بغداد وقواها المحلية، وباعتماده المتزايد علي هذه القوي؛ ووصل تعربه إلي حد ان نسبت إليه أشعار بالعربية. وكانت علاقة وثيقة قد ربطت سليمان باشا الصغير بالشيخ علي السويدي (1749 ــ 1821)، حتي ان الوالي وقع تحت تأثير توجهات الشيخ السلفية، وأصبح بشكل من الأشكال جزءاً من التدافع الفكري والثقافي في مدينة بغداد.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية