العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (8)

حجم الخط
0

العراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (8)

علماء بغداديون اكدوا علي سلفيتهم وانكروا علي الوهابية نزعتها التكفيرية واستباحة دم المسلمينقوة الدولة المركزية وثورة الاتصالات ساعدتا علي توطين البدو.. والحداثة لم تقض علي العصبية القبليةالعراق ــ سياقات الوحدة والانقسام (8)بشير موسي نافع تنشر القدس العربي مقتطفاتمن كتاب العراق سياقات الوحدة والانقسام للباحث والاكاديميبشير موسي نافع، والذييحاول فيه تحليل البنيةالاجتماعية والثقافية والطائفيةفي العراق، ورؤية السنة والشيعة لبعضهما البعض. يحتل إقليم نجد الهضاب الممتدة بين الإحساء والحجاز، وكانت تقطنه في القرن الثامن عشر عشائر عربية راحلة وأخري استقرت في مدن وقري متفرقة نشأت حول سلسلة من الواحات أو المناطق الزراعية. ولم تلق الدولة العثمانية بالاً بنجد، بل إن الإقليم لم يظهر ضمن التقسيمات الإدارية العثمانية التي وضعت في أوائل القرن السابع عشر، وذلك فيما اعتبرت منطقة الإحساء قضاء تابعاً لولاية البصرة. ولعل الاهتمام العثماني بالإحساء يعكس أهميته الاستراتيجية، والأهمية التي أولاها العثمانيون لوجودهم علي ساحل الخليج. ولكن كون نجد إقليماً منسياً لم يجعله معزولاً عن جواره؛ فقد ارتبط النجديون ارتباطاً وثيقاً بالعراق عبر الطريق إلي البصرة أو طريق القوافل الذي يشق الصحراء جنوب – غرب الفرات إلي مدن وأسواق الفرات الأوسط. كما استقرت في البصرة والزبير جالية نجدية اشتهرت بدورها التجاري وظلت تعيش في المدينة حتي وقت متأخر من القرن العشرين. وكان أمراً معتاداً أن تجد علماء نجديين يدرسون في حلقات العلماء البصريين، أو أنهم اختاروا الاستقرار في البصرة. قضي محمد بن عبد الوهاب فترة من طلبه للعلم في البصرة، كما يعود مؤرخ البصرة والحكم المملوكي في مطلع القرن التاسع عشر، عثمان بن سند البصري، إلي أصول نجدية. إلي جانب ذلك كله، فإن نجد كانت منبع الكثير من القبائل العراقية، وقد ظلت الصحراء جنوب وجنوبي غرب الفرات ميداناً فسيحاً لحركة واتصال العشائر من الفرات إلي تخوم تهامة. ولذا، لم يكن غريبا ان تتوجه القبائل النجدية والإحسائية المعادية لآل سعود نحو عشائر الفرات طلباً للعون والمساعدة، أو ان تتوجه أنظار قادة الحركة السعودية – الوهابية نحو الإحساء وجنوب العراق من أجل التوسع والسيطرة علي طرق التجارة والوصول إلي الوادي النهري الخصب، ومن أجل نشر الدعوة كذلك. إن العشائر التي ستصطدم خلال حقبة التوسع السعودي- الوهابي كانت تعرف بعضها البعض جيداً، وربما كانت قد اصطدمت من قبل في مناسبات أخري، ولم تغب عن أيها دلالات محاولة إحداها السيطرة علي القبائل الأخري. أقام السعوديون في مناطق نفوذهم نظاماً إدارياً صارماً، ارتكز علي شبكة من أمراء وقضاة المناطق؛ وقد حمل هذا النظام معه إلغاء تقاليد القضاء العشائري وعاداته وإحلال القضاء الإسلامي الشرعي محله، والمنع القاطع لحملات الغزو والسلب العشائرية وتحويل الغزو إلي عمل جهادي يحدد وجهته ولي الأمر وحده. شكل هذا النظام تهديداً مباشراً وواضحاً لحرية العشائر والتقاليد التي كانت تري فيها مبرر وجودها. ولكن ما رأته قبائل نجد والعراق تهديداً لنمط حياتها، كان بالنسبة لحكومة بغداد والحكم العثماني في اسطنبول تهديداً لشرعية السلطنة وقدرتها علي حماية رعيتها ومقدساتها، خاصة بعد أن سيطرت الحركة السعودية ـ الوهابية علي مكة والمدينة، موقعة اضطراباً كبيراً في الحج وحركة الحجيج؛ كما أخذت في تهديد العراق. استهدفت أولي الغارات السعودية علي العراق عشائر الظفير، النجدية الأصل، التي كانت قد رحلت نحو البصرة أمام تقدم السعوديين في بادية نجد. وقد وقعت تلك الإغارة في 1194 هـ/ 1780، أي قبل أن تكتمل سيطرة السعوديين علي نجد. ولكن الأرجح أن ذلك الحدث كان محدوداً، وربما لم يخرج كثيراً عن التدافعات العشائرية المعهودة في جنوب العراق. في 1200هـ/ 1786، استعان بعض شيوخ بني خالد، حكام الإحساء التقليديين، والخصوم الألداء لآل سعود، استعانوا بثويني بن عبد الله السعدون، شيخ عشائر المنتفق، علي رئيسهم سعدون بني خالد. هُزم سعدون بني خالد في المواجهة وطلب اللجوء إلي الدرعية. وبالرغم من أن عبد العزيز بن محمد آل سعود رد طلب سعدون لأن هدنة كانت قائمة بين السعوديين وثويني، فإن سعدون بني خالد فرض نفسه علي السعوديين علي أية حال. بعد شهور قليلة، في محرم1201هـ/ نوفمبر (تشرين ثاني) 1787، قاد ثويني حملة كبري من عشائر المنتفق وشمر والظفير وطيء وأهل الزبير، مدعوماً من بني خالد، باتجاه نجد. ولكن ثويني، الذي أخذ يواجه صعوبات حقيقية في محاولته اكتساح الحصون السعودية ـ الوهابية، سرعان ما عاد منسحباً باتجاه المنتفق بعد أن وصلته أنباء غير سارة عن حملة أرسلها والي بغداد، سليمان باشا الكبير، إلي المنتفق بغرض استبداله بابن عمه حمود بن ثامر السعدون علي مشيخة المنتفق. إن حملة ثويني المجهضة علي نجد تبدو في ظاهرها وكأنها نتاج شأن قبلي بحت، ولكن الحقيقة أنها كانت تعبيراً عن تطور أهم وهو التحول في توازن القوي العشائري بين عشائر أسفل الفرات، والإحساء، ونجد. لقد برز آل سعود الآن باعتبارهم قوة عشائرية كبري في مواجهة بني خالد وإمارة عشائر المنتفق؛ وتنم مبادرة ثويني عن عزمه علي احتواء الصعود السعودي السريع قبل استفحاله. وينبغي هنا استبعاد التفسير الطائفي للمواجهة بين ثويني وآل سعود، لأن عشائر المنتفق لم تكن قد تشيعت بعد؛ ولأن آل السعدون، أمراء المنتفق، ظلوا سنة حتي بعد انتشار التشيع بين عشائر أسفل الفرات؛ ولأن الغزوة التي قادها ثويني ضمت تحالفاً واسعاً ولم تقتصر علي عشائر المنتفق. أخفق ثويني في محاولته غزو نجد، ثم أخفق ثانية في مواجهته مع قوات سليمان باشا الكبير، وخسر بالتالي موقعه علي رأس عشائر المنتفق. ويكاد المؤرخ النجدي ابن غنام أن يكون المصدر الوحيد الذي أفاد بأن ثويني قد لجأ بعد ذلك إلي الدرعية، معرباً عن اعتناقه الدعوة الجديدة. مهما كان الأمر، فسرعان ما شرع ثويني في مكاتبة سليمان باشا إلي أن عفا الأخير عنه وسمح له بالعودة إلي العراق مع شرط الإقامة في بغداد. وقد استمر ثويني مقيماً في بغداد إلي أن أعيد بعد ذلك إلي مشيخة المنتفق، حيث شارك في الحملة العراقية الرئيسية ضد آل سعود. كانت الأحداث تتوالي تباعاً علي صعيد العلاقة بين العراق والحركة السعودية ـ الوهابية، ذلك أن إخفاق حملة ثويني عزز من ثقة السعوديين في أنفسهم من ناحية، وأضاف من ناحية أخري إلي قناعتهم بضرورة الاستيلاء علي الإحساء وتقويض نفوذ بني خالد فيها، لا سيما بعد أن انقسم زعماء بني خالد علي أنفسهم وانضم بعض منهم إلي آل سعود. وهكذا، فمنذ 1202هـ/ 1787 تحولت سياسة آل سعود تجاه الإحساء من الدفاع إلي الهجوم، حتي استطاعوا بحلول 1210هـ/ 1795 الاستيلاء علي معظم الإقليم. ولكن مقاومة شيعة الإحساء، المتمركزين في منطقة القطيف، استمرت بعض الوقت، وحتي ما بعد فشل الحملة العراقية علي نجد، إلي أن أخضعت أخيرا بفعل الضغط العسكري السعودي الحثيث. كان التوغل السعودي في الإحساء توغلاً في أراضي ولاية العراق واعتداء علي سلطة بغداد، الممثلة في الإقليم بحامية عسكرية من قوات الولاية. ولم يتباطأ زعماء بني خالد ولا زعماء القطيف، منذ أن بدأت الهجمات السعودية علي أراضي الإقليم، في الاتصال بسليمان باشا طلباً للعون. ولذا، فإن مسألة الإحساء أصبحت عاملاً إضافياً إلي سلسلة من العوامل التي كانت تحث سليمان باشا علي التحرك ضد آل سعود. إن وعي علماء العراق وحكامه بالدعوة الوهابية كان وعياً مبكراً، وربما سبق تعرف أي منطقة أخري خارج نجد علي التعاليم الوهابية. ويذكر مؤرخ العراق عباس العزاوي أن في حوزته مخطوطة بعنوان فصل الخطاب لعالم بصري هو الشيخ أحمد بن علي القباني، كتبها في الرد علي الوهابية سنة 1155 هـ/ 1742 ـ 1743، أي قبل توجه ابن عبد الوهاب إلي الدرعية وإبرامه تحالفاً مع آل سعود. وهذا إن صح فربما يعني أن الشيخ القباني كان علي دراية بالجدل الذي أثاره ابن عبد الوهاب أثناء إقامته في حريملاء. كما يشير ابن غنام إلي رسائل متبادلة بين ابن عبد الوهاب والعالم البغدادي الكبير عبد الرحمن السويدي المتوفي في 1786. ثم عادت محاولات السعوديين التأثير علي علماء العراق وحكامه بعد ذلك، وهو ما تدلل عليه رسالة أرسلها عبد العزيز بن محمد بن سعود (الذي تولي إمارة نجد وقيادة الحركة من أبيه في 1765) إلي سليمان باشا الكبير، ربما خلال العقد الأخير من القرن الثامن عشر. وقد ضمت الرسالة نسخة من كتاب محمد بن عبد الوهاب الرئيس، كتاب التوحيد .الرد علي ابن عبد الوهابأحال سليمان باشا الرسالة والكتاب إلي مجموعة من علماء بغداد لدراستهما، وكلف إمام مسجده، الشيخ عبد الله أفندي الراوي، بالرد عليهما. والأرجح أن هذا الرد هو الذي استحث سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، حفيد الشيخ، لتسطير جوابه الشهير علي علماء العراق. وقد أخذ الأمراء السعوديون والعلماء الوهابيون في إرسال الدعاة إلي عشائر الجنوب العراقي لمخاطبة العشائر في مضائفهم والدعوة للحركة الجديدة في المساجد والأسواق. ومن الواضح أن الدعوة الوهابية – السعودية قد ساعدت علي إحياء توجهات سلفية كامنة لدي علماء عراقيين عدة، مثل عبد الرحمن السويدي، علي السويدي، ومحمد بن ملا أحمد الموصللي (المعروف بابن الكولة)، وإن كان من الصعب تصور قبول هؤلاء العلماء لمجمل الفكرة الوهابية. وقد ظل هؤلاء العلماء وتلاميذهم حريصين علي التفريق بين سلفيتهم والتوجه الوهابي. بل حتي ابن سند البصري، الذي صرح بخصومته للوهابية، لم يخف إعجابه بالنزعة الإحيائية الطهرية للدعوة، مؤكداً في الآن نفسه علي اعتراضه علي ما اعتقد انه نزوع وهابي – سعودي لتكفير المسلمين وتسويغ سفك دمائهم. اسطنبول تضغطعادت الضغوط من اسطنبول من جديد علي سليمان باشا للقيام بعمل عسكري ضد آل سعود، مما اضطره إلي بدء التحضيرات لحملة كبيرة، آمراً كهيته (الكتخداء، أو معاون الوالي وكبير رجاله) علي باشا بقيادتها. أمضي علي باشا صيف 1213هـ/ 1798 كله في إعداد حملته، التي استهلكت معظم رصيد ميزانية الولاية. وقد ضمت الحملة خمسة آلاف انكشاري، ومثلهم من حملة البنادق، إضافة إلي آلاف أخري من عشائر عقيل، العبيد، شمر، المنتفق، قشعم، الظفير، والكثير من أهالي الزبير، تحملهم ومعداتهم ثمانية عشر ألف فرس وعشرة آلاف بعير. ولكن حملة علي باشا باءت هي الأخري بالفشل، بعد أن أجبرت علي التوقف أمام حصون السعوديين في الإحساء، وأنهكتها غارات المقاتلين السعوديين واستبسالهم. وفي النهاية، وجد علي باشا نفسه مضطراً إلي عقد صلح غامض مع قائد القوات السعودية، سعود، نجل الأمير السعودي آنذاك عبد العزيز بن محمد، أسس الصلح لسلام هش بين الطرفين لم يستمر طويلاً؛ ولكن علي باشا فشل في تدمير الإمارة السعودية، أو في الحد من جموحها المتزايد للتوسع، كما فشل في إعادة السيطرة العراقية علي الإحساء. هذا الفشل، علي أية حال، لا ينبغي أن يكون سبباً لإغفال الدلالات الهامة لحملة علي باشا. كانت الحملة تجلياً لأكبر حشد عسكري عراقي منذ نهاية الدولة العباسية، اصطف فيه آلاف المقاتلين من أبناء عشائر الشمال والوسط والجنوب إلي جانب جنود الحكم المملوكي. ذهبت العشائر للحرب دفاعاً عن أمنها ونمط حياتها، بينما كانت الدولة تحارب صوناً لسيادتها وشرعيتها. ولكن بوتقة الحرب كانت تؤسس لوعي عراقي جمعي جديد، ستعززه متغيرات القرن التاسع عشر المتداخلة في مجالات وسائل الاتصال والسياسة والثقافة والزراعة. من جهة أخري، كانت حملة علي باشا علامة فارقة في العلاقة بين الحكم المملوكي في بغداد وعشائر المنتفق، حيث توقف الصراع بين الطرفين ولم تشهد العقود الثلاثة الأخيرة من الحكم المملوكي ولو حملة عسكرية واحدة ضد المنتفق؛ وتحولت إمارة المنتفق بالتالي إلي ما يشبه الحليف لحكومة بغداد والشريك في توازنات الحكم والعشائر. لم تستمر الهدنة طويلاً بين العراق والسعوديين؛ فبعد شهور قليلة من إبرام الصلح، اشتبك الخزاعل في النجف بقافلة تجارة من أعراب نجد، وسقط مئات من النجديين والخزاعل قتلي ومصابين. أرسل عبد العزيز بن سعود إلي سليمان باشا يطالبه بدية المقتولين من ابناء نجد، فكلف الوالي عبد العزيز الشاوي، شيخ عشائر العبيد، مفاوضة السعوديين، مجادلاً بأنه حيث أن القتل كان في الطرفين فلا دية تستوجب علي العراق. عاد الشاوي من مهمته وقد بدا تأثره بالدعوة السلفية، ولكنه سمع أيضا من أمير الدرعية ما يشير إلي رغبة سعودية في السيطرة علي كل الصحراء غربي الفرات. وربما كانت هذه الرغبة، وليس بالضرورة الانتقام لمقتل التجار النجديين، هي السبب وراء الغارة السعودية الدموية علي كربلاء في ذي الحجة 1216هـ/ نيسان (ابريل) 1801، التي قادها سعود بن عبد العزيز. دخلت الحملة السعودية حدود العراق وأوقعت خسائر في عشائر المنتفق والظفير قبل أن تصل إلي مدينة كربلاء، حيث أعملت السيف بلا تمييز في الأهالي، مرتكبة مذبحة واسعة النطاق قتل فيها الآلاف من سكان المدينة وزوارها. كما هدم السعوديون القباب في مشهد الإمام الحسين واستولوا علي الخزائن والمحفوظات الثمينة فيه، قبل أن يتوجهوا إلي النجف التي فشلوا في اقتحام أسوارها المحصنة أو في هزيمة أهلها الذين هبوا للدفاع عن مدينتهم. كانت مذبحة كربلاء تحدياً سافراً لسلطة المماليك، ولم يعفهم أن علي باشا قد أرسل بأمر من سليمان باشا علي رأس قوة لملاحقة السعوديين، الذين كانوا قد انسحبوا إلي نجد قبل وصول القوة العراقية. وجد شاه إيران في الحادثة فرصة سانحة ليؤكد نفوذه في جنوب العراق وادعاءه حماية المدن الشيعية المقدسة، وأرسل إلي سليمان باشا مهدداً بأنه ما لم تقم حكومة بغداد بواجبها في حماية كربلاء والنجف فإنه سيرسل قوات إيرانية لتولي حماية المدينتين. مذبحة كربلاءلم تكن مذبحة كربلاء الاختراق السعودي الأول لحدود العراق بعد حادثة الاشتباك مع الخزاعل، ففي محرم 1215هـ/ ايار (مايو) 1800 نهب السعوديون قافلة قرب بلدة عانة وقتلوا عدداً من أهالي البلدة. ثم أغاروا علي كبيسة، ولكن عشائر العبيد في الناحية قاتلتهم وأجبرتهم علي الفرار. وإن كانت عشائر الخزاعل آنذاك قد تشيعت، فإن عشائر العبيد كانت سنية. واستمرت الهجمات السعودية علي العراق، تحركها دوافع التوسع والدعوة، بعد مذبحة كربلاء. ففي 1219هـ/ 1804 أغارت قوة سعودية علي البصرة والزبير وهدمت جميع المشاهد والقباب في المنطقة، بما في ذلك مشهدا طلحة والحسن البصري. ثم أعادوا الكرة علي النجف في 1211هـ/ 1806، وكربلاء في 1213هـ/ 1808، ولكنهم فشلوا في الحالتين. وقد أصبحت الغارات السعودية علي العراق، لا سيما جنوبه، مصدر خطر دائم، أثار حالة من الترقب والخوف بين سكان البلاد من البصرة إلي بغداد، وعلي امتداد الفرات الأعلي. ولكن سيطرة السعوديين علي الحجاز في 1803، وما أدت إليه هذه السيطرة من اضطراب في مراسم الحج وإيقاف حركة الحجيج لعدة أعوام، وضعت المسألة السعودية ـ الوهابية بإلحاح علي رأس اهتمامات إسطنبول. وهو ما أطلق في النهاية حملة محمد علي، والي مصر، علي الجزيرة العربية في 1216هـ/ 1811، الحملة التي حققت انتصارها النهائي بعد ذلك بسبعة أعوام. وكان وصول القوة المصرية إلي ميناء ينبع قد وضع نهاية للخطر السعودي علي العراق، الذي اتصل بلا هوادة زهاء ربع القرن. عزز هذا الخطر من حالة التضامن الداخلي بين العشائر وسكان المدن، وبين العشائر والحكم المملوكي، كما أسس لعلاقة جديدة بين المراجع الشيعة في النجف وكربلاء والعشائر المجاورة للمدينتين في الفرات الأوسط. ومن حيث لم يحتسب أحد، تركت الدعوة الوهابية أثرها علي دوائر العلماء السنة، خاصة في مدينة بغداد، مطلقة حيوية سلفية جديدة في هذه الدوائر. ين 1867 و1890، انخفضت نسبة العشائر البدوية إلي مجموع عدد سكان ولاية بغداد من 23 إلي 11 في المائة، لتصل في 1905 إلي 8 في المائة فقط. لقد أدت حركة الاستقرار هذه إلي ارتفاع حاد في نسبة العشائر الريفية ضمن سكان الولاية من 35 في المائة في 1867 إلي 55 في المائة في 1905. ومهما كانت دقة هذه الإحصاءات فإنها تعكس اتجاهاً حثيثاً نحو الاستقرار العشائري في عراق القرن التاسع عشر. بدأت حركة الاستقرار هذه في التجلي خلال عهد داود باشا (حكم 1816 ــ 1831)، آخر الولاة المماليك، خاصة في أوساط عشائر شمر وبني تميم وبعض عشائر المنتفق؛ ولكنها أخذت في التسارع بعد إعادة تأسيس الحكم العثماني المركزي. كانت حركة الاستقرار نتاج مجموعة متداخلة من العوامل ومن السياسة العثمانية الموجهة ومن المتغيرات في بنية أجهزة وإدارات وأدوات الحكم العثماني. وقد أحدثت حركة الاستقرار تغيراً جوهرياً في الخارطة الريفية والحضرية للعراق، وأفضت إلي انقلاب في بنيته الاجتماعية، وإلي توكيد عروبته بشكل غير قابل للجدل. قامت الرؤية التي وجهت الدولة العثمانية الحديثة، دولة ما بعد 1840، علي أساس تعزيز الحكم المركزي، التنمية الزراعية وزيادة الحصيلة الضرائبية للدولة. وقد استدعي تحقيق هذه الأهداف توطيد الأمن وإعادة بناء النظام الإداري للدولة علي أساس هرمي ـ هيكلي، وإيصال هذه الإدارة إلي أصغر الوحدات السكانية. وإن كانت حركة التحديث العثماني قد بدأت بمنطقة العاصمة إسطنبول والولايات التركية والبلقانية المحيطة بها، فإنها تأخرت في الوصول إلي العراق. وربما كان عهد الوالي مدحت باشا (1869ــ 1872) البداية الحقيقية للدولة الحديثة في العراق، حيث قسمت الإدارة العثمانية بعد وصوله بغداد مباشرة إلي عشرة سناجق (ألوية)، منها لواءا الموصل والبصرة. وكانت الموصل قد أصبحت جزءاً من ولاية بغداد منذ نهاية حكم الجليليين في 1834، واستمرت كذلك إلي أن فصلت كولاية مستقلة في 1879. أما البصرة فلم تنفصل عن بغداد إلا لخمس سنوات بين 1875 ــ 1880، ثم أعيدت سنجقاً تابعاً لبغداد، لتنفصل ثانية في نهاية 1884. قسمت السناجق إلي أقضية، والأقضية إلي نواح ٍ، وأصبح بإمكان الإدارة أن تتغلغل إلي أدني مستويات الاجتماع العراقي. ولكن بناء هيكل الحكم والإدارة لم يكن سهلاً دائماً، فالعشائر العراقية كانت لم تزل تستعصي علي الاستقرار والخضوع لسلطة الدولة وقوانينها. وهنا سيلعب تطوران هامان دوراً حاسماً في توكيد وجود الدولة الحديثة: تطور أنظمة الاتصال وبناء الجيش العثماني الحديث. بيد أن أداة البطش لم تكن هي الدافع الوحيد وراء حركة الاستقرار العشائري؛ فإلي جانب البطش كانت هناك سياسة حث وتشجيع واضحة تجلت في عدة مجالات. كان المجال الأبرز هو مجال الاهتمام بتطوير وسائل الري والإصلاح الزراعي. جاءت الخطوة الأولي في هذا المجال بغير سابق تصميم ولا قصد، عندما زارت إحدي أميرات السلالة الشيعية الحاكمة لمقاطعة أودة الهندية العتبات المقدسة في كربلاء والنجف، في نهاية القرن الثامن عشر، وتأثرت بحالة شح المياه المزمنة في النجف. كانت مشكلة المياه في كربلاء قد حلت منذ الاستيلاء العثماني علي العراق في القرن السادس عشر، عندما أمر السلطان سليمان القانوني بحفر القناة التي باتت تعرف بالحسينية. ولكن مشكلة النجف لم تحل إلا بعد زيارة الأميرة الهندية. وفر تدخل الأميرة تبرعاً من حسن رضا خان، وزير إمارة أودة، لحفر قناة من الفرات تصل إلي مدينة النجف. القناة، التي بدأ شقها من موقع يبعد أميالاً قليلة جنوب المسيب في نهاية ثمانينات القرن الثامن عشر، اكتمل بناؤها حوالي 1803 أو بعدها بقليل. وقد تواصلت مشاريع الري في منطقة الهندية خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، مما أطلق ثورة زراعية حقيقية في المنطقة بين كربلاء والنجف، وساعد علي استقرار قطاعات واسعة من عشائر المنطقة. ولكن قناة الهندية تسببت في نقص كبير في مياه شط الحلة، وهو ما أدي بدوره إلي هجرة عشائرية من منطقة الحلة إلي ضفاف الهندية. لتفادي جفاف مجري الفرات المار بالحلة، تعهدت الإدارة العثمانية مشروعاً مكلفاً لبناء سد علي الهندية، افتتح في 1890؛ ثم أعيد بناؤه من جديد ليكتمل في 1914. وإلي جانب تطوير منطقة كربلاء ـ النجف، فإن مشاريع الري في القرن التاسع عشر تكاد تغطي معظم أنحاء العراق. ففي 1855 شق الوالي محمد رشيد الكوزلكي عدة قنوات في جوار الحلة، وأقام مدحت باشا في 1870 سداً للتحكم في نهر النهروان عند ملتقاه بنهر ديالي؛ وفي 1872 أعيد النظر في نظام توزيع مياه نهر الخالص بما يكفل وصول المياه إلي أكبر عدد من المزارعين. نظام الطابوفي العراق، كما في عدد آخر من المناطق العشائرية من السلطنة، استهدف نظام الطابو إضافة إلي ذلك تقويض الوحدة العشائرية وإضعاف رؤساء العشائر. ولكن الإدارات العثمانية لم تكن تملك ما يكفي من خبراء مسح الأراضي المدربين؛ كما أن إدخال نظام الطابو رافق إطلاق نظام التجنيد بالقرعة للجيش العثماني. ونظراً إلي أن نظام التجنيد كان يعتمد أساساً علي سجلات السكان، فقد عزف الكثير من المزارعين عن تسجيل الأراضي بأسمائهم وفضلوا تسجيلها باسم رؤساء العشائر. وساهم عجز المزارعين الصغار عن إدارة أراضيهم من ناحية، والزيادة المطردة في معدلات الضرائب من ناحية أخري، في تراكم الملكيات الكبيرة. وبحلول 1881، لاحظ الإداريون العثمانيون في العراق أن نظام الطابو جاء بنتائج معاكسة لتلك التي سعوا إليها، وأغلقوا بالتالي سجلات الطابو، بل وحاولوا انتزاع صكوك الطابو وإعادة حق التصرف في الأراضي إلي الدولة، وهو ما ولد انتفاضات عشائرية في مناطق الدليم وفي أسفل دجلة والفرات. ولكن فشل نظام الطابو في تحقيق بعض أهداف الإدارة العثمانية لا يعني فشله الكلي، فمع تحول زعماء العشائر إلي ملاك كبار ازداد حرصهم علي استقرار أبناء عشائرهم وحثهم علي العمل الزراعي. بمعني من المعاني، جعل نظام الطابو من قادة الحرب والتمرد والغزو إقطاعيين، يجمعهم والدولة هدف توطيد الأمن والاستقرار ومكافحة نزعات البداوة والترحال. وفي النهاية، أخذت التحالفات العشائرية الكبري في التفتت والانقسام، إما لتدخلات الدولة المتزايدة في الأوضاع الداخلية للعشائر، بفعل قوة أدوات الدولة الحديثة والانضباط النسبي لإدارتها (كما حدث لإمارة المنتفق)، أو لأن النزوع إلي الاستقرار والعمل الزراعي ضاعف من التنافس الداخلي علي حيازة الأرض. العامل الآخر الذي لعب دوراً هاماً في تعزيز قوي الاستقرار بين العشائر كان النمو المتزايد في عدد المراكز الحضرية في وسط العراق وجنوبه. بعض هذه المدن خطط لإقامته، بينما نما بعضها علي أساس من قري أو تجمعات سكنية صغيرة. وربما يمكن القول بأن النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهد ثورة حقيقية في الخارطة الحضرية للعراق. عندما بدأ مدحت باشا في 1869 محاولة فرض نظام التجنيد من جديد، أعلن إعفاء ألوية المنتفق والعمارة والدليم من الالتحاق بالجيش، لأن أغلب عشائرها كانت لم تزل من العشائر الرحل. ولكن العقود التالية تشير بوضوح إلي نمو ملموس في مدن هذه الألوية، كما في المدن الأخري. لقد أصبحت قرية الكوت، الواقعة علي ملتقي نهر الغرّاف بدجلة، مركز قضاء في التنظيم الإداري لولاية بغداد منذ 1861، وهو ما نهض بها سريعا إلي مدينة ومركز استقرار لعشائر بني لام وربيعة. ولعل ما ساهم في المزيد من ازدهار الكوت أنها أصبحت محطة رئيسية لخط النقل النهري التابع لشركة لنج. ويقدر الفرنسي كوينيه، عضو لجنة الرقابة المالية الدولية في الدولة العثمانية، أن تعداد سكان الكوت قد تجاوز الأربعة آلاف في 1890، كانت الأغلبية العظمي منهم من العرب المسلمين. أسست العمارة، من ناحية أخري، في 1862 كمركز عسكري لوحدات الجيش العثماني المكلفة بحفظ النظام بين عشائر بني لام وآل بومحمد المتصارعة منذ أمد بعيد. ولكن العمارة سرعان ما نمت كسوق ومركز تجاري ومحطة للنقل النهري، إلي أن أصبحت مركز لواء في 1869. وفي 1890، اكتسبت المدينة أهمية مضاعفة عندما اختيرت كمقر لدائرة الأراضي السنية المملوكة للسلطان عبد الحميد في العراق. وكانت تقطن المدينة في نهاية القرن التاسع عشر أغلبية عربية مسلمة، وجاليات من اللر، والكلدان، والصابئة واليهود.في 1870، وبمبادرة من مدحت باشا وتعاون شيخ المنتفق ناصر السعدون، بدأ بناء مدينة الناصرية في نقطة لقاء للغراف بالفرات، وسط ديار عشائر المنتفق. كانت سوق الشيوخ في السابق هي مركز قضاء، ولكن مدحت باشا جعل المنتفق لواء ونقل مركز اللواء إلي الناصرية لفساد هواء سوق الشيوخ الواقعة في مهب رياح الأهوار. وسرعان ما أخذت الناصرية في التحول من مجرد مركز إداري إلي حاضرة استقرار رئيسية لعشائر المنتفق. ولم تكن الديوانية في منتصف القرن التاسع عشر أكثر من مركز استقبال لعشائر الخزاعل ومكتب لجامعي ضرائبهم. ولكن الديوانية أخذت تتسع كمدينة نظراً لتبادلها موقع مركز اللواء مع مدينة الحلة منذ تأسيسه في 1869، إلي أن استقر مركز اللواء في الديوانية في 1893 وسمي لواء الديوانية. وظل مركز اللواء في الديوانية حتي نهاية العهد العثماني. وهذا ما ينطبق أيضا علي مدن عانة وحديثة وهيت والفلوجة، التي أعلنت مراكز أقضية ونواح. بل إن الرمادي، التي كانت مجرد قرية صغيرة، أخذت في الاتساع والنمو إلي أن اضطر والي بغداد في 1872 إلي بناء مسجد جامع فيها. وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، أخذت المدن الرئيسية الثلاث، الموصل وبغداد والبصرة، تشهد زيادة سكانية مطردة، سواء بفعل النمو الطبيعي الناجم عن تحسن الظروف الأمنية والاقتصادية، أو بفعل جذبها لعناصرعشائرية تنزع إلي الاستقرار. لقد لاحظ غيري خلال زيارته لبغداد في سبعينيات القرن التاسع عشر ارتفاع نسبة العنصر العشائري ضمن سكانها، وأكد علي أنه بالرغم من تعايش إثنيات وطوائف مختلفة في المدينة فإن لغتها هي العربية. لعدة عقود، أخذت أجزاء من عشائر العبيد وعقيل تقطن شمال وشمالي شرق بغداد، بينما استقرت عناصر من عشائر الفرات الأعلي، كشمر والدليم، في غرب المدينة. أما الوسيلة الثالثة التي ساهمت في التشجيع علي الاستقرار العشائري فكانت التوجيه الديني والتعليمي. وإن كان فعل التوجيه الديني والتعليمي بطيئاً في أثره فإن نتائجه كانت عميقة ومؤكدة وغير قابلة للانكفاء. إحدي أهم الأدوات التعليمية التي وظفتها الدولة العثمانية، في سعيها لتوطين العشائر وتعزيز ولائها للدولة وارتباطها بها، كانت مدرسة العشائر (عشيرة مكتبي) التي أمر السلطان عبد الحميد الثاني (حكم 1876 ـ 1909) بتأسيسها في اسطنبول في 1892. كان المقصود من المدرسة أصلاً أن تضم أبناء كبار الأسر العشائرية، علي أن تتعهد الدولة بتكاليف تعليمهم المدرسي ومن ثم توزيعهم علي مدرسة البيروقراطية المدنية العليا، أو علي المدرسة الحربية العليا، من أجل إكمال تدريبهم للتخرج موظفين في الإدارة المدنية أو ضباطا في أسلحة الجيش المختلفة. واصلت مدرسة العشائر عملها حتي 1907، مستقبلة المئات من أبناء شيوخ عشائر بلاد الشام، والجزيرة العربية واليمن، وليبيا والأناضول والأكراد، والعشائر العراقية السنية والشيعية. وبالرغم من أن العديد من الشخصيات العربية البارزة في مطلع القرن العشرين كانت من خريجي مدرسة العشائر، فإن أبرزها علي الإطلاق كان عبد المحسن السعدون، ابن شيوخ عشائر المنتفق ورئيس وزراء العراق في العشرينيات من القرن العشرين. لأسباب عديدة لم تستطع مدرسة العشائر أن تستمر طويلاً، ولكن الحقبة التي وجدت فيها المدرسة رافقت تأسيس عدد كبير من المدارس الابتدائية الحديثة (التي بدأ إنشاؤها منذ منتصف القرن التاسع عشر) في مختلف أنحاء الولايات العربية من الدولة العثمانية. فبين 1876 و1909، أي خلال حقبة حكم السلطان عبد الحميد، أسست في ولاية حلب 17 مدرسة رشدية (ابتدائية)، و3 في ولاية سوريا (إضافة للمدارس المؤسسة سابقا)، و2 في سنجق القدس، و7 في ولاية البصرة، و3 مدارس في كل من بغداد والموصل. وفي 1893، كانت ولاية بغداد تضم 11 مدرسة حكومية للطلاب المسلمين، بين ابتدائية وثانوية، مدنية وعسكرية، إضافة الي عدد من المدارس التي أقامتها الاقليات المسيحية واليهودية والبعثات التبشيرية الغربية. العثمانيون والعلماء الشيعةعلي مستوي التوعية الإسلامية، يمكن أن نرصد تحركين أساسيين: فمن ناحية، شجع مسؤولو الإدارة العثمانية في العراق، منذ أعيد فرض السلطة المركزية عليه في 1831، شجعوا العلماء المسلمين الشيعة في النجف وكربلاء، كما عائلات السادة، علي تعزيز اتصالاتهم بالعشائر الجنوبية، ومدفوعين إلي ذلك بتصور إسلامي – عثماني راسخ يربط بين انتشار قيم الشريعة والدين والاستقرار والتمدن. وقد لعب هذا التشجيع والدعم العثماني الرسمي لجهد المراجع الشيعة دوراً هاماً في انتشار التشيع بين العشائر الجنوبية. ومن ناحية أخري، أخذ المسؤولون العثمانيون في استخدام قوة الفتوي الشرعية لردع العشائر وثنيها عن مواصلة تقاليد الإغارة والسلب والاعتداء. ففي 1909، استحصل الوالي العثماني في بغداد علي فتوي من سبعة من كبار العلماء السنة، موجهة إلي العشائر، تنص علي قتل المجاهر بالظلم. كما أفتي ستة من علماء الشيعة بأنه يجب منع العشائر من أعمال الإغارة والسلب بالنصح والوعظ، فإن أبوا فحينئذ يركن إلي التهديد والتخويف، وإلا جاز التنكيل بهم . وقد قام الولاة العثمانيون في بغداد خلال السنوات التالية باستحصال فتاوي مماثلة من علماء العراق لخدمة ذات الهدف. في النهاية، فإن عملية استقرار وتوطين عشائر العراق لا بد أن ينظر إليها باعتبارها عملية بطيئة، استمرت لأكثر من قرن ونصف من الزمان، وكانت بلا شك نتاج كل العوامل السابقة مجتمعة: قوة الدولة المركزية، التقدم الهائل والسريع في وسائل الاتصال، وانتشار التعليم وتعزيز سلطة الدين الأخلاقية. لقد دهم العصر الحديث، بقواه التي لا تقاوم، تقاليد العشائر ونمط حياتها، وحولها من عنصر تهديد للسلام الاجتماعي إلي رافد جديد للنسيج العربي ـ الإسلامي في عراق القرن العشرين. ولكن من السذاجة بالطبع أن نتصور أن الحداثة قد قضت نهائياً علي تقاليد القبيلة؛ فالاستقرار والتوطن لم يعنيا دائما انهيار العصبية القبلية، أو حتي التخلي الكامل عن مجموع الشرائع والعادات التي نظمت العلاقات الداخلية للعشيرة أو علاقاتها بغيرها من العشائر. كما في جوانب عديدة أخري للحياة العربية والإسلامية، كان علي الحداثة أن تتعايش جنباً إلي جنب مع تقاليد العشيرة.7

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية