العراق: فلنقف بوجه المعاول التي تدق جدار الوحدة الوطنية
صباح علي الشاهرالعراق: فلنقف بوجه المعاول التي تدق جدار الوحدة الوطنية ليس ثمة شيء اسمه عراق من دون ناس العراق. العراق بالإضافة إلي كونه رقعة جغرافية، وتاريخ، وحضارات متعاقبة، فهو قبل هذا وذاك بشر، خلقهم الله علي هذه الأرض، وعاشوا فيها عبر آلاف السنين، توّحدهم الأرض التي عليها نشأوا وإليها سيرحلون.العراق هو البصرة، مثلما هو الموصل. هو الناصرية مثلما هو السليمانية، هو ديالي مثلما هو السماوة، هو العمارة مثلما هو الأنبار، هو الحلة مثلما هو دهوك، هو بغداد خلاصة مدن العرق، هو الهور مثلما هو الجبل، وهو السهول، مثلما هو البوادي، وقبل هذا وذاك، هو أبناء هذه المدن، وهذه البقعة الجغرفية بسهولها وجبالها ووديانها وبواديها. لا يمكن بأية حال من الأحوال تصوّر العراق من غير هذا التنوع البيئي، والتنوع البشري، العرقي والعقائدي. هذا المزيج العذب والخلاق، وهذا الغني الذي كان وما زال مصدر الإبداع والفرادة، والريادة، هو سر العراق الأزلي. من يعمل من أجل العراق ينبغي أن يكون العراق كله محط إهتمامه، وجوهر عمله. ليس عاملاً من أجل العراق، مهما زعم، وتبجح، من يعمل لأجل طائفة، وعرق ومذهب، ولا من أجل حزب أو مجموعة، أو جماعة. من يعمل من أجل العراق هو الذي يضع العراق، كل العراق، نصب عينيه. العراق أكبر من عرب العراق، أكبر من كرد العراق، أكبر من تركمان العراق. أكبر من شيعة العراق، أكبر من سنة العراق. أكبر من مسلمي العراق ومسيحيي العراق. لا نريد بهذا القول التقليل من أهمية أي من هذه المكونات، ولا تقليل شأنها، وإنما نحن نصف حالة شاخصة، ونقيس مقامات كل هذه الكيانات قياساً إلي مقام العراق، الذي يحتويها جميعاً. قوّة أي مكوّن يحتضنه تراب العراق من قوّة العراق، وضعف أي مكوّن من ضعف العراق. عندما يضعف العراق يضعف شيعة العراق، سنة العراق، كرد العراق، عرب العراق، لا بل تضعف الأمتين العربية والإسلامية. ضعف العراق ضعف العرب. ضعف العراق ضعف المسلمين أينما كانوا، وضعف العراق إخلال بأمن المنطقة، ضعف العراق يعرّض السلم العالمي لمخاطر لا يعرف مداها، ويفتح أبواب المجهول علي شتي الإحتمالات، التي لن يكون أياً منها مما يرضي عنه من ينشد الرفاه والرخاء والعيش الآمن. هل نهوّل؟ هل نتحدث عاطفياً، أم إننا نقر بحقيقة، يحاول البعض تجاهلها، متوهماً أن بمقدوره، وعلي أشلاء العراق، إقامة دويلات كردية، أو شيعية، أو حتي إمارة إسلامية سنيّة؟..أكبر قوّة في العالم، أرادت أكل العراق، وإبتلاعه، فعلق العراق بزردومها، فلا هي قادرة علي هضمه ولا هي قادرة علي إخراجه ولا الخروج منه. ورطة القوّة الأكبر في العالم درس لكل القوي الأخري، التي لا تُقدّر حجمها الحقيقي حق قدره، فتتوهم وتُوهم أنها قادرة علي فعل ما تريد في العراق المُمزق، المُنهك، الجريح. لقد كثرت سكاكين الجزارين في الجسد المُثخن بالجراح، وما زالت سكاكين أخري تُشحذ، وما دري الطاعن والشاحذ للسكين، أنه إنما يطعن نفسه، ويشحذ سكينه لجز رأسه. ليس بمقدور إيران، ولا السعودية. ليس بمقدور الأردن، ولا تركيا. ليس بمقدور سورية، ولا دول الخليج مهما أنفقت، أن تحوّل العراق إلي تابع لها، أو تجعله منطقة نفوذ خاصة بها، وكل جهد في هذا المجال جهد ضائع، وإنفاق علي فاشوش. قد تجعل إيران منطقة ما من العراق، وبفعل معطيات طارئة منطقة نفوذ لها، وقد تجعل السعودية، وبفعل إنفاق مادي يتجاوز المعقول، بعض القصبات والمدن التي علي مشارف الصحراء، منطقة نفوذ لها، وقد تجعل الأردن بفعل الدعم الأمريكي مثلاً محافظة ما منطقة نفوذ لها، وقد تفلح سورية بفعل الإحتضان لجماعات ما، في مدّ تأثيرها علي هذه المحافظة أو تلك، وقد تفلح تركيا بجعل مناطق تواجد التركمان مناطق نفوذ لها، لكنهم – في نهاية المطاف- جميعاً وبدون إستثناء، لا ولن يجعلوا العراق منطقة نفوذ لهم قطعاً، ومطلقاً، وأبداً. مصير العراق وقدره أن لا يكون منطقة نفوذ لغيره. خُلق العراق كي يكون للعراق، وللعراق فقط. هكذا قررت الجغرافية، وهكذا قرر منطق التنوع الأثني والديني والطائفي، الفكري والسياسي. من يعمل من أجل العراق، عليه العمل من اجل العراق الواقعي، الحقيقي، التأريخي، الموجود فعلاُ، لا العراق المتخيّل، والمفترض، أو المنوي خلقه. من يريد فيدرالية شيعية، ويدعي أنه عراقي دجّال، من يريد فدرالية كردية، ويدعي أنه عراقي كذّاب، ومن يريد إمارة إسلامية ويدعي أنه من أجل العراق يعمل منافق. إن المحاولات التي لا تكل في الضرب علي جدار الوحدة الوطنية، اغتيال مقصود أم غير مقصود لحلم العراقيين بوطن واحد، لحلمهم بالأمن والسلم والعيش الكريم. المنطلقات الطائفية، مهما تلوّنت، وتبرقعت، وتزيت بإزياء ملونة، فإنها ظلامية، متخلفة، كالحة السواد، ومشؤومة. والمنطلقات العنصرية، مهما تعكزّت علي المظلومية، فإنها تعبير عن التعصب الأعمي، الذي يعمي القلب والبصيرة. الطائفيون والعنصريون يصبون الزيت في الحريق المشتعل في العراق، وهم إذ يرقصون علي جثة العراق، فإننا سنشهد بعد حين من يرقص علي جثثهم، يومها لن يجدوا نصيراً ولا مُعيناً، فمن يُعين وينصر إحترق بنيران حقدهم. حقد الطائفيين والعنصريين قد يديم مأساة العراق، قد يجعل جرحه ممتداً، نازفاً، قد يفقده المزيد والمزيد من أبنائه، لكنه لن يخلق عراقاً آخر، علي هوي المتعصبين سنة أم شيعة، عرباً أم كرداً. هذه المحاولات الأنانية، المصلحية، المتسمة بالغباء، والتعصب، وإفتقاد الأفق الاستراتيجي، ستجلب لأبناء العراق من مختلف الطوائف، والأعراق، النكبات التي ستتصاغر أمامها كل النكبات التي مرّ بها العراق، قياساً إلي هولها. المتعصب الشيعي سيتسبب في إبادة ممتدة لطائفته، والمتعصب السني سيتسبب في قتل لا نهاية له لأبناء طائفته، أما المتعصب الكردي، فسوف يتسبب بكوارث وأهوال للشعب الكردي. قادة السنة والشيعة والأكراد أثبتوا أنهم قصيرو النظر، غير جديرين بالقيادة. إنهم يأخذون سفينة العراق للغرق في بحار الدماء. لقد أجج قادة الأحزاب الشيعية في العراق بطروحاتهم وتصرفاتهم، وخططهم، ليس خوف سنة العراق فقط، وإنما خوف سنة العالم كله.وأجج قادة الأحزاب السنية، باطروحاتهم وتصرفاتهم، ليس خوف شيعة العراق فقط، وإنما خوف شيعة العالم، خوفهم من مقتلة تنتظرهم لن تبقي منهم أحداً. وأثارت مواقف الأحزاب المتعصبة الكردية ليس خوف عرب العراق وتركمانه فقط، وإنما خوف كل دول الجوار، بلا إستثناء، لقد أدت تصرفات القيادة الكردية الخرقاء إلي إنحسار يكاد يكون تاماً لتفهم القضية الكردية. لقد فقد الأكراد أصدقاءهم، في حين أنهم لم يكسبوا أصدقاء، فأمريكا ليست صديقة للكرد، ولن تكون، وكذلك إسرائيل، الكرد سيعيشون اليوم وغدا، وإلي ما شاء الله مع الفرس والعرب والترك، وحنكتهم السياسية ينبغي أن ترشدهم إلي حقيقة بالغة البساطة والوضوح، إلا وهي أن مصلحة الشعب الكردي في التعايش مع المحيط، شرط تطمين الحقوق القومية المشروعة، وليس طلب النجدة من الأباعد، الذين سوف لا ولن ينجدوهم. ويبقي العراق، عراق الأمس، واليوم، والغد، هو وحده الحامي، والضامن لحقوق السنة والشيعة، والكرد والتركمان، وكل من عاش علي أرض العراق، وأرتوي من نهريه وروافده.. العراق متراسنا نحن العراقيين، ودرعنا الذي به نتوقي سهام من لا يريد بنا خيراً، وسوي العراق لن تقوم لنا قائمة. وأنا العراق أو القيامة. ورحم الله السيّاب. ہ كاتب عراقي يقيم في لندن9