عبد الحميد صيام الحديث عن العراق وما جرى له في العقود الثلاثة الأخيرة يصيب القلب بأوجاع لا توصف لشدة محبتي لهذا البد العظيم والذي عشت مع أهله جزءا صغيرا من مآسيه والتي لا يعرفها إلا من جربها وعاش فصولها. فقد أتيحت لي الفرصة أن أزور ست عشرة محافظة من محافظاته الثمانية عشرة أثناء عملي مع المنظمة الدولية. من الحدود الجنوبية في أم قصر إلى زاخو في أقصى الشمال ومن السليمانية إلى أور مسقط رأس النبي إبراهيم عليه السلام ومن كربلاء ومقاماتها العظيمة إلى البصرة ومنظرغابات نخيلها ‘ساعة السحر’ ومن الموصل ومئذنتها الحدباء إلى آثار بابل وأسدها الرابض منذ فجر التاريخ. بكى أمامي كردي في صلاح الدين وهو يسرد معاناة الأكراد من ظلم الدكتاتوريات المتعاقبة وأهداني كتابا بعنوان :أحفاد صلاح الدين. وجلست في قائظة تموز (يوليو) عام 1997 مع المهجرين الأكراد من مدينة كركوك الذين أخرجوا من بيوتهم بغير حق لا يحملون معهم إلا الثياب الشخصية. بكينا على موت طفل أمام عيوننا في مستشفى بكربلاء وأمه تصرخ وتولول والطبيب (وأذكر اسمه العيساوي) كان يحدثنا ولم يتحرك. فقلت له ولماذا لا تتركنا وتذهب إلى الطفل لعل الله يشفيه على يديك؟ فقال لا أستطيع أن أعمل أي شيء فالعشرات يموتون مثله كل يوم. وفقدت 22 من أصدقائي وزملائي معظمهم عرب في مقر الأمم المتحدة يوم 19 آب (أغسطس) 2003 بعد أن فجر انتحاري شاحنته في المقر ونجوت من موت محقق لأن زميلتي رهام الفرا جاءت لتجلس في مكتبي كي أنجو أنا وتموت هي بعد ثلاث ساعات من مغادرتي المقر ويدفن معها في الركام مديري البرازيلي الطيب سيرجيو فييرا دي ميلو وتصاب سكرتيرتي إنعام إصابات بالغة في رجليها. فهل يستحق العراق العظيم، عراق نبوخذ نصر وحمورابي وهارون الرشيد وصلاح الدين كل هذه المآسي؟ .إذن تستحق الذكرى العاشرة لاحتلال بلاد سومر وبابل ونينوى والعباسيين وقفة متأنية نراجع فيها مآسيه المتعاقبة ونتائج تلك الحرب الظالمة وأوضاع الأطراف المعنية فيها وخاصة الدولة العراقية والقوى المتحكمة فيها من جهة والولايات المتحدة وآثار تلك الحرب على الدولة العظمى بعد احتلالها لبلد كبير بحجم العراق لمدة تسع سنوات.من الدكتاتورية إلى الاحتلال مرورا بالحصارمأساة العراق لم تبدأ يوم العشرين من آذار (مارس) 2003 ولا يوم سقوط بغداد، يا جادها الغيث، يوم 9 نيسان (أبريل) بل لأنه خضع لدكتاتورية رهيبة ظالمة أوقعته في حروب مع الجيران ومع مكونات الشعب العراقي نفسه فعبدت كافة الطرق لتسهيل الاحتلال الأجنبي. وقد سألت شخصا من الحرس الجمهوري التقيته صدفة لماذا لم تدافع عن بلدك؟ قال : أتريدني أن أموت ليبقى صدام وعدي في السلطة؟ تسلم حزب البعث السلطة في العراق عام 1968 بقيادة أحمد حسن البكر الذي ظل رئيسا إلى أن أبعد عام 1979 حيث انتقلت الرئاسة إلى نائبه صدام حسين الذي بقي في السلطة لغاية الاحتلال. لكن الفرق بين المرحلتين شاسع جدا. ففي فترة حكم البكر شهد العراق أكبر حركة نهوض وتنمية ربما في كل دول العالم الثالث. تم تأميم النفط عام 1972 وبدأت حركة البناء بعد حرب رمضان عام 1973 وارتفاع أسعار النفط بشكل كبير. بنيت المصانع والمستشفيات والطرق والمدارس والجامعات. وتم تحديث البنى التحتية ووصلت شبكات الكهرباء والمياه كل أنحاء الجمهورية. تصالح العراق مع أبنائه الأكراد واتفق مع شاه إيران لتقاسم شط العرب عام 1975 بوساطة من الرئيس الجزائري الراحل بومدين، وأرسل آلاف الطلبة في بعثات دراسية لدراسة مواد علمية فقط وقد كنا نلتقي بهم في إجتماعات منظمة الطلبة العرب في الولايات المتحدة حيث كانوا يشاركون بالمئات ويصلون قاعات المؤتمر السنوي بالطائرات والحافلات. كل شيء كان يسير نحو إنطلاق البلاد في نهضة شاملة إلى أن تغيرت الأيدي في السلطة يوم 16 تموز (يوليو )عام 1979 حيث تم استبعاد أحمد حسن البكر نهائيا. بدأت بعد ذلك مرحلة الصراعات الداخلية والخارجية، حيث بدأ الرئيس الجديد حكمه بإعدام رفاق دربه من أبناء الحزب بتهمة الخيانة العظمى بتاريخ 22 تموز (يوليو) أي بعد تسلمه السلطة بستة أيام لتكون هذه الحادثة التي أطلق عليها ‘مذبحة الرفاق’ مؤشرا على نوع الحكم الذي سينتهجه الرئيس الجديد. دخلت البلاد بعدها في حرب ضروس مع إيران استمرت ثماني سنوات دمرت كل ما بناه العراق في السنوات الماضية وخلفت وراءها مئات الألوف من الضحايا والمعاقين والأرامل والأيتام واقتصادا مهلهلا يكاد ينهارخاصة بعد تراجع أسعار النفط لأدنى مستوى لأسباب قد تكون مبيتة فكان رد الفعل الكارثي على الأزمة بين العراق ودول الخليج كما هو معروف إحتلال الكويت والذي كان بمثابة المصيدة التي أستدرج إليها الرئيس العراقي ليدخل العراق بعدها في مجابهة مع الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة وفي ظل اختلال الميزان الدولي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ولا حاجة لي لأكرر قصة الحرب الأولى وما تبعها من حصار ظالم قاهر ألحق الأذى بالشعب العراقي كله لكنه لم يؤذ النظام. على العكس بنيت القصور في ظل الحصار وتم احتكار السوق السوداء وزاد الطغيان الداخلي بشكل غير مسبوق وصل إلى عائلة الرئيس وأقاربه وأبناء عمومته وأصهاره. إقتطع الشمال من جسد العراق ومزق نسيج البلاد وتشتت العائلات من فقر أو خوف أو تمرد أو بحثا عن فرص أفضل. هاجرت العقول النيرة وأصبح هم العراقي أن يجد لقمة عيش كريمة. لقد أدت سنوات الحصار الظالم إلى تفريغ البلاد من محتوى الدولة القوية حتى لو كانت تبدو من الخارج أنها دولة متماسكة قوية عزيزة. لكن الحقيقة المرة أن الدولة من الداخل كانت مهترئة تماما لا تكاد تمسك بعضها بعضا إلا بسبب الخوف أو المصلحة الآنية. لذلك كان الاحتلال عام 2003 سهلا ولم يحارب الجيش ولا المليشيات ولا الحرس الجهوري ولا غيرها. لكن ممارسات الاحتلال هي التي أعادت روح المقاومة إلى هؤلاء الوطنيين الذين يحبون بلدهم فاطلقوا حركة مقاومة شرسة اطاحت بعنجهية بوش ومستشاريه من المحافظين الجدد والذي يقرون الآن بعد عشر سنوات أن تلك الحرب كانت خطأ تاريخيا. والسؤال الوحيد الواجب طرحه: لو كان الحكم في العراق جماعيا تشاوريا ينطلق من مصلحة البلاد ويخضع للمساءلة والتمحيص من برلمان قوي ومنتخب هل كان يمكن ارتكاب مثل هذه الخطايا التي جرّت على العراق وما زالت مصائب يطول شرحها ومن الصعب تجاوز آثارها بعد أجيال؟ أتلوموننا إذن إن وقفنا ضد الدكتاتورية العضوض أينما كانت وكيفما تجسدت؟.ماذا جنت الولايات المتحدة من تلك الحرب؟بالنسبة للولايات المتحدة فقد كان احتلال العراق غير قانوني وغير مبرر أخلاقيا أو سياسيا أو قانونيا. قد تكون حرب العراق الحرب الوحيدة التي شنت على بلد مستقل ذي سيادة بناء على حجج غير مثبتة ومبررات غير منطقية وبدون سند قانوني أو شرعية من مجلس الأمن الدولي. وقد كلفت هذه الحرب الولايات المتحدة نحو 4،500 قتيل وأكثر من 32،000 جريح بتكاليف زادت عن الثمان مائة مليار دولار مما سبب ما يشبه الانهيار الاقتصادي للبلاد في الأيام الأخيرة لعهد الرئيس السابق جورج بوش. لقد خرجت أمريكا من هذه الحرب التي تعد من أطول حروبها (الثانية بعد حرب أفغانستان) مهزومة سياسيا وأخلاقيا ونفسيا. أما العراق فقد أصبح الآن شبه مقسم طائفيا، ومرتعا وملاذا آمنا للجماعات المتطرفة من أنصار القاعدة وأخواتها ويخضع الآن للنفوذ الإيراني شبه المطلق. فماذا جنت الولايات المتحدة من هذه الحرب الظالمة إلا الهزائم؟ شعب العراق الأصيل دفع ثمن الدكتاتورية والحصار والاحتلال والطائفية البغيضة. لقد تمزق الوطن واستبدل بالأقلمة الطائفية. إستبدل الانتماء إلى الوطن بالانتماء للطائفة. فقد العراق مئات الألوف من شبابه وشيبه ونسائه ورجاله وأطفاله لتستكمل الحرب الظالمة آثار13 سنة من الحصار القاتل. لقد فكك الاحتلال كافة الأبواب والحواجز الأمنية عن هذا البلد الكبير وتحول إلى معازل طائفية ومناطق نفوذ وأرض خصبة للسيارات المفخخة والاغتيالات والتهجير والفساد غير المسبوق. لقد تغول التطرف الديني والتطرف الطائفي والتطرف العرقي حتى بدا العراق وكأنه قطع موزاييك صفت إلى جانب بعضها لا يربط بينها رابط، وقد تتفتت مع أول هزة كبرى فتتجه كل قطعة في اتجاه. العراق يحتل الآن المرتبة 176 من مجموع 179 دولة على سلم الفساد حسب مؤشرات منظمة الشفافية الدولية، ولم يتفوق إلا على أفغانستان وميانمار والصومال. كما تفاقمت نسبة وفيات الأطفال خلال الحصار وسنوات الاحتلال لتصل المرتبة ما قبل الأخيرة متفوقة على النيجر فقط. الغول الطائفي ما زال هائجا حتى كادت البلاد تخلو من سكانها المسيحيين بعد أن كان عددهم نحو مليون نسمة. في العراق يرفع الآن أكثر من علم ويتلى أكثر من نشيد وطني وتتنازع الأطراف على هوية المدن وعلى عوائد النفط وعلى المناصب وعلى الاستقواء بالخارج وعلى الاصطفاف مع من يحاولون سلخ العراق عن هويته العربية الأصيلة.ديموقراطية الدبابة الأمريكيةالديمقراطية في العراق تتعلق بالشكل أكثر من المضمون. فالذهاب إلى صندوق الانتخابات لا يعني دخول البلاد مرحلة الاستقرار الديمقراطي. فالديمقراطية مضمون وانتماء وممارسة ومواطنة متساوية وشفافية ومجتمع مدني وسيادة القانون واختفاء المليشيات المسلحة واحترام نتائج الانتخابات ضمن التعددية السياسية والاحتكام للدستور وقيام البرلمان المنتخب بدوره التشريعي وخاصة مراقبة السلطة التنفيذية. معظم هذه الشروط غير متوفر. لقد أصبح بعض المسؤولين المنتخبين غير آمنين على أنفسهم وعائلاتهم بسبب الاستفراد الأرعن للسلطة. لقد تحول الحاكم الحالي للعراق أقرب إلى الدكتاتور منه إلى الرئيس المنتخب المنضبط للقانون. لقد أساء للبلاد والعباد ووسع دائرة الأعداء وضيق دوائر الحلفاء. حتى من حالفهم بالأمس أصبحوا أعداء اليوم. وما هذا الحراك الشعبي الهادر في كثير من المحافظات وخاصة في الأنبار ونينوى وصلاح الدين إلا شاهدا على التململ الجماهيري العارم ضد الطاغية رغم أنه منتخب، لكنه ما زال مصرا على صم أذنيه عن نداءات الملايين التي تطالب بالإصلاح والمواطنة المتساوية وعدالة توزيع الموارد وتبييض السجون من سجناء الرأي والموقف وخاصة من النساء، لكنه ما زال يستخدم اليد الحديدية في الرد على المظاهرات وإطلاق النار على المتظاهرين وزج المزيد من شباب وقيادات الحراك في السجون. فهل هو حقا حريص على العراق ووحدته وسيادته ونهضته؟.العراق أصبح منطقة نفوذ لإيران ومعبرا لأسلحتها لنظام بشار الأسد الذي يشن حرب إبادة على الشعب السوري. المخابرات الإيرانية تتحكم الآن في الداخل العراقي. تقتل من تشاء وتخطف من تشاء وتفرض أجنداتها كما تشاء. لقد قدمت الولايات المتحدة العراق هدية لإيران وحولته إلى ورقة مساومة في صراعها مع الدول الغربية حول برنامجها النووي. لقد كانت تلك الحرب مغامرة غبية من اليمين الأمريكي المتطرف والمحافظين الجدد الذين لا يعرفون شيئا عن العراق وكل ما في أذهانهم الانتقام لضحايا الحادي عشر من سبتمبر (2001) وضمان أمن إسرائيل وضمان تدفق النفط وأعتقد أنهم فشلوا في كل ما خططوا له. صحيح نجحوا في تفتيت العراق وإيقاظ الغول الطائفي، لكن الحقيقة تبقى أن رياح الاحتلال الأمريكي جرت تماما كما تشتهي سفن إيران. الملايين من أبناء هذا الوطن العربي الكبير ما زالوا بانتظار انقشاع ظلام الدكتاتوريات القاهرة وهزيمة الاحتلالات الأجنبية واستقرار الأمواج المتلاطمة ووصول البلاد إلى مرحلة الاستقرار . نحن ما زلنا نتشوق لسماع صرخات المخاض بانتظار المولود الجديد وسنبقى نضع أيدينا على قلوبنا ربما سنة أو سنتين أو خمسة- لا نعرف- خوفا على العراق من خطر التفتيت وعلى سوريا من خطر الحرب الأهلية التي لا تبقي ولا تذر وخطر فشل التجربتين الرائدتين التونسية والمصرية وخطر تحول اليمن إلى دولة فاشلة، وخطر اندثار القضية الفلسطينية وتغول القوة الإسرائيلية. لكننا واثقون بأن الفجر آت ولا بد لحلكة الليل إلا أن تنقشع. قد لا يكون على زماننا ولكنه بالتأكيد آت حيث لم يسجل التاريخ أن أمة عريقة قررت الانتحار. ‘ أستاذ جامعي وكاتب عربي مقيم في نيويوركqmdqpt