العراق في مرحلة الخطر والحكومة تفقد السيطرة

إبراهيم درويش
حجم الخط
1

كشفت التظاهرات التي شهدها العراق في الأيام الأخيرة عن عدة أمور تتعلق بالنظام السياسي الذي ولد من رحم الاحتلال الأمريكي ولا تزال وجوهه تتداول السلطة وتؤبد الفساد في بلد غني بالطاقة البشرية والطبيعية.

كما وأبرزت وحشية الرد الذي كان الأسوأ مقارنة مع الاحتجاجات التي شهدتها عواصم عربية في الفترة نفسها. وحاولت السلطة السياسية ممثلة بعادل عبد المهدي77 عاما، رئيس الوزراء تجاهل الانتفاضة الجديدة، وتحميل المتظاهرين المسؤولية بل وأصدر بيانا يدعم فيه تصرفات قوات الأمن ووصف المحتجين بالمشاغبين وقلل من أهمية مظلوميتهم. فيما تسابق سياسيون وإعلاميون بالحديث عن قوى أجنبية تحاول التلاعب فيها وزعزعة استقرار العراق.

 ورغم أن هذه الاتهامات فيها جانب من الصحة إلا أنها بدت عبر محاولات انتهازية من إعلام دول الجوار الاستفادة منها ضمن التنافس الإقليمي على الدول العربية، وهو تنافس واضح في لبنان وسوريا واليمن. لكن الحكومة العراقية وحلفاءها نسوا أن المتظاهرين لا يمثلون قطاعا معينا من الشعب العراقي، مثل أنصار رجل الدين مقتدى الصدر ولا الغاضبين على القمامة والماء الملوث في البصرة، بل الشباب المحبط من سياسات الحكومة وفساد أركانها وتفشي البطالة وغياب الخدمات الأساسية.

وأمام ثورة الجياع ردت الحكومة العراقية بحجب الإنترنت، وفرض منع التجول ونشر قوات الأمن، ولم تتردد في فتح النار على المتظاهرين، حيث قتل أكثر من مئة شخص بالإضافة لآلاف الجرحى. مع أن التظاهرات هي في حد ذاتها تعبير عن حالة اليأس التي وصل إليها العراقيون وعجز الحكومة الدائم عن تقديم الإصلاحات التي وعدت بها. وقيل إن القمع المفرط نابع من طبيعة قوات الأمن العراقية التي دربها الأمريكيون على مكافحة الإرهاب مواجهة تظاهرات سلمية. وهذا لا يعني كما تقول صحيفة “نيويورك تايمز” (5/10/2019) حصول قوات الأمن من القيادة العليا على مساحة لاتخاذ كل ما لديها من قدرات لوقف التظاهرات، ما يكشف عن عدم جاهزية الحكومة للرد على مطالب مواطنيها.

وقال متظاهرون إن قوات الأمن قامت في بعض الأحيان بالتصويب على المتظاهرين، بدلا من إطلاق النار في الهواء. ويرى محللون أن رد الدولة مشابه لقمع الحكومة المصرية لانتفاضة محدودة خرجت من أتون القمع الممارس على المصريين منذ عام 2013 وقام النظام باعتقال ضعف من خرج متظاهرا وحولت القاهرة في “جمعة الخلاص” التي دعا إليها المقاول محمد علي من منفاه في إسبانيا إلى ثكنة عسكرية. والقاسم المشترك بين مصر والعراق هو أن النظامين فوجئا بحجم التظاهرات، مع أن أسباب وخميرة الغضب واحدة، وهي الفساد وتبذير مقدرات الدولة على مشاريع ترضي نرجسية الرئيس في مصر وملء جيوب السياسيين وأبنائهم في العراق.

جنرال

ورأى الكثيرون أن الاحتجاجات الأخيرة في العراق جاءت ردا عفويا على عزل قائد “الفرقة الذهبية” التي دربها الأمريكيون لمكافحة الإرهاب، عبد الوهاب الساعدي وهو جنرال محترم لعب دورا في معارك الفلوجة والموصل ضد تنظيم “الدولة” حيث تم تنزيل رتبته إلى مجرد موظف إداري في وزارة الدفاع. ورأوا في عزله محاولة من أطراف إيرانية السيطرة على الجيش، ولأنه رجل غير فاسد فقد أصبح بطلا في عين الجميع.

ورغم ما حصل للساعدي فقد كان “مجرد شرارة” أطلقت العنان للغضب الكامن. وعلى العموم حاولت قوات الأمن تحميل جهات خارجة عنها، قد تكون كيانات مرتبطة بالمؤسسة الأمنية أو الميليشيات المسؤولية عن الضحايا.  وفي أي سياق سياسي وعندما تبدي الحكومة ضعفا تحاول المعارضة استغلال الأمر. وفي هذه الحالة اشتمت الأحزاب السياسية رائحة الدم، واعتقدت أنها تستطيع الإطاحة بعبد المهدي، والحصول على مكاسب لنفسها، ولهذا كانت هناك لقاءات جارية خلف الأضواء، فقد انتقد تحالف “سائرون” بزعامة مقتدى الصدر وتحالف الحكمة الحكومة. وربما كانت الأحزاب قادرة على استخلاص فوائد من التظاهرات نظرا لعفويتها ولأنها تمثل مزيجا من المطالب الجهوية مما يعني غياب الجهة الواحدة للتفاوض عن المضطهدين، وهي المشكلة التي لاحقت احتجاجات الربيع العربي 2011 والتظاهرات التي أسقطت أنظمة في السودان والجزائر ومحاولات مصر الأخيرة. وهو ما أعطى الدولة العميقة والجماعات الخاسرة فرصة للعودة إلى الساحة التي طردت منها.

السعودية

ولاحظ تحليل في مجلة “فورين بوليسي” (7/10/2019) أن السعودية المنافس الإقليمي لإيران، تحاول الاستفادة من الوضع وإثارة التوتر. وترى فيها فرصة للإطاحة بالحكومة المؤيدة لإيران. وجاءت محاولات الرياض من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والتأكد من استمرار الاحتجاجات العنيفة في العراق. وتم استحداث روبوتات إلكترونية لاستهداف المؤسسات الإعلامية الغربية من قبل مستخدمي منابر التواصل الاجتماعي السعوديين والدعوة إلى “إنقاذ شعب العراق” و “إخراج إيران” رغم الحجب الذي مارسته الحكومة العراقية على الإنترنت. وبدت المرسلات الإعلامية في الإمارات والسعودية متحمسة للتظاهرات في العراق مقارنة مع تقليلها من شأن الدعوات المطالبة برحيل عبد الفتاح السيسي في مصر.

حركة مدنية

وتظل الاحتجاجات العراقية تعبيرا عن حركة مدينة باتت قلقة من غياب وتيرة التغير في حياتها بعد هزيمة تنظيم “الدولة” الإسلامية، الذي كان عاملا موحدا للعراقيين، حيث عادت الميليشيات وحصلت على الجائزة من خلال الوظائف والاعتراف السياسي، فيما لم تتغير حياة ملايين العراقيين.

ففي الوقت الذي زاد فيه الدخل القومي في المرحلة بين 2018- 2019 بنسبة 8 في المئة إلا أن هذا لم يترجم على شكل تحسين الخدمات وفتح فرص عمل جديدة وتوفير الأمن لغالبية العراقيين في ظل استمرار فساد النخبة الذي لا يخفى على عين. ولم تؤد مشاريع الإصلاح وخصخصة الصناعات العراقية لفتح أبواب العمل حيث انخفضت معدلات التوظيف بنسبة 28 في المئة عام 2018 وهناك واحد من كل أربعة طفل عراقي يعيشون في ظل الفقر. ولم تؤد المصادر الطبيعية الوافرة في العراق لتحسين البنى التحتية في مجال الطاقة حيث يواجه السكان انقطاعا مستمرا في التيار الكهربائي أو معالجة المياه والعناية الصحية. وهناك نسبة 90 في المئة من الأطفال خارج النظام التعليمي. فالنخبة السياسية أصبحت منفصلة عن الحياة اليومية للشعب العراقي. والمظلومية التي أدت إلى الحرب الطائفية عام 2007 والنزاع المدني في عام 2011 وظهور تنظيم “الدولة” عام 2014 وتظاهرات البصرة الأخيرة لم يتم حلها أو معالجتها. ولا بد من الإشارة إلى أن غياب المشاركة الجماعات المؤيدة لإيران فيها يشير إلى أن طهران لم توافق عليها وشجعت على دعم الوضع القائم، أما سكان المدن السنية فلم يشتركوا فيها بعد لأنهم إما في مخيمات اللجوء أو خوفا من توجيه تهمة الإرهاب لهم.

ربيع عربي؟

ومن هنا فطالما بقي النظام العربي في مرحلة ما بعد 2011 متجاهلا طموحات شعوبه والمحرومين فإنه سيظل يواجه المعارضة الجماهيرية. وتم تجاوز المطالب الحيوية لهم باسم مكافحة الجهاديين وهي لعبة ساهم الغرب في تكريسها كما يقول روجر بويز في صحيفة “التايمز”(8/10/2019) حيث كتب قائلا: “والآن وقد تمت هزيمة الخلافة فقد فتحت أبواب جهنم”. وقال إن تنظيم “الدولة” كان بمثابة هدية للديكتاتوريين في الشرق الأوسط، ففي مصر والعراق قدم القادة المستبدون والفاسدون أنفسهم كحماة لاستقرار البلاد ضد الجماعات الجهادية. والآن وبعد هزيمة التنظيم أو أسر قادته لم يعد لدى القادة أي ذريعة لتبرير القمع. وعليه يقوم أبناء الطبقة المتوسطة والمهنيين ورجال الأعمال الذين همشهم الجيش الحريص على مصالحه وسدنة النظام والقائمين على دعايته بالتحالف مع الطلاب والعمال يطالبون بإصلاح شامل للحكم والوفاء بوعود قطعت قبل ثمانية أعوام. ويرى الكاتب أن جذور السخط مشابهة لما حصل في مصر رغم نهاية المعارك الرئيسية ضد تنظيم “الدولة” والموارد النفطية العالية، فلم يتم استثمار أموال كافية لخلق وظائف عمل للشباب أو لتحسين الخدمات. مضيفا أن ما يجري في العراق ليس اضطرابات طائفية لكنها احتجاجات ضد سيطرة الأطراف السياسية على الوظائف والعقود وتسييس الجيش. وفي كل المنطقة تبحث الأنظمة عن الرجال الخاسرين وتحميلهم المسؤولية، والمشتبه بهم معروفين، قطر وتركيا والإخوان المسلمين مع أن المشاكل نابعة من الداخل ومن الحلول التي تتبعها الحكومات عادة ما تتسم بالوحشية وأسوأ من الوحشية السابقة. ويرى أن الدول التي تحتفل اليوم بهزيمة تنظيم “الدولة” تقوم بخلق الظروف لولادة تنظيم “الدولة رقم 2”. فبدلا من التركيز على بناء مؤسسات الدولة يقوم الساسة بالتركيز على بناء القصور والتحدي الأكبر لهذه الأنظمة هو كيفية بناء نظام سياسي يستقي شرعيته من الشعب.

مرحلة خطرة

وتعتقد مجلة “إيكونوميست” (12/10/2019) أن الديمقراطية العراقية الناشئة تواجه أخطر مراحلها، والحكومة العراقية تبدو عاجزة عن وقف الاحتجاجات. فرغم مواجهة الحكومة في السنوات الماضية انتفاضات في مناطق السنة ومطالب انفصالية في المناطق الكردية إلا أن التظاهرات في الجنوب، قلب الوجود الشيعي قد تكون أعظم تحد لها. فما بدأ كتظاهرات صغيرة للعاطلين عن العمل وتجار شنطة كبر وتحول إلى احتجاجات ضخمة. وهو ما دعا بعض الدبلوماسيين الغربيين للتساؤل عن قدرة عبد المهدي السيطرة على الوضع من جديد. فرغم زيادة موارد النفط والأمن الاجتماعي النسبي بعد سنوات من الحرب الأهلية، لم تكن الحكومة قادرة على مواجهة معدلات الفقر العالية أو زيادة البطالة بين الشباب التي تصل إلى 25 في المئة فيما لا تزال المناطق التي دمرتها الحرب على حالها. مشيرة إلى أن عبد المهدي كشف في الأيام القليلة الماضية عن عدد من الإجراءات مثل توزيع الأراضي وزيادة الضمان الاجتماعي وتعهد بمكافحة الفساد ومعاقبة المسؤولين عن العنف إلا ان قلة من العراقيين يصدقون وعوده لأن المشكلة كما تقول هي في تصميم الحكومة، فعد الإطاحة بصدام حسين عام 2003 أرادت أمريكا منع ظهور رجل قوي في العراق إلا أن النظام الجديد سمح للأحزاب الطائفية والعرقية السيطرة على البلد. وتقوم هذه بالحصول على الوظائف وتوزيعها على الموالين وتتعامل مع الوزرات كآلات صرف آلي، ورئيس الوزراء نفسه مدين بوظيفته للحزب الذي عينه، ولهذا فليس في وضع لمواجهة زملائه. ومع أن الإحباط الاقتصادي والسياسي هو في قلب مطالب المحتجين إلا أن الغضب موجه ضد إيران التي ينظر إليها كمؤثر قوي على الحكومة. وفي الوقت نفسه لا تقوم أمريكا إلا بجهد قليل لمواجهة تأثيرها. وقررت الخارجية الأمريكية إجلاء مئات من الدبلوماسيين العاملين في العراق في أيار (مايو) وذلك بعد تلقيها معلومات استخباراتية عن هجمات محتملة من إيران أو وكلائها لضرب مصالح أمريكية في المنطقة. وزادت من عملية الإجلاء بعد ضربات على موقع تستخدمه شركات النفط الدولية والقواعد العسكرية الأمريكية التي يعمل منها الأمريكيون. ويقول المراقبون أن السفارة الأمريكية في بغداد التي كانت أكبر سفارة لواشنطن في العالم لم يعد يعمل فيها إلا مجموعة من الدبلوماسيين الذين لا يغادرونها إلا نادرا. وفي الماضي كان المحتجون يستمعون لنصائح المرجعية في النجف، جنوب العراق إلا أن آية الله علي السيستاني يفقد سلطته كحكم بين الحكومة والجماهير. ويتم تلقي دعواته في خطب الجامعة المطالبة بالاعتدال بنوع من السخرية. ويقول محتج في البصرة “لا تقف المرجعية مع الشعب” ورجالها “يعيشون من أموال الحكومة”.

وفي السياق فقد رجل الدين مقتدى الصدر طريقه وهو الذي كان يتحدث نيابة عن المحرومين. ومع أن كتلته “سائرون” فازت بمعظم مقاعد البرلمان العام الماضي إلا أنه ومنذ دخول حزبه الحكومة، يقضي معظم وقته في إيران، في إشارة كما يقول المتظاهرين على ضمه للمحور الإيراني. وفي مواجهة هذا يقول عبد المهدي “لا يوجد حل سحري” ويتم إلقاء قنابل حارقة على مقرات الأحزاب ويقول المسؤولون إنهم يتعرضون للهجوم، وهناك من يتحدث بتشاؤم عن وضع يشبه سوريا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية