بغداد-“القدس العربي”: أثارت الحملة التي تشنها هيئة الحشد الشعبي لإغلاق مقرات وصفتها بغير الرسمية والوهمية لجماعات مسلحة، تساؤلات عن حجم الميليشيات ومدى التزامها بالقانون وعلاقتها بالأحزاب والقوى السياسية المتنفذة، وسط تذمر شعبي من استغلال تلك الجماعات لغطاء الحشد الشعبي في ارتكاب جرائم الابتزاز والاعتداء على المواطنين والتدخل في شؤون الحكومة.
وكشفت حملة هيئة الحشد الشعبي التي تضم فصائل مسلحة أغلبها شيعية وتتمتع بغطاء حكومي، جملة من الحقائق وأثارت العديد من التساؤلات عن الأعداد الكبيرة من التنظيمات المسلحة التي تنتشر في المدن العراقية وتتستر بغطاء الحشد وتمارس نشاطات غير قانونية.
فقد أعلنت هيئة الحشد الشعبي عن قيام قواتها باقتحام وإغلاق أكثر من عشرة مقرات في العاصمة لتنظيمات تخزّن السلاح وتحمل هويات مزورة تدعي انتماءها إلى فصائل الحشد، في وقت تؤكد مصادر مطلعة وجود عشرات المقرات الأخرى المشابهة في جميع المدن العراقية.
وأكدت تصريحات الناطق الرسمي باسم الهيئة النائب أحمد الأسدي بأن المقرات التي تمت مداهمتها تعود لفصائل مسلحة لا تتمتع بصفة رسمية داخل الحشد، ولكنه أقر بأن تلك الفصائل موجودة في العراق منذ سنوات مثل فصيل “لواء أبو الفضل العباس” دون أن يبين كيفية مشاركة هذا الفصيل في المعارك ضد تنظيم “داعش” ضمن الحشد الشعبي ما دام هو غير رسمي، ولماذا تأخر غلق تلك المقرات لسنوات، رغم وجود قرار من الهيئة بإخراج مقرات الفصائل المسلحة التابعة لها من المدن؟
وأثارت هذه الحملة جملة تساؤلات مشروعة في الشارع العراقي، منها كيفية سكوت الحكومة عن وجود مقرات علنية لفصائل مسلحة لا تتمتع بغطاء رسمي وسط المدن وتقوم بابتزاز التجار وأصحاب الشركات والمواطنين دون رادع منذ سنوات وحتى قبل ظهور تنظيم “داعش” عام 2014 ومن هي الجهات السياسية التي توفر لها الحماية مقابل تقديم خدمات متبادلة بينها، ولماذا سكت القضاء والأجهزة الأمنية عن ملاحقة ومعاقبة هذه الفصائل عن نشاطاتها غير القانونية؟
وثمة تساؤل هام عن دور الفصائل المسلحة في فرض مفهوم (الدولة العميقة) التي يقر الجميع بوجودها وتداخلها مع الأجهزة الحكومية لتمتعها بدعم سياسي من بعض القوى المتنفذة.
وتشير مصادر مطلعة في بغداد، إلى أن أوامر إغلاق المقرات غير الرسمية لبعض الفصائل المسلحة جاءت مباشرة بعد الاجتماع الأخير قبل أيام بين رئيس الحكومة عادل عبد المهدي ورؤساء الفصائل المنضوية ضمن الحشد الشعبي، وبحث خلاله طبيعة عمل فصائل الحشد وبعض التحفظات على تجاوزات ترتكبها بعض الفصائل وتسيء إلى الحشد والحكومة.
ويقول العراقيون إن إغلاق بعض المقرات جاء بعد تصاعد التذمر الشعبي من حجم الابتزاز والتدخلات لبعض الميليشيات في المشاريع والعقود الحكومية والأهلية والمنافذ الحدودية وتهريب النفط وغيرها، باعتراف بعض النواب والأحزاب للحصول على عائدات مالية كبيرة جعلت الكثير من أصحاب المشاريع يغلقون مشاريعهم ويحولون أموالهم للاستثمار في الخارج بحثا عن البيئة الآمنة، كما جعل الشركات الأجنبية تتردد في الاستثمار في العراق.
وتباينت ردود الأفعال على حملة إغلاق مقرات بعض الميليشيات بين ترحيب عام لاتخاذ إجراءات بحق تلك الفصائل رغم تأخرها كثيرا، وبين دفاع بعض قادة الفصائل عن عملها مدعين مشاركتها في القتال ضد “داعش”.
وحاول بعض قادة الفصائل التي شملتها الحملة تحريك مؤيديهم وعشائرهم لدعمهم وحمايتهم، عبر تنظيم التظاهرات الصغيرة وإطلاق التهديدات، إلا أن تأثيرها كان محدودا لعدم تمتعه بغطاء سياسي فاعل.
وبينما أعلن القيادي في منظمة بدر كريم النوري، في تصريح صحافي، ان “إغلاق مقرات الحشد الوهمية لا يعني وجود تصفية حسابات” مقرا بأن “هناك من يستغل اسم الحشد الشعبي لابتزاز رجال أعمال” فان القيادي في الحشد الشعبي معين الكاظمي، كشف “أن غلق مقار وهمية تنتحل صفة الحشد جاء بسبب وجود انتهازيين وتجار للحروب حاولوا استغلال النصر على “داعش” وفتحوا مقار لابتزاز الآخرين أو الاستفادة الاقتصادية منها” مؤكدا أن قرار الغلق متخذ منذ فترة لمعالجة هذه الحالات السلبية .
إلا أن عضو ائتلاف دولة القانون محمد العكيلي، كان أكثر صراحة عندما دعا إلى سحب سلاح القوى السياسية التي لديها ممثلين داخل مجلس النواب العراقي. وقال في حديث للشرقية نيوز “ان هناك قوى سياسية لديها شرعية تحت قبة البرلمان إلا أن لديها مقرات تحتوي على أسلحة خارج إطار الدولة” محذرا من أن السلاح المنفلت يهدد الدولة العراقية من الداخل.
ويذكر أن مشاركة الحشد الشعبي في الحرب ضد تنظيم “داعش” عام 2014 أتاحت فرصة تاريخية لبعض الفصائل المسلحة في الحصول على غطاء ودعم حكومي، رغم وجودها قبل سنوات من ظهور التنظيم الإرهابي في العراق.
ومن المؤكد أن حملة إغلاق مقرات بعض الفصائل المسلحة سواء كانت محاولة للحد من تجاوزاتها أو تصفية حسابات أو إعادة ترتيب أوضاع الحشد، فأنها جاءت متأخرة ولن تؤثر على الإرادة السياسية لبعض القوى المتنفذة لتعزيز مكانة الحشد كمؤسسة يراد ان يكون لها ثقلها العسكري والسياسي في المشهد العراقي، وبصورة مقاربة لتجربة حزب الله اللبناني، بالرغم من الضغوط الأمريكية لتقليم أظافر الحشد وإبعاد التأثير الإيراني عن بعض فصائله المرتبطة به عقائديا وتاريخيا.