بغداد-“القدس العربي”:بدأت الحكومة والبرلمان العراقي حراكا جديدا لفتح ملف استرداد الأموال العراقية المجمدة والمنهوبة في الخارج، وسط شكوك بجدوى فتح الملف مع استمرار ضياع المليارات من الدولارات جراء سوء إدارة الأموال والفساد المستشري في أجهزة الدولة.
وخلال استضافته في مجلس النواب، أكد رئيس مجلس الوزراء عادل عبد المهدي، أن الحكومة بدأت في تنفيذ الخطط الكفيلة باسترداد الأموال المنهوبة في الخارج.
وأقر عبد المهدي إن “الفساد ذا تأثير مدمر على التنمية والاستثمار، وان حجم وتداعيات الفساد خطيرة كونها تنخر مؤسسات الدولة وعطلت التنمية والإعمار وساعدت على نمو الإرهاب وانتشاره” مبينا ان “تراكم مسببات الفساد منذ العقود السابقة والحصار الاقتصادي وبعض السياسات الخاطئة المتبعة ساهمت في انتشار الفساد”.
وأشار إلى “اتخاذ الحكومة خطوات على الصعيدين الوقائي والردعي من خلال تقديم الدعم للأجهزة الرقابية وخاصة هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية وتقديم العون الفني والمالي لهما ومراجعة سياستهما بما يتوافق مع المرحلة الراهنة” مبينا أن “الحكومة شرعت في إعداد استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفساد بمشاركة الوزارات والجهات الحكومية حيث تعتزم كل من هيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية تقديم المسودة الأولية لها” داعيا النواب إلى المشاركة في إنضاج الاستراتيجية.
ولفت إلى “بدء الحكومة في تنفيذ الخطط الكفيلة باسترداد الأموال المنهوبة في الخارج” مشيراً إلى أن “تفعيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد يمثل امتدادا لعمل المجلس الذي تم تأسيسه في 2007 وحمل أسما آخر ليتولى التنسيق بين أجهزة مكافحة الفساد وتوحيد جهودها والتنسيق بين السلطة التنفيذية والتشريعية حتى تثمر النتائج عن سياسة موحدة ومنسقة لمكافحة الفساد”.
وشرح ان أمام الحكومة الكثير من ملفات الفساد أبرزها تهريب النفط والعملة الصعبة والآثار والإتجار بالبشر والمنافذ الحدودية وغيرها من المواضيع.
وأكد رئيس الجمهورية برهم صالح، خلال الاستضافة في البرلمان “أن تهيئة تشريعات حازمة وصارمة عمل أساسي ومشترك ما بين السلطات الثلاث لوقف الفساد وغلق منافذه ومكافحة وسائله واستعادة الأموال المهربة والمسروقة” مشيرا إلى ان الفساد كما الإرهاب يعيق البناء والتطوير، مشدداً على أهمية العمل التضامني والتكافلي ما بين السلطات وخصوصاً السلطتين التشريعية والقضائية.
وشدد انه “يجب تفعيل الدور الرقابي للبرلمان على أسسٍ مهنية متحررة من الغرض السياسي وسواه” مبيناً ان “كل جهودنا في مختلف مواقعنا ستهدر من دون عمل مسؤول وشجاع ضد الفساد والمفسدين، ويجب إدراك أن صبر المواطنين لن يكون مفتوحاً”.
وبالتزامن مع هذا الحراك أعلنت هيئة النزاهة، ان العراق استرد 12 مليون يورو من اسبانيا من أموال النفط المجمدة منذ عهد النظام السابق، حيث تمثل تلك المبالغ قيمة شحنات نفطية مجهزة من قبل وزارة النفط لإحدى الشركات الاسبانية عام 1988.
وأشارت الهيئة إلى أن تلك الأموال كانت مجمدة بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي، وأنه تم توقيع مذكرة تفاهم بين الحكومتين العراقية والاسبانية لاسترداد الأموال المذكورة على شكل عقود لمصلحة وزارة الصناعة والمعادن.
كما صوت البرلمان على صيغة قرار من حيث المبدأ لإلغاء مكاتب المفتشين العموميين وتفعيل دور الادعاء العام بعد كشف العديد من النواب ان المفتشين العامين في الوزارات أصبحوا جزءا من الفساد في دوائرهم كما انهم يشكلون حلقة إدارية زائدة لا جدوى منها وتهدر المال العام.
ويذكر أن الحكومة العراقية ضمن محاولاتها لدعم الميزانية بموارد مالية لتقليل العجز فيها، شكلت فريقا فنيا مساندا لهيئة النزاهة هدفه محاولة استرداد الأموال العراقية في الخارج، ويضم في عضويته مكتب رئيس الوزراء ووزارات الخارجية والعدل والنفط، إضافةً إلى الادعاء العام والهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة وجهاز المخابرات الوطني، لاسترداد أموال عائدة للنظام السابق كانت مودعة في المصارف الأردنية واللبنانية وغيرها.
وكان البرلمان أصدر قانونا لاسترداد الأموال العراقية المجمدة أو المنهوبة من مسؤولين فاسدين، إلا انه لم يكن فاعلا بسبب دعم القوى السياسية للعناصر الفاسدة التي هربت المليارات من الدولارات إلى الخارج ولعدم وجود اتفاقيات بين العراق والدول الأخرى لاسترداد تلك الأموال.
وكشف النائب عن كتلة سائرون رياض المسعودي ان قانون استرداد الأموال العراقية يسمح باسترداد الأموال وهذا ما نؤكده داخل البرلمان وخارجه، مشيرا إلى وجود قانون سابق ولكن الجديد فيه إضافات جديدة تتعلق باسترداد الأموال كافة سواء كانت بعد عام 2003 أو قبله، مؤكدا ان ضرورة هذا القانون تكمن في أنه سوف يحجم ويرفع الغطاء عن الكثير من الشخصيات الفاسدة التي أثَرت من المال العام.
وحول حجم وتفاعل العالم مع قانون استرداد الأموال العراقية بيّن المسعودي: “كل دول العالم سوف تتفاعل مع هذا القانون عدا الدول المنتفعة منه إذ ان الكثير من الأموال العراقية تستثمر في الأردن وتركيا والإمارات ومصر ولبنان وهذه الدول لن تتفاعل بشكل إيجابي ولكن هناك دولاً أوروبية سوف تتفاعل مع هذا القانون”.
وقال النائب عن كتلة التغيير هوشيار عبد الله، إن قانون استرداد الأموال العراقية الموجودة في الخارج سوف يشمل البحث عن كل الأموال سواء كانت كدور وعقارات أو الأموال الخاصة والعامة في المصارف الخارجية، منوها إلى محاولات لتعديل قانون صندوق “استرداد أموال العراق” حيث لا بد ان يكون هناك تحركا من العراق، كما أن سبب عدم وجود نوع من الغطاء التشريعي للأموال العراقية لأن هناك نوعا من التلكؤ ولكن التعديل الموجود الآن جاء بسبب هذا التلكؤ التشريعي وسوف تكون هناك خطوات فاعلة في هذا الاتجاه.
النائب عن كتلة المحور الوطني عبد الله الخربيط، أكد على أن استرداد الأموال العراقية المهربة في الخارج أهم لدينا من استكمال التصويت على الوزارات.
ويقول عدنان الصالحي مدير مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية إن” قضية ضياع الأموال وحالة الفساد في العراق شيء غير اعتيادي، مخرجات العملية السياسية مشوهة وغير سليمة، أين هي المؤسسات النظيفة كي ننطلق من خلالها؟ في اعتقادي وصلنا إلى مرحلة اليأس من العملية السياسية والعودة إلى المربع الأول وإصلاح الدستور وحتى قضية الانتخابات يجب ان تجري تحت اشراف أممي ومتابعة دولية. وأخيرا لا أخشى على الأموال في الخارج بل كل خوفي على الأموال التي داخل البلد”.
ومن أجل تفعيل إجراءات استرداد الأموال من الخارج، طالب الخبير القانوني طارق حرب بزيادة مبلغ المكافأة لمن يبلغ عن تلك الأموال لكي تصل إلى 50 في المئة لأجل ضمان استردادها، مقرا أن الأموال العراقية التي تم تهريبها إلى الخارج تكاثرت وازدادت عما كانت عليه قبل عام 2003.
وذكر حرب في بيان صحافي ان “اللجنة التي شكلها مجلس الوزراء لاسترداد الأموال العراقية الموجودة في الخارج، ليست اللجنة الأولى، إذ سبق ذلك وجود لجان وجهات انيط بها استرداد الأموال الحكومية كما هو موجود في هيئة النزاهة وفي البرلمان وفي وزارة الخارجية وفي وزارة العدل”.
وطالب حرب “زيادة مبلغ المكافأة المالية لمن يقدم معلومات أو يساعد في الوصول إلى هذه الأموال إذ بدون هذه الزيادة للمكافأة ستكون نتائج هذه اللجنة متواضعة كحال اللجان السابقة، لكن منح مكافأة مالية بما يساوي 50 في المئة من الأموال المستردة والمسترجعة ستكون فعالة في استرداد الأموال”.
وأشار إلى أن “الأمر يتطلب قرارا جريئا بمنح مثل هذه النسبة أو أكثر حيث ستكون دافعا وباعثا للجميع من مصارف وشركات ومنظمات وأفراد وحتى دول بإعادة الأموال العراقية من الخارج لا سيما وأن هذه النسبة ستدفع بهذه الجهات إلى مساعدة الحكومة العراقية استرداد أموالها من الخارج” منوها إلى أن “قرارات مجلس الأمن الدولي التي صدرت طبقا للفصل السابع ابتداء من القرار (1483) لسنة 2003 توجب على جميع الدول والمنظمات والشركات والأفراد التعاون مع الحكومة العراقية لاسترداد أموالها الموجودة في الخارج”.
ويتفق العراقيون على أن الأموال المهربة بعد 2003 أكبر بكثير من الأموال المجمدة التابعة للنظام السابق، حيث ان الحجم الهائل لمليارات الدولارات التي نهبها المسؤولون الفاسدون بعد 2003 وهربوها للخارج قد جرى اخفاء أثرها بوسائل معقدة منها تسجيلها كأرصدة بنكية باسماء مختلفة أو شراء عقارات أو إنشاء شركات أو أسهم وغيرها، كما ان ارتباط الفاسدين بالأحزاب السياسية جعل من ملاحقتهم أمرا صعبا في غياب الإرادة السياسية، إضافة إلى وجود ثغرات في القوانين المالية العراقية، ما يجعل تحقيق هذا الهدف شبه مستحيل، مع التأكيد أن المشكلة لا تكمن في تشكيل لجان أو صدور قرارات بقدر ما تتعلق بالحرص على تطبيقها باخلاص وحرص على المال العام.