العراق: معركة استعادة المنافذ الحدودية خطوة الكاظمي الأولى لمحاربة الفساد وإنقاذ الاقتصاد

مصطفى العبيدي
حجم الخط
0

لا يقتصر هدف السيطرة على المنافذ الحدودية، الشريان الاقتصادي الثاني بعد النفط، على فرض سلطة القانون واستعادة مبالغ هائلة تنهبها حيتان الفساد بل تهدد أهم مصادر تمويل الأحزاب وميليشياتها.

 

بغداد-“القدس العربي”: مع بدء رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي، حملته ضد فساد المنافذ الحدودية، التي تهدر فيها مليارات الدولارات سنويا، أشعلت أحزاب السلطة ومافيات الفساد، حربا مسعورة من الضغوط والتهديدات، في جميع الاتجاهات، لإحباط تحركات الحكومة، وللمحافظة على أهم مصادر تمويل تلك الأحزاب وميليشياتها.

ويخوض الكاظمي سباقا مع مافيات الفساد لكسب معركة البقاء، متنقلا بنفسه من المنافذ الحدودية مع إيران في ديالى، إلى الموانئ في البصرة، وموجها القوات الحكومية بمسكها وإبعاد عصابات الفساد عنها، مع إقالة مسؤوليها المقصرين، إضافة إلى زيارته كربلاء لافتتاح مشاريع جديدة، وتزويد أصحاب مولدات الكهرباء الأهلية بالوقود مجانا لزيادة توليد الطاقة للمواطنين لتخفيف الأزمة، وغيرها من الإجراءات، وسط تصريحاته المتكررة عن “أن الفساد وسوء الإدارة أهدرت المليارات من الدولارات سنويا” وتأكيد نيته محاربة الفساد و “إعادة هيبة الدولة”.

وقد جاءت تحركات الكاظمي لإصلاح الفوضى الإدارية والأمنية على المنافذ الحدودية، التي أسفرت عن هدر هائل في موارد الدولة، استجابة للأزمة المالية التي تعصف بالبلد، وبعد تصاعد الأصوات المطالبة بضرورة تحرك الحكومة على ملف المنافذ، ومنها ما أشار إليه النائب ظافر العاني في تغريدة له، “أن في العراق 36 منفذا حدوديا يقدر الخبراء وارداتها بـ 13 مليار دولار سنويا، يصل للدولة منها مليار واحد، فيما يذهب 12 مليار إلى للفاسدين من الأحزاب والميليشيات”. فيما أكدت النائبة الكردية السابقة سروة عبد الواحد في تغريدة على ” تويتر” أن شعب إقليم كردستان غير مستفيد من ثروات الإقليم سواء كان النفط أو الايرادات المحلية أو المنافذ الحدودية، المستفيد هو أحزاب السلطة التي تسيطر على كل شيء منذ 1992. نحتاج إلى قررات حاسمة لإعادة الثروة لأصحابها وهو المواطن”.

ولا يقتصر هدف السيطرة على المنافذ الحدودية التي تعتبر الشريان الاقتصادي الثاني بعد النفط وتمثل 12 في المئة من اقتصاد العراق، على إعادة فرض سلطة القانون عليها، واستعادة مبالغ هائلة كانت حيتان الفساد والأحزاب تنهبها من الدولة منذ الاحتلال الأمريكي 2003 بل أن أهمية خطوة الكاظمي كونها تهدد أحد أهم مصادر تمويل الأحزاب وميليشياتها، إضافة إلى أنها تأتي ضمن خطته “لإصلاح النظام المالي والإداري للتحرر من عبودية النفط الذي يشكل حاليا 95 في المئة من موارد الميزانية”.

وبالرغم من الدعم الشعبي والسياسي الواسع لتوجه الحكومة نحو ملف المنافذ الحدودية، إلا أن أحزاب السلطة ومافيات الفساد المدعومة من الميليشيات، لا تبدو مستعدة للتخلي عن دجاجة تبيض لها ذهبا لا ينقطع، ولذا بادرت إلى تحريك العديد من الملفات الداخلية لممارسة الضغوط، ضمن سيناريو لإفشال خطط الكاظمي. وفي هذا السياق، استغلت أحزاب السلطة أزمة مزمنة يعيشها العراقيون كل صيف نتيجة الفساد وسوء الإدارة في الحكومات السابقة، وهي ضعف خدمة الطاقة الكهربائية التي تتزامن مع تجاوز درجات الحرارة الخمسين درجة، فقامت بتحريك الشارع، وخاصة في مناطق الوسط والجنوب، لكي يخرج المواطنون الغاضبون في تظاهرات واعتصامات وقطع الطرق الخارجية وتعطيل حركة المواصلات، احتجاجا على تردي الخدمات، بالتزامن مع قيام مسلحين مجهولين بتخريب شبكة الكهرباء لتعميق أزمة الطاقة وتحريض الناس. كما تصدت قوات الأمن، للاجئين الرفحاويين (الذين فروا إلى رفحاء السعودية بعد التمرد المسلح عام 1991) وذلك أثناء محاولتهم دخول العاصمة للتظاهر قرب المنطقة الخضراء، للاحتجاج على قرار الحكومة بترشيد رواتبهم وإلغاء تعددها. وذكرت المصادر أن الأحزاب قامت بنقل المتظاهرين وتشجيعهم على مهاجمة المنطقة الخضراء للضغط على الحكومة وخلق المزيد من الأزمات لها، حسب اعتراف نائب رئيس الوزراء السابق بهاء الأعرجي، الذي أكد “ان تظاهرات رفحاء تقف وراءها جهات سياسية”.

ومن جانب آخر، قوبل تحرك الحكومة لإعادة النظر بتراخيص شركات الاتصالات التي تحرم الدولة من مبالغ مالية ضخمة، بانتقاد جهات مستفيدة من تلك الشركات، وسط حملة تهديد من نواب شيعة، للكاظمي بأن الكتل السياسية قد تتجه لإقالة الحكومة إذا واصل سياسته الحالية.

ولم تكن كتائب حزب الله العراقية، بعيدة عن المشهد عندما أعلنت “كامل الجهوزية للعمل العسكري الواسع لإجبار القوات الأمريكية على الخروج من البلاد، داعية إلى استمرار الضغط الشعبي والسياسي بهذا الاتجاه” بهدف إفشال محادثات الحوار الاستراتيجي بين العراق والولايات المتحدة المقررة في واشنطن هذا الشهر، في وقت شنت فيه مجاميع مسلحة، هجمات على قوافل تنقل دعم لوجستي للقوات الأمريكية في قواعدها في العراق، إضافة إلى تهديدات بمعاودة قصف الكاتيوشا عليها.

وبدورها، أقرت بعثة الأمم المتحدة، بصعوبة إجراء الانتخابات المبكرة في العراق التي يطالب بها المتظاهرون، وذلك لاستمرار الخلافات بين الأحزاب السياسية، التي لا تريد الذهاب إلى صناديق الاقتراع مبكراً، وذلك لقناعتها بنقمة الشعب على أداءها الذي أوصل البلد إلى حافة الانهيار.

وهكذا يتضح ان معركة السيطرة على المنافذ الحدودية هي الخطوة الأولى في معركة شرسة متعددة الاتجاهات لمحاربة الفساد بأشكاله، وستكون مقياسا لقدرة حكومة الكاظمي على انتزاع موارد مالية هائلة تستحوذ عليها أحزاب السلطة ومافيات الفساد منذ 2003 وسط قناعة بأن الخطوة الصحيحة للحكومة يجب ان تبدأ أولا بتجريد الأحزاب وميليشياتها من السلاح لضمان خلع مخالب الفساد وفرض القانون وهيبة الدولة، وهو أمر يبدو الآن صعب التحقيق لحكومة بغداد.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية