العراق وأفغانستان كانا الصدمة الحربية ما بعد حرب فيتنام وعلى امريكا التمهل قبل التطلع إلى حرب جديدة ضد إيران

حجم الخط
0

زهير أندراوس الناصرة ـ ‘القدس العربي’: التزمت الدولة العبرية رسميا التعقيب على انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وامتنع المسؤولون وصناع القرار من إبداء رأيهم في هذه القضية، ربما لعدم تأزم العلاقات مع الحليفة الإستراتيجية الأولى، الولايات المتحدة، ولكن الإعلام العبري، المتطوع لصالح ما يُطلق عليه في إسرائيل الإجماع القومي الصهيوني عكس في الأيام الأخيرة موقف النخبة الحاكمة في تل أبيب، دون الإشارة إليها.

فعلى سبيل الذكر لا الحصر، نشر موقع صحيفة ‘يديعوت أحرونوت’ على الإنترنت تقريرا عن الانسحاب كتبه مراسله في واشنطن، إسحاق بن حورين، جاء فيه إن الانسحاب الأمريكي من العراق حصل وذيل الجيش الأمريكي بين قدميه، في دلالة على الفرار، وزاد أنه بعد مرور تسع سنوات على حفل إعلان الانتصار التي أجراه جورج بوش بعد الغزو الصاخب للعراق بإخراج هوليوودي، يخرج الأمريكيون اليوم، في نهاية 2011، من العراق وذيلهم بين أرجلهم، أكثر ضعفاً ومع 4474 قتيلاً، على حد تعبيره.

وزاد قائلاً إنه بات واضحاً بنحو كامل كم كانت الحرب في العراق غبية، وأجرى المراسل مقارنة بين ما فعله بوش والطريقة التي يقارب بها أوباما نهاية الحرب، فيلفت إلى أن الأخير يرفض الإعلان الاحتفالي عن استكمال المهمة، ويفضل عوضاً عن ذلك التقدم من الشعب الأمريكي ببشرى وفائه بوعده الانتخابي بشأن إنهاء التورط الأمريكي في العراق، وذلك طمعاً في أن يثير ذلك مشاعر قواعده الانتخابية ويخرجهم من لا مبالاتهم.

علاوة على ذلك، أشار المراسل الإسرائيلي إلى أن الرئيس أوباما، على الرغم من كل شيء، لم يكن يريد أن يجري الانسحاب بهذا الشكل، وكان يأمل أن يُبقي آلاف الجنود لضمان المصالح الأمريكية، وإذ لم يتمكن من ذلك، فإن خروج الجيش الأمريكي سيُخلي الأرض لإيران ويسمح لها بزيادة نفوذها في الدولة المجاورة، وخلص إلى القول إنه هكذا انتهت حرب لا طائل منها كسرت توازن الرعب الإقليمي بين العراق وإيران ومنحت الجمهورية الإسلامية مكانة الامتياز الإقليمي، على حد تعبيره.

من ناحيتها قالت صحيفة ‘هآرتس’ إن الاحتفالات البهيجة، طي العلم الأمريكي (وانحراقه في مدينة الفلوجة)، أيام الذكرى والعودة الانفعالية للجنود الأمريكيين إلى وطنهم، تنهي فصلا مأساويا في تاريخ الولايات المتحدة والعراق.

وزادت: عد نحو تسع سنوات من إرسال الرئيس بوش قواته للبحث عن أسلحة الدمار الشامل السبب الرسمي لإعلان الحرب أكثر من مئة ألف عراقي قتيل ونحو 4.500 جندي أمريكي عادوا إلى ديارهم بالتوابيت، وإنفاق مبالغ طائلة، نحو تريليون دولار حتى الآن الوقت لإجراء حساب النفس، الدم والجيب لتلك الحرب. العراق لم يصبح دولة أكثر أمانا. كما أن ديمقراطيته موضع خلاف. فهو أحد الدول الأكثر فسادا في العالم (المرتبة 175 من أصل 178 دولة)، تملك احتياطات النفط الرابعة في حجمها في العالم، ورغم ذلك لا تنجح في توفير الكهرباء بانتظام لمواطنيها. جودة الخدمات العامة والأمن الشخصي التي تمنحها لهم، تضعها في مصاف واحد مع أسوأ الدول. وأضافت الصحيفة العبرية أن الحرب في العراق كانت لها مهمة إقليمية هامة، ليكون دولة فاصلة في وجه انتشار النفوذ الإيراني في المنطقة. وكان يفترض به أن يتطور إلى دولة مستقلة من ناحية اقتصادية، وينضم كدول قوية وديمقراطية إلى السور العربي في مواجهة إيران. أما النتيجة فمعاكسة. العراق هو الحليف الأهم لإيران في المنطقة، اقتصاديا وسياسيا، وهو لا يزال يعتبر دولة مشبوهة في الجامعة العربية، والصراعات الداخلية فيه لا تضمن مستقبل التحالف بينه وبين الولايات المتحدة. رغم ذلك فان العراق بعد إسقاط الدكتاتور صدام حسين ليس دولة ضائعة. فهو يسيطر على طاقة كامنة اقتصادية هائلة وينجح حاليا في تسوية الأمور بين السياسة القبلية والطائفية والإدارة الوطنية التحدي الهائل في دولة تمسك فيها الأقليات قوتها السياسية والعسكرية الخاصة بها. وخلصت الصحيفة إلى القول: ولكن فضلا عن مستقبل العراق فاإن الحرب فيه لقنت الولايات المتحدة والمنطقة درسا استراتيجيا عسيرا. العراق وافغانستان كانا الصدمة الحربية ما بعد حرب فيتنام. صدمة ينبغي أن تقف أمام ناظري كل من يتطلع إلى حرب جديدة ضد إيران.

في نفس السياق، ربطت صحيفة ‘معاريف’ بين تزامن الذكرى السنوية الأولى للربيع العربي وما أسمته بالفرار الأمريكي من العراق، وقال محلل الشؤون العربية في الصحيفة وفي التلفزيون الإسرائيلي، عوديد غرانوت، إن ما بدأ قبل تسع سنوات كاستنفار أميركي يستهدف إطاحة الدكتاتور صدام حسين، وإقامة ديمقراطية حقيقية في العراق تكون حليفة واشنطن في الشرق الأوسط، تقلص تحت حكم (الرئيس الأمريكي باراك) أوباما إلى هدف أكثر تركيزاً: الانصراف من العراق بكرامة، وبالحد الأدنى من الإهانة بما يسهل عملية انتخاب أوباما لولاية ثانية.

ورأى المحلل أيضًا أن القوات الأمريكية تركت عراقًا خلفها غير مستقر مع بُنية تحتية سياسية متهالكة وتوتر طائفي، عرضة للتآمر المتعاظم والنفوذ القوي من جانب إيران الشيعية المجاورة، والاستنتاج الذي يترتب على ذلك، وفقاً للمحلل أن قطع رأس دكتاتور عربي بوسائل عسكرية أسهل من تغيير ميزان القوى الداخلي في أي دولة لخلق قاعدة للديمقراطية واحترام حقوق الإنسان بالتدخل الخارجي. ويُسقط غرانوت استنتاجه هذا على الواقع المصري، مشيراً إلى أنه لو فهمت الإدارة الأمريكية هذا الدرس العراقي، لما سارعت قبل عام إلى غرس سكين في ظهر الدكتاتور (حسني) مبارك وطالبته بحزم بالتنحي فوراً، قبل أن تتأكد من أسس إقامة ديمقراطية حقيقية في مصر، يتمتع فيها المواطنون، بمن فيهم الأقليات، بالحقوق الكاملة والمساواة، على حد تعبيره.

وخلص المحلل إلى القول إن الاتجاه العام لا يبشر بالخير للغرب ولإسرائيل. فالتدخل الأمريكي للإطاحة بالدكتاتوريين في الشرق الأوسط واستبدالهم بأنظمة ديمقراطية لم يثبت نفسه بعد كأمر ناجع، مع صعود التيارات الإسلامية، ولم يجعل من أمريكا حبيبة للشارع العربي، على حد تعبيره. وخلص إلى القول: إن الفرار الأمريكي من العراق وامتناع واشنطن عن عمل حازم ضد إيران المتحولة نووياً ترك أثرا جدياً في صورة الولايات المتحدة كقوة عظمى مصممة على الدفاع بأي ثمن عن مصالحها وعن حلفائها في المنطقة، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن السعودية، الحليف الأفضل لأمريكا في الشرق الأوسط، فهمت منذ الآن أنه ليس لديها ما تعتمد عليه في المواجهة مع إيران، لذلك بدأت تتصرف كفاعل كبير في المنطقة: فأرسلت قوات عسكرية إلى البحرين لمنع سقوطها في يد القوى المؤيدة لإيران، وضمت الأردن، لكونه جزءاً من الجبهة المعتدلة، إلى الحلف الدفاعي لدول الخليج، وتنكرت تماماً لبشار الأسد، الذي ارتبط بمحور الشر.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية