العراق واربع سنوات ممانعة ومقاومة وشموخ
عوني فرسخالعراق واربع سنوات ممانعة ومقاومة وشموخ في التاسع من نيسان/ ابريل 2003 دخلت قوات التحالف بقيادة امريكية بغداد، وكان اول ما اقدمت عليه اسقاط تمثال الرئيس العراقي صدام حسين في ساحة الفردوس، في اعلان مسرحي عن سقوط نظامه. وفي استكمال الاخراج المسرحي لانتصار التحالف الذي يقوده الرئيس بوش وضعت صور خمسة وخمسين من اركان النظام العراقي علي اوراق اللعب، في اشارة الي انهم لم يعودوا اللاعبين الاساسيين علي المسرح وانما غدوا موضوع لعب الممثلين الجدد علي خشبته. ولم تكن المفاجأة يومها سقوط نظام كان سقوطه مؤكداً، وانما كانت المفاجأة انطلاق المقاومة غداة الاحتلال، مؤذنة بان ارادة شعب العراق لم تسقط، وانه مقبل علي صراع ارادات مصيري. والسؤال بعد اربع سنوات من اسقاط نصب الرئيس العراقي: ماذا حقق اطراف الصراع من انجازات، وما هي احتمالات المستقبل في عراق حمورابي والرشيد؟وبداية الاحظ ان النظام لم تسقطه انتفاضة شعبية، حتي ولو برتقالية الرايات، ولا انقلاب عسكري مؤيد جماهيرياً وملتزم باهداف وطنية وقومية كما حدث سنة 1958، وانما غزو امبريالي، لم يغتصب فقط حق شعب العراق في تغيير نظامه وتقرير مصيره، وانما اعتمد ايضاً تفكيك بناه الاجتماعية ليجعل منه انموذجاً ديمقراطياً لاقامة الشرق الاوسط الجديد ، وتسخير امكاناته وقدراته في خدمة المصالح الكونية للمجمع العسكري- الصناعي الامريكي، وزمرة المحافظين الجدد، المتحالفين استراتيجياً مع اسرائيل وغلاة اليمين الصهيوني.وبعد ان كانت قد تساقطت كاوراق الخريف كل حجج ادارة الرئيس بوش في تبرير غزو العراق، وفي مواجهة تزايد الدعوات لاعادة الجنود الامريكيين، لم يتبق للرئيس الامريكي الا ان يقول مؤخراً بان غايته انما هي حماية اسرائيل. وفي هذا ما يؤكد صحة ما كان قد ذكره اكثر من مصدر في ايام الغزو الاولي من ان الرئيس صدام امتنع عن انقاذ حياته واسرته ونظامه بقبول الشروط الامريكية، خاصة الاعتراف باسرائيل والتطبيع معها. ولان جماهير شعب العراق وامته العربية لم يفتها ادراك ذلك، تميزت مواقفهما كيفياً تجاه الغــــزاة، ومن جاءوا بهم علي ظهور دباباتهم، عن الموقـــف الشـــعبي العراقي الخاص، والعربي العام، تجاه ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 وقادتها العسكريين والقوي السياسية التي دعمتها.ولان العراق باقدامه علي تطوير قدراته العلمية والتقنية، خرق قراراً استراتيجياً لقوي الهيمنة والاستغلال الدولية بان تبقي محتكرة التقدم العلمي والتطور التقني، وابقاء شعوب نصف الكرة الجنوبي، وبخاصة العربية منها، مجرد مستهلكة لانتاج الآخرين، لم يكن مفاجئاً ان تكون في مقدمة الاجراءات العملية لقوات الغزو تكليف فريق استخبارات امريكي مختص بتعقب علماء العراق والسعي لاغرائهم بالهجرة والعمل في الولايات المتحدة. فيما شهدت الساحة عدة حالات اغتيال للعقول العراقية التي تمنعت علي الارادة الامريكية. وعليه كانت تصفية قدرات العراق العلمية، وبالذات في مجال تطوير الاسلحة، في مقدمة انجازات قوات الغزو وحلفائها الاقليميين، وخاصة الصهاينة.ولان الجيش العراقي تميز بوطنية عناصره، وشدة حساسيته للمتغيرات والمستجدات في مجتمعه، فضلاً عن كونه بوتقة اندماج وطني، وتحسباً من ان ينقلب السحر علي الساحر، جري حله. ولم يتنبه بريمر، ومن نصحوه بحل الجيش واجهزة الامن، الي انهم بذلك وفروا للمقاومة الناشئة المعين الغني، الذي يرفدها بالرجال والسلاح. وبتفاعل ذلك مع امتناع التقبل الشعبي لاكذوبة تحرير العراق، وجدت المقاومة فرصة واسعة للنمو والتطور، لتغدو عاملاً اساسياً في ادخال زمن التغول الامريكي في المشرق العربي بداية نهايته، كما اقر بذلك بريجنسكي، احد ابرز الخبراء الاستراتيجيين الامريكيين.وليست الادارة الامريكية وحدها التي تعاني مأزقاً حاداً في العراق المحتل، وانما هي مختلف القوي العراقية التي تشارك فيما يسمي العملية السياسية . ومؤشرات ذلك كثيرة، بدءاً من اتفاق طالباني والمالكي علي اعادة النظر في قانون اجتثاث البعث ، وسعي حكومة المالكي لاعادة ضباط الجيش واجهزة الامن السابقين للخدمة، بعد ان اتضح عجز جيش وشرطة المليشيات الطائفية والعرقية عن ملء الفراغ الذي احدثه القرار الغبي بحل القوات المسلحة واجهزة الامن الوطنية.وكثيرة هي المؤشرات التي تدل دلالة واضحة علي فشل كل محاولات المساس بعروبة العراق وتفاعله الايجابي مع عمقه القومي العربي، بدليل سعي كل من جاهروا بعدائهم للعروبة، وقالوا في الفكر والعمل القومي العربي ما لم يقله مالك في الخمر، الي الاحتماء بالنظام الاقليمي العربي، بمناشدة الجامعة العربية حينا، وهذا النظام العربي او ذاك حيناً آخر، للتدخل فيما كانت تعتبره شؤونا عراقية خاصة، وبذل الجهود لانقاذ العراق من التشرذم والنزاعات الاهلية التي تسبب بها تقديم الولاءات العرقية والطائفية علي الولاء الوطني.ولقد توالت تقارير المنظمات الدولية حول ما تعرضت له ثروات العراق وتراثه الحضاري من نهب وتبديد وهدر. وآخر المستجدات ما عرف عن قانون النفط ، الذي صاغه خبراء شركات البترول الامريكية، وبصمت عليه حكومة المالكي، ودفعت به لبرلمان المحاصصة العرقية والطائفية لاقراره. والقانون كما قيل يعطي شركات النفط 75% من العوائد، بينما تقتسم الباقي سلطة الاقليم الذي تقع فيه مصادر النفط مع الحكومة المركزية.ولقد توالت خلال الشهور الاخيرة التسريبات حول مباحثات تجري في الكواليس بين ممثلي الادارة الامريكية، وبين بعض رموز المقاومة. وان كانت مصداقية ذلك مشكوك بها لصلابة موقف المقاومة، الا ان فيها الدلالة الواضحة علي ان السنوات الاربع الماضية شهدت صعوداً طردياً في تطور اداء المقاومة والتجاوب الشعبي معها، في مقابل التراجع المتوالي في فعالية وشعبية قوي الاحتلال واولئك الذين ظنوا انهم طوعوا ارادة عراق الممانعة والمقاومة.وان تمضي اربع سنوات علي الاحتلال ولا يتساقط اي من اركان النظام، الذين وضعت صورهم علي اوراق اللعب، او ان تستلب ارادة اي من الصامدين والصامدات في سجون ومعتقلات الاحتلال وسلطته، ففي ذلك مؤشر علي عمق الشموخ الذي يختزنه شعب العراق العظيم رجالاً ونساء شيباً وشبانا. وقد تجلي ذلك بأبهي آياته في وقفة الرئيس صدام ساعة اغتياله، وهي الوقفة التي جبت في نظر امته كل اخطائه وخطاياه، وانزلته منزلة عمر المختار في الذاكرة الجمعية العربية.وعشية بدء العام الخامس للممانعة والمقاومة والشموخ، ما يدعو للتفاؤل بان شعب العراق مرشح لان يتجاوز سلسلة الاخطاء والخطايا التي وقعت بها نخبه القائدة علي اختلاف الوانها السياسية منذ فجر ثورة 14 تموز (يوليو) 1958، وذلك بقيام جبهة وطنية ديمقراطية تضم قوي المقاومة والشخصيات الوطنية والاسلامية، الملتزمة بالنضال لتحرير العراق، واستعادة حرية قراره الوطني، وتعزيز وحدته وطناً وشعباً، وتأكيد عروبته، والتزامه بكل قضايا امته.ہ كاتب من فلسطين يقيم في الامارات8