قلق اضافي وبمستويين مختلفين يعيشه العراق، جراء الانعكاسات المحتملة لتوجيه ضربة عسكرية امريكية متوقعة لسورية او حدوث متغير حاسم في ميزان القوى المتقاتلة على ارض بلاد الشام منذ اكثر من عامين ونصف العام، الاول يخص الشارع العراقي الذي تعود على هذه السيناريوهات السوداء، وهو المثقل اصلا بدائرة متصلة من الضربات والعقوبات والحصار والحروب الداخلية والاقليمية والدولية، التي جعلته لا يستغرب من حصول الاسوأ دائما، وهو بطبيعة الحال لا يجد بالضربة المحتملة او اي تحول دراماتيكي في ميزان الصراع لمصلحة قوى التدخل الخارجي، غير المزيد من التمرغل بوحل التدهور والتشظي. فالشعب السوري الشقيق والجار الذي كان دائما عونا له في محنه المستدامة، الان واكثر من اي وقت مضى في خطر داهم، لا ينقذه منه غير منع هراوات التدخل الخارجي في شؤونه، وغير وعي طرفي الصراع الى ضرورة البحث عن حلول غير عسكرية، لا تجعل من سورية ارضا محروقة وشعبا مشردا ومعوقا، على اعتبار ان انفراط عقد الدولة السورية وعبر تفجير هويتها الوطنية ونسف بناها التحتية، وبفعل تدخل عسكري خارجي سوف لن يجلب للبلاد والعباد المن والسلوى الديمقراطية التي يتلفح بها الضاربون، منطلقا بذلك من واقع تجربته المُرة التي هندسها المحتل الامريكي بنفسه، وبتذكرة سفر واحدة لا توصل الا الى التقسيم . المستوى الثاني من القلق يخص متحاصصي السلطة في العراق، وهو قلق مركب ومتناقض احيانا نتيجة هشاشة حكمهم من جهة والتبعية المزدوجة للمتنفذين منهم من جهة اخرى، وايضا نتيجة انغماسهم في المشروع الطائفي الذي تساق له المنطقة برمتها، فالمالكي الذي كان يتهم النظام السوري بتصدير الارهاب للعراق بواسطة تسهيل مهمة عبور المقاتلين الاسلاميين اليه، حتى وصل به الامر الى تهديد سورية ودعم الطلعات العسكرية الامريكية على حدودها، بل وتوجيهها ضربات عسكرية لمواقع داخلها، صار واحدا من العاملين على بقاء نظام الاسد تحت يافطة بقاء الاخير خير للعراق من مجيء المعارضين له، واصبح من اكـــــثر المبادرين لطرح مشاريع حلول الوسط ، بحيث تطوع ليكون وسيطا بين النظام والمعارضة، وكانت مبادراته تلك لا معنى لها غير معارضة الوجــــهة الســـعودية القطرية المعلنة داخل الجامعة العربية، وهي لم تلاق اهتماما سوى من ايران وسورية ذاتها، انه من جهة يعلن التزامه امام امريكا بعدم السماح لايران بتزويد سورية بالسلاح عبر العراق، وبمنع تدفق المتطوعين للقتال الى جانب النظام فيها، لكنه ومن جهة اخرى وعلى لسان وزير خارجيته هوشيار زيباري يعلن عدم استطاعة العراق التصدي للطائرات العابرة لسورية، وايضا عدم قدرة العراق على ايقاف تدفق المتطوعين، لان الحدود العراقية السورية غير مسيطر عليها . المالكي يستثمر بالصراعات الداخلية على السلطة مع شركائه ويحاول خلط الاوراق لمصلحـــة تمديد فترة حكمه لولاية ثالثة قادمة، ويبدو ان الشرط الايراني لتحقيق هذه المصلحة، من خلال الضغط على الاحزاب الشيعية المنافسة له، التيار الصدري والمجلس الاسلامي الاعلى، مرهون بالاستماتة المستترة في دعم نظام بشار الاسد. وبهذا الاتجاه راح يمد المالكي حبل التوافق مع اسامة النجيفي رئيس البرلمان العراقي، الذي يتعاطف مع المعارضين السوريين لاعتبارات طائفية الى جانب المتنفذين في الحكومات المحلية لنينوى والرمادي، خاصة ان قائمة النجيفي ‘متحدون’ حققت نتائج تجعلها بموقف الاقوى على حساب المحسوبين على حلف المالكي في انتخابات المحافظتين. اجتماع المالكي والنجيفي الاخير الذي اعلن فيه رفض العراق لاي ضربة عسكرية ضد سورية يعد ثمرة للتحشيد الذي يحاول المالكي بلورته لاظهار موقف رسمي موحد للسلطة العراقية، ازاء التطورات السورية. اما النجيفي من جهته فلا يعتبر رفض الضربة الامريكية لسورية بمثابة الدعم للنظام، وانما تجاوب مع مبدأ عدم التدخل الخارجي بشؤون سورية، الذي يشمل ايران ايضا، وهو من هذا الباب يستعد لزيارة كل من تركيا وايران لمحاولة ايصال نفس الرسالة . حيدر الملا عضو البرلمان العراقي عن جبهة الحوار الوطني ينتقد علنا مواقف المالكي من سورية، ويصفها بالانتقائية والطائفية، ويعتبر ملاحقة ناشطي الحراك الاعتصامي في المناطق الغربية، والتشديد الامني الطائفي على حزام بغداد احد ارهاصات التوجه الايراني لمنع اي تفاعل عربي سني مع الاحداث في سورية، وتجيء تصريحاته تلك اثناء زيارة وزير الخارجية الايراني محمد جواد ظريف للعراق، التي ركزت على تنسيق مواقف الحكومتين العراقية والايرانية بالضد من اي عمل عسكري على سورية، ودعم المقترح الروسي الداعي لتسوية المشكلة سلميا. اما المعارضون لبقاء الاسد في السلطة من الساسة العراقيين نجد رئيس اقليم كردستان مسعود بارزاني مؤيدا بالاقوال والافعال الميدانية قوى المعارضة المسلحة السورية، خاصة الكردية منها، حتى انه لا يخفي تنسيقه مع الجانب التركي بهذا الخصوص. كل هذا يظهر التنافر الصارخ بين مواقف الساسة العراقيين، تجاه تطورات الاوضاع في سورية. من هنا نستنتج ان الطبقة السياسية الحاكمة وصراعاتها هي وحدها المسؤولة عن ظاهرة الارهاب في العراق وفي مواقفها من الحرب الدائرة في سورية وتأثير ذلك على الوضع الداخلي في العراق.