العراق: وهَم الحكومة المُنتخبة..!! ووهَم الدستور المُنتخب
هيَثم القَيّمالعراق: وهَم الحكومة المُنتخبة..!! ووهَم الدستور المُنتخبـ 1 ـتَََعتّد الدول والشعوب بديمقراطيتها ليس بسبب مشاركة الناس في الانتخابات ولا حتي بنزاهة هذه الانتخابات رغم اهمية هذين العاملين، ولكن الأهم لمقياس سلامة الحياة الديمقراطية هو معرفة الناس لماذا ينتخبون ومن ينتخبون…!!! (واعتقد ان معظم جهابذة السياسة الحاليين عندنا عاشوا في الغرب ويعلمون هذه الحقيقة..!!)، عندما يُقدم المواطن هناك علي صناديق الاقتراع فهو اما يريد تغيير المنهج الذي يحكمه حاليا لعيوبه واخفاقاته أو لتثبيت المنهج الذي يحكمه لنجاحه وحسناته وعليه فهو يختار البرنامج السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يطرحهُ ويُمثله الحزب الفلاني أو السياسي الفلاني وفقاً لهذا المعيار…!!وبالتأكيد هو يعرف رموز وأشخاص هذا المنهج أو ذاك ويعرف خلفياتهم وتاريخهم وقدراتهم، واقرب مثالين شاخصين أمامنا حاليا هما المثال الفلسطيني والمثال الأمريكي، فالشعب الفلسطيني ذهب الي صناديق الانتخابات ليختار منهجاً غير منهج حركة فتح بعد كل الاخفاقات التي مُني بها وعلي كافة الصُعد، واختار منهج حماس طلباً للتغيير والاصلاح وهو بالتأكيد يعرف من هي حماس ومن هم رموزها وقادتها وما هي خلفياتهم… وكذلك عندما اختار الشعب الأمريكي الحزب الديمقراطي في الانتخابات النصفية الأخيرة أراد بذلك تغيير المنهج الذي سار عليه الحزب الجمهوري وسَئمه من سياسات بوش وأدارته وهو بالتأكيد يعرف رموز الديمقراطيين وخلفياتهم وقدراتهم ، فهل الانتخابات التي جرت عندنا سواء الأولي أو الثانية ينطبق عليها نفس المعيار لكي تتغني بها الطبقة السياسية الحاكمة الآن ليل نهار وتَعتدُّ بها وتعتبرها (شرعية)…؟كلنا نعرف أن جميع الكتل والكيانات السياسية التي ترشحت للانتخابات وبلا استثناء لم تطرح برنامجاً سياسيا واقتصاديا واجتماعيا واضحاً وانما اشتركت جميعها بمقولات عامة وعائمة من قبيل الديمقراطية، الفيدرالية، الحرية، الاستقلال، الوحدة الوطنية، النزاهة…الخ وحتي استخدام هذه المفردات كان عند الغالبية منهم ركوباً للموجة وليس أيمانا حقيقيا بها (باستثناء الفيدرالية وهذه لها قصة اخري ليست موضوعنا الآن!!)، أذن لم يطرح منهج متكامل من قبل المرشحين يقدم برنامجاً لبناء عراق ما بعد 9/4/2003 فعلي ماذا صَوّت الناخب العراقي….؟؟ وكلنا نعرف أيضاً ان العراق أعتُبر منطقة انتخابية واحدة بمعني أن القوائم المُترشحة والأشخاص المترشحين بشكل انفرادي كانوا يُمثلون العراق كله فماذا يعني ذلك من ناحية معرفة الناخب بالمرشحين وخلفياتهم وقدراتهم…؟ بهذه الصيغة اضطّرَ ابن البصرة مثلاً لانتخاب مرشح من كركوك لا يعرفه ولم يسمع باسمه من قبل…!!! وكذلك ابن الأنبار أضطّر لأنتخاب قائمة أو مرشح من الموصل لا يعرفه ولم يسمع بأسمه من قبل…!! ونعرف جميعاً أن القوائم عندما طُرحت لم تُعلَن جميع اسماء المنضوين داخلها وقيل في حينها ان المبرر هو الوضع الأمني، اي ان المواطن لم يكن يعرف من شخوص القائمة سوي عدد لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة، وحتي هؤلاء المُعلنة اسماؤهم، كم عدد المواطنين الذين يعرفونهم جيداً ويعرفون خلفياتهم وقدراتهم (واقصد هنا قبل الدعاية الأنتخابية وقبل لصق البوسترات)، فمثلاً كم ناخب كان يعرف السيد عدنان الدليمي جيداً قبل ذلك وكم ناخب كان يعرف السيد ابراهيم الجعفري جيداً قبل ذلك..؟ اي ان الناخب في ديالي الذي انتخب قائمة السيد الدليمي لا يعرفه، والناخب في الشطرة الذي انتخب قائمة السيد الجعفري لا يعرفه… وهكذا بقية المرشحين… فلمن صَوّت الناخب العراقي…؟ان مشاركة الملايين من العراقيين في الانتخابات كانت طلباً للتغيير وتحسين الأوضاع المزرية التي كانت سائدة (وما تزال بالطبع) وكلنا نتذكر حين كان يُسأل المواطن عن سبب مشاركته في الانتخابات كانت الجملة الشهيرة والقاسم المشترك لجميع الاجابات هي: نريد نخلَص .اذن مشاركة الناس كانت أملا في الخلاص وتمنياً بوضع افضل، وليس أختيار برنامج او منهج مُحدد بعينه…!!! أما لمن صَوّت الناخب العراقي وهو لايعرف المُرشحين ولا يعرف خلفياتهم وقدراتهم…؟؟الغالبية العظمي منهم صَوّتت للطائفة والعرق بشكل عمياوي بعد حملات التجييش الطائفي والعرقي التي سبقت الانتخابات والاستغلال البشع والمقيت لمشاعر المواطنين الدينية والقومية،والضرب علي الوتر الطائفي بحجة أنصاف المظلومين والمضطهدين في زمن النظام السابق، وبالطبع أنساقت جموع الناخبين وراء هذه الأكاذيب نتيجة عوامل عديدة منها الجهل وقلة الوعي ومنها التضليل الاعلامي واستغلال أسماءالمرجعيات والرموزالدينية وغيرها … وألا هل يستطيع أحد ان يُجيبني كم سُنّي انتخب قائمة الأئتلاف الموحد، وكم شيعي اختار قائمة التوافق وكم تركماني اختار غير القائمة التركمانية وكم كردي اختار غير القائمة الكردية…؟فهل بعد كل ذلك يمكن أن نَعتد بانتخابات من هذا النوع وبالحكومة التي تمخضت عنها ونقول انها حكومة مُنتخبة وشرعية…؟ وأنا علي يقين لو تكررت التجربة الآن سنجد نتائج مُغايرة تماما لما حصل في السابق بعد ان اكتشف المواطن العراقي كم كان مُضللا،ً ومن هم السياسيين الذين صعدوا علي اكتافه والي اين اخذوا الوطن ..!!؟؟ وأول الناقمين علي الوضع الحالي هم الشيعة من ابناء العراق الأُصلاء، وأنا علي تواصل تفصيلي بأبناء المحافظات الوسطي والجنوبية، ولا القي هذا الكلام جُزافاً …!!! ـ 2 ـأما موضوع الدستور (فمُصيبته اعظم..!!)، حيث من المعلوم أن الدستور هو أهم وأخطر وثيقة تصدر عن اي دولة لأنها بمثابة العمود الفقري لحياة المجتمع والذي يُنّظم العلاقة بين المواطنين والدولة ويضمن حقوقهما ويحدد مواصفات الدولة والمجتمع بما يضمن وحدة تراب الوطن ووحدة شعبه، وواجبات وحقوق كل الأطراف بما يحقق طموحات المواطنين في بناء مجتمع متقدم موحد ومزدهر ودولة مؤسسات يسودها القانون الذي يخضع له الجميع بلا تمييز، وهذا ما تشترك به كل دساتير العالم، أما التفاصيل فتختلف من مجتمع لآخر حسب تاريخه وانتمائه وعقائده وموروثه وظروفه… اذن وثيقة بهذه الأهمية في حياة الناس والمجتمع يُفترض أن تُكتب بتأن وحكمة وبمشاركة كل أطراف العيش المُشترك في الوطن الواحد ويُصاغ الدستور بما يضمن تحقيق الأهداف المشار اليها أعلاه.فهل كُتب دستورنا وفق هذه المعايير والمواصفات…؟؟ لا أريد أن ادخل في تفاصيل الكيفية التي كتب بها الدستور وكيف (عُجن وخُبز) ولأية نوايا وأهداف…!!! ولكن موضوعنا هو الاستفتاء الذي جري علي الدستور والذي كلما طلع علينا مُحلل سياسي وما أكثرهم أو مسؤول في الدولة يتبجح بأن 11 مليون عراقي صَوّت بنعم للدستور، وهنا أود ان اتناول مسألتين مهمتين في هذا الصدد:1 ـ عند اقدام المواطنين علي التصويت لوثيقة بأهمية وخطورة الدستور وخصوصاً في بلدنا العراق وتحت الظروف المعروفة من احتلال اجنبي وفوضي امنية وسياسية واقتصادية، وهو أي الدستور يؤسس لبناء دولة حديثة وديمقراطية، يُفترض أن يكون المواطن قد قرأ الدستور جيداً وفهم مواده ومضامينه وأهدافه ثم ذهب الي صندوق الاقتراع ليقول نعم للدستور، بوعي تام بأن هذا الدستور سيحقق له الأهداف المُشار اليها أعلاه…؟ وهنا أتسائل كم واحدا من الملايين التي قالت نعم للدستور أو قالت لا قد قرأ الدستور جيداً وان قرأه هل فَهم مواده ومضامينه…؟ أجزم ان الجواب هو أن 90% من الناخبين أو المُصوّتين سواء بنعم ام بلا لم يقرأوا الدستور ، وأن قرأوه فلم يتمعنوا بمضامينه وابعاده…!!! ولكن الذي حصل (وانا عشت التجربة تفصيليا) أن الذين صَوتوا بنعم انما صوتوا انسياقاً وراء رموزهم ومرجعياتهم الدينية والسياسية ليس الا..!! بعد أن صُوّر لهم بأن رفض الدستور هو ضد رغبة المرجعيات الدينية وبالتالي هو ضد الارادة الألهية..!! وكذلك بالنسبة للذين رفضوا الدستور انسياقاً وراء مرجعياتهم الدينية والسياسية، فهل بعد ذلك يُعتّد بتصويت من هذا النوع…..؟2 ـ الكل يعلم أن الدستور تم التصويت عليه كرزمة واحدة (package) أي أما يُقبل كله أو يرفض كله، وهذه خطيئة كبري وقعت فيها المفوضية العليا للانتخابات، أذ لو أفترضنا أن عدد مواد الدستور 100 مادة، وأفترضنا جدلاً أن المواطن قد قرأ مواد الدستور بتمعن ووعي وأنه اقتنع بأن 99 مادة من مواد الدستور جيدة وتخدم آماله وطموحاته ولكن هناك مادة واحدة لا يرضي عنها ولا يقبل بها، فكيف سيُعبر المواطن عن رفضه لهذه المادة…؟ وماذا لو كانت أكثر من مادة لايريدها المواطن، ألم يكن من الأَولي أن يتم التصويت علي مواد الدستور مادة مادة وأن توضع نسبة مئوية كحد أدني لقبول كل مادة كأن تكون 75%، أي عند حصول أي مادة علي هذه النسبة من أصوات الناخبين تكون قد أُقرت، أما المادة التي لا تحصل علي هذه النسبة فيعاد صياغتها من جديد بعد مناقشتها مع الرأي العام والجهات المعنية ومن ثم اعادة التصويت عليها مرة ثانية وربما ثالثة، صحيح أن الموضوع يحتاج الي جهود كبيرة وتكاليف كبيرة أيضاً ولكن ألا يستحق الدستور الدائم وهو بالأهمية التي وصفناها أعلاه مثل هذه الجهود والتكاليف…؟ ولكي تكتسب عملية التصويت مصداقية حقيقية ويكون الشعب قد أختار دستوره الدائم بطريقة سليمة وواقعية…!!! أما الآلية لتنفيذ هذه الطريقة فهي مشابهة لآلية اختيار القوائم الانتخابية، ألم يكن عدد القوائم المُترشحة أكثر من 100 قائمة، أذن يمكن وضع أرقام مواد الدستور ويأتي المواطن ليؤشر نعم لهذه المادة ولا لتلك المادة وهكذا… بعد ذلك هل يمكن أن نَعتّد بالنعم التي قالتها الملايين للدستور بهذه الكيفية ووفق هذه الخلفية….؟وها قد رأينا نتيجة كل هذه الخطايا في انتخابات البرلمان الذي انتج حكومة أقل ما يقال عنها انها طائفية بامتياز وفي التصويت علي دستور انتج بلداً مُقسماّ وشعباً مُقسماً يقتُل بعضه بعضاُ..!!!ہ كاتب من العراق[email protected]