عندما سافرت من بغداد الى باريس قبل عدة اشهر شاهدت التطورات الخدمية السريعة للمواطن الفرنسي في كل مكان. ففي مطار اورلي الواقع جنوب باريس ركبت باصا قادني الى العاصمة ثم ركبت المترو فالقطار السريع. لا اريد ان استرسل في التطورات والتجديدات التي حصلت في تلك الاماكن لكن الذي اثار انتباهي بعد ان قررت العودة الى بغداد سالكا نفس الطريق أذ فوجئت اثر نزولي من المترو لأركب الباص الذي سيقودني للمطار بأن ذلك الباص قد الغي من الخدمة نهائيا. لما سألت عن السبب قالوا لي انظر وراءك فأذا بي أرى خطا جديدا افتتح قبل أيام للتراموي، وهو اصغر من القطار يسير على سكة حديدية وسط المدن وعلى الشوارع مع السيارات بطريقة كهربائية ويقف في محطات مخصصة وكان بالحقيقة تحفة جميلة وهو بالتالي وسيلة نقل أمينة وسريعة ورخيصة واكثر حملا للركاب اضافة الى انه صديق للبيئة. وهناك الكثير من الامثلة الاخرى التي شاهدتها في بيروت او دبي او حتى اربيل. عدت الى بغداد واذا بي أرى التقدم السريع ايضا ولكن الى الوراء. فبدلا من انتظارنا بمطار بغداد نصف ساعة اصبح الانتظار الان ساعة، وبدلا من مجانية الذهاب والاياب بالسيارات ما بين المطار وساحة ‘عباس بن فرناس’ اصبح الان بعشرة الاف دينار أي بمعدل ستة اضعاف سعر الترام الباريسي. علما بان المسافة بين باريس ومطار اورلي هي اضعاف مضاعفة مقارنة بالمسافة ما بين مطار بغداد والساحة. ولا داعي للحديث عن غلاء اجور التكسي من ساحة عباس بن فرناس الى وسط العاصمة العراقية. فسائقو التكسيات يتربصون بالمسافرين لدفع أعلى الاجور التي قد تفوق اسعار اغلى المدن الاوروبية، وذلك لغياب الرقابة وعدم وجود العداد. 1ـ مداخل العاصمة بغداد تدل على صورتها اذ سوف تستقبلك ساحات القمامة من أي مدخل تشاء. ولا تزال كتل الكونكريت المسلح والجدران العازلة بين المدن لا تتزحزح. ولا تتمكن من التفرقة ما بين الشارع والرصيف فالاثنان متشابكان بشكل فوضوي فلا يعرف الماشي طريقه، فالسيارات او البضائغ التجارية تملأ الارصفة وحتى الشوارع في بعض الاحيان. أما اذا كان الرصيف خاليا من هذا او ذاك فاعلم بانه محفور لمد كابلات ضوئية او انابيب المياه او المجاري، أذ قلما تجد رصيفا او شارعا يصمد عدة اشهر دون حفر او الغاء او قطع. أما مداخل المدن فبدلا من تسهيل الدخول اليها يحدث العكس تماما فاذا ما كانت مدن ‘الدورة’ او ‘السيدية’ او ‘العامرية’ تتوفر على مدخلين او ثلاثة مداخل قبل عام باتت الان لا تمتلك سوى مدخل واحد عليه طوابير طويلة تنتظر دورها ولا يدخل اليها سوى الذين يمتلكون بطاقة سكن ومدن غرب بغداد مطوقة ولا يمكن الوصول اليها من بغداد بسهولة كالرمادي والفلوجة. 2ـ أما المساجد في بغداد وديالى فقد اصبحت خالية من المصلين فمسجد الخنساء في الحارثية لا يصلي فيه في بعض الاحيان الا عدد لا يتجاوز اصابع اليد الواحدة. مساجد التوحيد وخالد بن الوليد وبلاط الشهداء لم تعد تحتضن الصلوات الموحدة، ولا يعرف احد اين أئمتها فقد هربوا ونجوا بجلودهم. أما في ديالى فالمساجد مقفرة وحزينة والصلاة الموحدة منعت عمليا، فمسجد حي المعلمين لا تقام فيه اليوم حتى ايام الجمع الصلاة عقابا له لأنه كان يحتضن الصلاة الموحدة. أما الان فلا يقيم صلاة الجمعة والجماعة ألا أئمة من فاقدي البصر لا يمكنهم ان يعبروا عن الواقع المرير او يتعرفوا عليه وهم لا يتحدثون في خطبهم ألا عن الماضي والاخلاق العامة والحيض والنفاس واركان الصلاة والحج وبقية المناسك. ولا يرتاد المساجد غير كبار السن والمرضى وغير فاقدي الامل في دنياهم واخرتهم. 3ـ التهجير الطائفي عاد ادراجه من جديد في بغداد وديالى فلا تزال على سبيل المثال قرية الجف قرب مركز قضاء المقدادية محرمة على ساكنيها بعد ان هجروا منها قسرا قبل ستة اشهر. بل تعرضت قبل ايام من قبل مهجريها للنهب والسلب وأضطر وجهاؤها الى الهروب والتواري عن الانظار مخافة القتل او الاعتقال الكيدي. المليشيات تتوارى لتظهر في أي وقت تشاء. أما الاعلام المذهبية التي تمثل مكونا واحدا فقد اضحت بديلا عن العلم العراقي وأصبحت اليوم ترفرف عاليا على جميع سيارات الجيش والشرطة دون اكتراث للمكونات الاخرى. ان الرايات والصور المنسوبة الى الامام علي وبقية الائمة رضوان الله عليهم في كل مكان من المدن والقرى المختلطة وغير المختلطة. اضافة الى الرايات الحمراء والخضراء والسوداء والصفراء وغيرها تعدت الاحياء المختلطة لتصل الى الاحياء السنية 100′. لقد غابت الهوية الوطنية لتحل محلها الهويات الفرعية والطائفية والعشائرية. 4ـ التعليم هو الاخر وصل الى مستويات متدنية بحيث يعلم كل طالب او طالبة بأنه سينجح سواء درس بجدية ام لم يدرس لان هناك قرارا وزاريا غير مكتوب او قد يكون مكتوبا الله اعلم بان النجاح مضمون للجميع سواء في المدارس الابتدائية او الثانوية او الجامعات. فلم تقتصر الامتحانات على الدور الاول والثاني انما اخترعت الوزارات المعنية دورا ثالثا ورابعا. تغيير المناهج الدراسية هو الاخر يخضع للأهواء الشخصية ولا يعتمد على أية معايير تربوية. لقد أجبر معظم الاساتذة الاكفاء القدامى للاحالة على التقاعد مجبرين وغير مخيرين في العام الماضي فجاء مكانهم جيل من الاساتذة لا يمتلك أية خبرة ولا يمكن ان يقدم شيئا يذكر الى العلم والتعليم. والادهى والامر بأن هناك من جهة اخرى اسعارا معروفة ومحددة لشراء اسئلة الامتحانات واثمانها تعتمد على اهميتها لذلك فأن اولاد الاغنياء والطبقات الجديدة من اصحاب الحواسم او المرتشين او اصحاب كومشنات العقود والمسؤولين الكبار قد تصل معدلاتهم الى 100 بالمئة دون اي جهد. ففي العراق الديمقراطي الجديد يمكن ان تشتري كل شيء حتى الشهادات العالية بالرشوة، وتجميلا لها يطلق عليها الراشي والمرتشي بالهدية. 5ـ الاعمار في العراق في تراجع مريع فبمجرد هطول الامطار فاضت بغداد فوضعوا الذنب على صخرة اغلقت المجاري. أما مشاريع الاعمار فهي كثيرة وكبيرة على الورق وصرفت عليها المليارات وكأنها تحولت الى مؤسسات حقيقية. فكم من مرة صرفت اموال طائلة لتبليط هذا الشارع او ذاك لكنها لم تترجم الى افعال على الارض. في احسن الاحوال عندما يبلط شارع ما لا يمكن ان يصمد اكثر من شهر لان الغش والخداع باتا يهيمنان على عقلية اكثر المقاولين. في بغداد وديالى وجدت بان هناك حدائق كانت في طور الانشاء تحولت الى مزابل لرمي القمامة. لقد تخلت الحكومة عن مسؤولياتها في الصيانة وتركت الباب مفتوحا على مصراعيه للقطاع الخاص يعمل ما يشاء وفي احيان كثيرة لا يمكن التمييز بين القطاعين العام والخاص لان الطرفين يطلبان ثمنا من المواطن فعامل البلدية يطالب بالمال نتيجة اي عمل يقوم به رغم انه يتقاضى مرتبا شهريا. 6ـ أما الامن والامان فقد غابا عن المشهد العراقي وأضحيا الهاجس الدائم لأي عراقي. فمنذ عشرات السنين لم تتمكن الحكومة رغم صرف عشرات المليارات من الدولارات ووجود حوالي مليون ونصف مليون جندي وشرطي، من القضاء على الارهاب وحماية المدنيين فضلا عن القوات المسلحة. لكن وفي كل مرة تضع الحكومة الاسباب والمسببات على اقطاب النظام السابق الذي لم يسقط قبل أيام كما نعلم انما سقط قبل حوالي احدى عشرة سنة. أو تضعه مرة ثانية على القاعدة ودولتها المزعومة وثالثة على التكفيريين الوهابيين او حتى على الازمة السورية او تركيا او السعودية الخ. 7ـ من الناحية التجارية فقد بات العراق يستورد كل شيء وهو سوق ممتازة ليس لاستيراد المأكل والملبس والمشرب انما الادوية ومواد البناء فضلا عن المواد الزراعية والصناعية والتكنولوجية. فتركيا وأيران تعتمدان كثيرا على السوق العراقية وحتى الكويت باتت تمتلك شركات للاتصالات في العراق والامارات والسعودية تتعامل مع العراق في تصدير واعادة تصدير النفط ومشتقاته اضافة الى الالبان ومشتقاته. أما امريكا فهي المسيطرة عمليا على الطاقة النفطية ولها رأي لدى الحكومة العراقية في منح بعض المشاريع التنموية الكبرى لهذه الشركة او تلك. اضحى العراق بلدا ريعيا لا زراعة ولا صناعة فيه، يعتمد في حياته اليومية من الالف الى الياء على البضائع الاجنبية وفوق هذا وذاك لا يوجد لحد الان جهاز رقابة نوعية لفحص ومعرفة البضائع الفاسدة. 8ـ أما البنى التحتية للبلاد كالمجاري واسس بناء المدن والقرى والطرق وتوسعها فلا تزال فوضوية دون اية رقابة فكل مواطن حر في البناء سواء كانت الاراضي زراعية او غير ذلك. اضافة الى الماء والكهرباء والغاز فهي الاخرى في تراجع رغم تأكيد المسؤولين على سهولة حل تلك الازمات. لقد بات الشعب يتعايش مع الظلام ويبتكر البدائل حتى لو كانت تلك البدائل تعيده الى القرون الوسطى او العصور الحجرية. فقد عاد الكثير من المواطنين الى ‘المهفات’ المراوح اليدوية بدل المكيفات لقلة ساعات الطاقة الكهربائية وباتوا يتندرون بمثل شعبي معبر يقول ‘هفي بيدك محد يفيدك’. ومع كل ذلك هناك في الحكومة من يقول بأن العراق سيصدر الكهرباء الى دول الجوار. 9ـ أما العملية السياسية فلا تزال في تراجع مخيف ومقلق، حيث تتجذر الطائفية السياسية والدينية يوما بعد يوم وتنخر في الجسد العراقي ولا يمكن ان تحل هذه المعضلة أي عمليات ترقيعية من هنا او هناك. فالأحزاب الحاكمة بنيت على اسس طائفية كما ان الدستور كتب بهذه الروحية وترجمها عبر تكوين عراق المكونات. لا يتجرأ أي حزب او تكتل على اعادة تركيبته التنظيمية ليعتمد على المعايير الوطنية بدل الطائفية والمناطقية. وعلى الرغم من الاعتراف اللفظي لتلك التنظيمات بأن اصل الداء هي الطائفية وامتداداتها داخل المجتمع لكن الشعب العراقي لا يزال ينتظر الافعال. فأن كان المخرج معلوما فمتى سيتبناه اولو الشأن وهل من فرج قريب؟ الله كريم … ‘ كاتب عراقي