«احتلال العراق في عام 2003 أكثر مأساوية من هزيمة 1967». هذا ما قاله لي الشاعر السوري الراحل ممدوح عدوان على هامش حوار نُشر في صحيفة المستقبل (5 شباط/ فبراير 2005).
فـ «النكسة» فاجأت العرب قادة وشعوباً من حيث توقع جميعهم استرداد الحق المسلوب عام 1948، ولاحقاً لم تعدل حتى حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973 من ميزان العدالة، بل فتحت أبواب التسويات على مصراعيها، وكثير ممن رفضوا الأمر الواقع في ذلك الوقت وجدوا لاحقاً أن التفاوض على حدود 1967 هو الحل، بينما لاتزال نسبة معتبرة من العرب تنظر إلى هذا الحل الافتراضي بشيء من الريبة والشعور بالغبن كونه يغفل حق عشرات آلاف الضحايا، وعشرات السنوات من تضحيات الأحياء الذين عانوا حياة التشرد والمنافي والمخيمات التي عانى منها الفلسطينيون خاصة.
على كل حال، قادت مفاعيل ما بعد 1967 إلى نتيجة احتلال بغداد عام 2003، ليس دفعة واحدة بل بتدرج، فبعد ثماني سنوات من حرب طاحنة مع إيران الثورة الخمينية، خرج العراق منهكاً، لكن صدام حسين «خرج منتصراً»، إنها صيغة «انتصار مصر وسوريا» في حرب 1967، فالمهم ليس خسارة الأرض والإنسان بل «عدم سقوط النظام».
لم يلتقط العراقيون أنفاسهم بعد الحرب حتى «قادهم» صدام إلى احتلال الكويت في 2 آب/ أغسطس 1990. هنا خرج صدام والعراق مدحورين من تحالف دولي، ليدخل العراق في حصار وحرب استنزاف جوية استمرت حتى هجوم بوش الإبن على العراق فجر 20 آذار/ مارس والذي انتهى بسقوط بغداد في 9 نيسان/ أبريل.
هذا التسلسل أفرغ كارثة احتلال بغداد من الشحنة الدرامية التراجيدية، على عكس وقع كارثة 1967 التي أخرجت الناس إلى بعض شوارع العالم العربي يولولون غير مصدقين، وهنالك من دخل في حالة اكتئاب لم تخرجه منها حتى حرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973.
عراق اليوم، ومن باب داعش، استعاد تلك التراجيديا المفقودة في عام 2003، وهذا حق عراقي أصيل، منذ جلجامش إلى كربلاء الحسين، إلى حرب الأمين والمأمون، إلى هولاكو دجلة الأزرق، إلى عبد الكريم قاسم وسحل جثث الضباط المهزومين في الشوارع بعد انقلابه عام 1958، إلى التراجيديات الصامتة في معتقلات صدام حسين، إلى مأساة حرب الثماني سنوات بقتلاها المقدرين بالملايين من الطرفين العراقي والإيراني، وبالمعوقين والمجانين والأسرى والمعذبين نفسيا وروحيا، وتراجيديا سجن أبو غريب وأبطالها من جنود ومجندات جورج دبليو بوش بالوكالة عنه.
«داعش»، وحدها، أعادت للتراجيديا مكانتها في العراق، وفق الرواية الرسمية على الأقل، حيث استطاعت «داعش» بألفي مقاتل احتلال الموصل والوصول إلى أطراف بغداد خلال أقل من عشرة أيام.
الروايات الأخرى المتقاطعة نفت الرواية الرسمية، فهنالك «ثورة سنية» في شرق ووسط وشمال العراق بدأت منذ سنتين، وأخذت زخماً متصاعداً منذ اعتصام الرمادي منتصف العام الماضي، ولاحقاً في آذار/ مارس الماضي بعد استخدام حكومة المالكي القوة في فض الاعتصام.
لا تحتاج الرواية غير الرسمية من خلال تدرج مطالب المحتجين إلى دراما، بينما لا يزال «الجانب الشيعي» في الدولة العراقية يتمسك بحاجته إلى هذه التراجيديا، تراجيديا «الظلم» الأبدي التي استدعت المرجعية الشيعية في شخص علي السيستاني لإصدار فتوى بـ»الجهاد».
يضيع الشيعة في العراق اليوم فرصة إنصاف الناس من باب أنهم عانوا «المظلومية» وخبروها، كما ضيع نظام حافظ الأسد، ويضيع ابنه الآن، فرصة إنصاف الناس بعد «المظلومية» التاريخية التي عاناها علويو سوريا. وأنقل عن أحد الأصدقاء ملاحظة للشاعر والمفكر السوري أدونيس في تسعينيات القرن الماضي تصب في هذا المنحى «ان الأسد يضيع فرصة تاريخية ليثبت لظالمه في الأمس أنه أكرم منه ولن يظلمه».
على كل حال، ذهبت شهوة السلطة هنا وهناك بكل هذه المناقبية المفترضة، وإذا كان الطرف الشيعي العراقي غلَّب المصلحة السياسية المرتبطة بمرجعيته الدينية والسياسية في إيران، حتى لا نقول غلَّب تقيته الدينية، فإن النظام السوري البعيد حتى عن الديانة العلوية الباطنية، لم يكن في وارده، لا دينياً ولا سياسياً، إنصاف المظلوم، لأنه ببساطة نظام عصابة أولاً وأخيراً.
علي العائد – كاتب سوري