يُمسكُ ذلك الرّجل قوسَهُ في اللّوغو الخاصّ بشركة «الغولدن لاين» ليطلق سَهمَهُ ويصيبَ الهدف هذا العام من خلال مسلسل العربجي الذي جاء بِحُلّةِ الاختلاف، مُرتديا عباءة عَصرٍ مختلف تستطيع الشّخصيّة الموصوفة بالأسطورة الشّعبية التّعبير عن نفسها فيه، لطرح قضيّتها التي تخصّ حاضرها، وتقدر من خلالِ الإيحاء، إسقاط قضيّتها على قضايا أخرى مُعاصرة، تُلَخَّص بالظّلم والتّحالُفَات والمظلومين، وصولاً ربّما إلى حلولٍ اختَبَرَها التّاريخ، ليستقي المُشاهد ما يَشاء من الفُرجة، سواءً على صعيد المُتعة أو النّتيجة.
«العربجي» هو نصّ للكاتبين عثمان جحي ومؤيد النّابلسي، ووقّعَ على سردهِ البصريّ المخرج سيف سبيعي، الذي هيأ لهُ أجواءً معزولةً عمّا خبرناه، ومُسوّرَةً برؤيةٍ مُغايرةٍ للسّائد، ظهرتْ بوضوح من خلال الدّيكور المُفعم بروح عصرٍ آخر، ومن خلال ملابس وماكياج وتفاصيل أغنَتْ القصّة، وأَعَانَتْ الكاميرا على رصدٍ مُتقَنٍ وأكثرَ جاذبية، مُنَحّياً الزّمان وجاعلاً من المكان هو البطل، بعدما تسلّلَ خارج روزنامات التّاريخ ليهيمَ على وجهِ أفكارهِ بحريّةٍ ليُبدِعَ أكثر، وقد تصدّى تحت إدارته للبطولة كوكبة من نجوم الدّراما السّوريّة، تَصدّرَهم النّجم باسم ياخور والقديران سلوم حداد وندين خوري والنّجمة ديمة قندلفت وغيرهم، قدّموا جميعا كفريق عَمل حبكَة سَحَبَت البساط من تحت أقدامِ المفهوم التّقليديّ المعتاد للبيئة الشّاميّة، ليضعوا أقدام العربجي فوقه ويرتقوا معه بالمعنى والصّورة.
العربجي عَمَل أُعِدَّ ليكون بوابة لاعتماد أساليب جديدة، تتطرّق لعوالم مُنفتِحَة دراميّا تَتوقُ إليها الدّراما السّوريّة، وصار يَحكُمُ وجودها اليوم حُكمُ الوجوب، خاصّةً بعد تصدّرِ هذه النّوعيّة من الأعمال السّوق المصريّة، وتحقيقها الرّيادة فيها، لذا يُحسب لصناع العربجي خطوتهم الجريئة في محاولة دكّ الصّدوع المُختَلَف عليها دراميّا بما يخصّ البيئة الشّاميّة، من حيث موروثها الحريميّ، فجاء العمل ليُنصِفَ المرأة ويُخرِجُها من نِطاقها الضّيق في أعمال البيئة سابقا، ليُحسَب له ظهور نساء الحارة بصورة مُحتَشِمَة لكنّها بعيدة عن التّعصب المحسوب على الحجاب أو الظّهور من خلف الباب أو الحديث مع الرّجال وجها لوجه دون ساتر أو مُحلّل، ليركّز على ما هو أكثر واقعيّة والتصاقا بمجتمعاتنا رُغم حداثتها، وهو شرف المرأة الذي لم يَستَهِنْ به، حينَ أقبَلَ عبدو على ذبح ابنته من أجله، وعلى هذا الصّعيد كان أهمّ ما يحسب للعمل هو تحميل الرّجل مسؤوليّة خَطَأهِ مع المرأة، بعدما اعتدنا تحميلها الأعباء كاملة في السّابق، وذلك حين أقدَمَ عبدو على صَفع حسن عند معرفته بزواجه سرّا من ابنته حسنيّة، وعلى صعيد آخر يُحسب للعمل إخراج الدّاية من ميدانها المحصور بامرأة مُسنّة، وإسناده لشابّة عزباء تعلّمت صَنعَتها عند العطّار، الأمر الذي أضاف للمُتلقّي احتمالات جديدة أَثرَتْ مُخيّلَتَهُ كما أثرَتْ الأحداث في العمل.
تميّزَ العربجي بِذروات مُتتالية ومُتزامِنَة خَالفَتْ أَغلب التّوقعات، ما أجّجَ التّشويق وزادَ المُتعة، مع تعرّض الشّخصيات لأحداث لم يُقحِمهَا فيها الكاتبان، بل جاءت نتيجةً لاختياراتها حيناً، وأحيانا نتيجةً لتوجيه الآخرين لها، لتصطفّ تِلقائيّا ودونَ إرادَتِها خلفَ ثنائيتيّ الخير والشّر التي يقود كلّ منها من يقدر على ذلك، ففي العربجي لم يكن الخير صافيا، ولم يكن الشّر مُطلقا، طالما أن مَصالِحَهُ قد تَصبُّ بمصلحةِ آخرين، لذا لم نر شخصيّة خيّرة بالمُطلق أو شريرة بالمُطلق من حيث المَبدأ، لكنّها شخصيّات لا تُشبه بعضها ولا تُشبه غيرها، وإن كانت تتقاسم بعض السّمات العامّة، لكنّها تفرّدت بوجودها وأَثَرِهَا وأوّلها عبدو العربجي الذي قام بدوره باسم ياخور الذي نجحَ في سبرِ أغوار وعُمق شخصيّتهِ، ومَسك زمامَ تحوّلاتها التي تأرجحت بين النّقيضين من قوة وضعف، ليستطيع ياخور بضعفها ذاك إخراجها من كليشّيه البطل الذي لا يُقهر، خاصّة حين قبَّلَ حذاء أبو حمزة (سلوم حداد) الذي كان إبداعه متوقّعا وجميلا وغيرَ مُفاجئ، كما كانت ندين خوري وديمة قندلقت اللّتان قدمتَا أداءً جيّداً يُمكن لهما ضبطَهُ وتطويرَهُ أكثر في الجزء الثّاني من العمل، أمّا ميلاد يوسف (حمزة) وطارق مرعشلي (الهرايسي) وفارس ياغي (حسن) وحلا رجب (نوريّة) وروبين عيسى (بديعة) وتسنيم باشا (زهرة) ودلع نادر (حسنيّة) فقد مثّلوا وكأنّهم لم يُمثّلوا، كلٌّ منهم أدى دورَه بحرفيّة كأنّهم هم شخصيّاتهم، كما وأجاد حسام الشّاه دور (نوري) ولعلّ هذا الدّور هو من أهمّ أدوارهِ عُموماً وأكثرها أهميّة.
أمّا الذي تفوّقَ على نفسه أداءً وحضورا وتأثيرا في المُتلقّي، فقد كان الفنان محمد قنوع بدور شومان الذي بَرَعَ في تجسيده، ودخلَ من خلاله القلوب رغم نزعةِ الشّرّ التي ميّزَتْ الشخصيّة، وكان من المؤسف جدّا رحيل محمد قنوع قبل أن تَكتَمِل فرحةُ المُتلَقّي العربيّ بنجاحهِ المُميّز ذاك، إذ فارقنا تاركا حَسرة كُبرى في قلوب كلّ من عرفه، وذكرى جميلة لكلّ مُحبّيه.
العربجي راهنَ على ترابطه الفنيّ والجماليّ ليُحقّقَ معادلة النّجاح الجماهيريّ، لكنّهُ برغم ذلك لم يَخلُ من المآخذ التي تتراوح أهمّيتها، لكن لا يُنفى وجودها، ولعلّ أهمّ تلك المآخذ هي كثرة صراخ الرّجال والمراجل والعنتريات وتناثر هذه المشاهد على مدار الحلقات ما يزيد عن الحاجة إليها، كما أن الموسيقى التّصويريّة لم تكن محسوسة غالبا، ومرّت مرور الكرام دون أن تَخلق رابطا عاطفيّا مع المُتلقّي لأنّها لم تنجح في تكريس أجواء الحكاية، وغالبا ما كانت توحي بأجواء مُغايرة لها، كما وتكرّرت الصّدفة في خلق بعض الأحداث، ولعلّ أغربها كان وصول كرمو إلى خان أبو حمزة في اللحظة التي كان عبدو قد شارف على ذبح زهرة ليمنعه كرمو وهو الشّيخ الجليل الذي كان أكبر من إمكانيّة الممثل عبد الرحمن قويدر، ولم يستطع تقمّص الدّور بإقناع، بل كان الدّور فضفاضا جدّا على أدائه، كما كان تفاعل شخصيّة لطفي أثناء التّجلي في الطّقوس الصّوفيّة التي شارك فيها ضمن الحلقة 20 تحت الشّجرة، تفاعُلاً لا يَمُتُّ بصلة لأيّ طقوس دينيّة على وجه الأرض، وإن كانت الموسيقى التي رافَقَت تلك الطّقوس بالإضافة لأنشودة «خذني إليك» قد ضأضاربرؤأضافتا – موسيقيّا- بُعدا روحيّا آسرا على العمل.
شركة غولدن لاين نافسَتْ نفسها وتفوّقت على نفسها في العربجي على ما أنتجته العام الفائت، والنّهاية لم تُحسم في العربجي وسننتظر جزءا جديدا نعوّل فيه على جودة النّص قبل كلّ شيء، آملين أن لا يقع في فخّ التكرار أو الاستسهال في استثمار مجده الذي حقّقه الجزء الأوّل وحسب، متفائلين بمستوى من الاحترافيّة يقدّمها صنّاع العمل بقيادة المخرج سبيعي لضمان استمراريّة النّجاح في رمضان المقبل.