لو كان لي أن اقترح عنوانا آخر لكتاب د. مصطفى صفوان ‘لماذا العرب ليسوا احرارا’ فهو العربي مقيّدا، وذلك لسببين، اولهما ما يحيل اليه هذا العنوان من ميثولوجيا اغريقية قابلة للتّعريب هي تحولات بروميثيوس مقيّدا وطليقا، وما عوقب عليه من سرقة سر النار، وثانيهما ان العربي لم يتأقلم مع قيوده وشروطه التي تحاصره منذ الولادة بحيث يصبح من سلالة بشرية ذات طبيعة مختلفة، رغم ان خطر الماسوشية يبقى ماثلا لفرط الحصار والتنكيل والمصادرة.
ود. صفوان اكاديمي مصري يعيش في فرنسا منذ عقود ويكتب بالفرنسية، وهو هنا يشترك مع عدد من الاكاديميين العرب الذين ينظرون الى واقعنا عن بعد ومن مرتفع ايضا تبدو معهما المشاهد وكأنها مجردة، او اشبه بسيناريوهات متخيّلة، وهذا ما يضيف بُعدا شبه استشراقي لمقاربات فكرية تأسست على جذر معرفي عابر للجغرافيا، رغم ان سطوة المكان في سياق كهذا توشك ان تحوله الى زمان متخثر، وبمقياس ما فإن هذا الكتاب الذي يبدو من خلال المقدمة قطفة اولى للحراك العربي الراعف منذ ثلاثة اعوام الا انه يشمل مقالات كتبت في فترات متباعدة نسبيا، لكن السقف المنهجي لها يبرر تجاورها ويعطيها نسقا فكريا ما دام السؤال الجذري هو الحرية.
ولكي لا تكون قراءتنا لمطارحات د. صفوان بالجملة وعلى طريقة من يسميهم اوسكار وايلد محصلي النقود الذين يقيسون قيمتها في ضوء عملة صعبة محددة، فإن ما نراه مناسبا هو تحديد ثلاث ثيمات هي من صلب هذه الاطروحة …
الاولى ..الثقافة والسلطة، والثانية اللغة الفصحى والعامية، والثالثة الثورة واختلاف منسوبها في حراكات تتوقف عند تخوم الجوهر.
موضوعة الثقافة وبالتحديد الكتابة والسلطة عولجت مرارا، كي لا نقول قتلت بحثا لكن معظم المقاربات العربية في هذا السياق بقيت تراوح بين الترجمة والتجريد، وما اعنيه بالترجمة هو استعارة هواجس وشجون انتلجنسيات مجتمعات اخرى، وهذا بحد ذاته يعفينا من الحرج السياسي والاجتماعي، اما التجريد فهو السّجال العقيم الذي يتوقف عند حدود التعريفات والمفاهيم وفوضى المصطلحات، وهناك مفردة سحرية في لغتنا كما في كل اللغات هي ‘البعض’ وحين يقال بعض النظم السياسية او بعض البلدان او حتى بعض المثقفين نكون قد سعينا مسبقا الى الاحتراز الدفاعي، ما دام هناك بعض آخر مُستثنى وله الحق تبعا لهذا الاستثناء ان يتوهم بأنه معصوم، وغير مشمول بالنقد. وما كُتب حتى الان عما يسمى النظام السياسي العربي كان يكفي لبلوغ النخاع لولا هذه الدريئة التي اسمها ‘البعض’ ففي التعميم والاطلاق نجاة من عبء التخصيص وسبب ذلك هو الخوف المزمن ليس من السلطة السياسية فقط بل من المجتمع الذي يعاني استلابا في الوعي ومن خذلان المثقفين الذين ما ان يسقط احدهم كالثور او البعير حتى يبدأ شحذ السكاكين حوله .
‘ ‘ ‘
موضوعة الفصحى والعامية ليست جديدة في طروحات د. صفوان الا بالقدر الذي يبحث فيه عن نماذج في ثقافات اخرى، كان الخروج فيها من الفصحى الى العامية بمثابة تحريرالكتابة من الابراج التي تنحصر فيها. ومن هذه النماذج دانتي الذي كان أول من حضّ على تغيير استعمال اللاتينية كلغة موحدة في اوروبا وكان دانتي قد استلهم في ذلك شيشرون الذي حرر اللاتينية من عقدة نقصها جاعلا منها لغة للثقافة ومن تلك النماذج ايضا ترجمة مارتن لوثر الكتابات المقدسة في القرن السادس عشر الى اللغة المحكية، لأن أفضل المعاجم بالنسبة للوثر هي الامهات في البيوت والاطفال في الشوارع والناس في الاسواق، لهذا يقول د. صفوان ان قناعته بضرورة التعبير باللهجات المحكية هي ما دفعه شخصيا الى ترجمة مسرحية عطيل لشكسبر باللهجة المصرية.
هذه الدعوة ظهرت من قبل في لبنان، وفي مصر ايضا لكنها لم تتحول الى قصة نجاح على طريقة دانتي او لوثر كنغ، ولكي نضع الفصحى مقابل العامية او العامية بديلا للفصحى علينا ان نقبل بفك الارتباط العضوي بين اللغة والفكر، والحقيقة ان مثل هذا التفكيك ليس متاحا الا لمن قرر ان يتعامل مع الفصحى باعتبارها لغة اجنبية او لغة ميّتة، ولا ندري كيف يمكن للعامية ان تعلن الطلاق والقطيعة مع ثقافة موروثة ومكتوبة بالفصحى، الا اذا قررنا البداية من اول السطر، وكأن ما فات مات.. واذا كانت ترجمة مسرحية لشكسبير الى العامية المصرية ممكنة على الأقل بالنسبة للمؤلف، فما السبيل الى ترجمة نقد العقل لكانط او الوجود والعدم لسارتر او مؤلفات هيغل الى العامية؟
‘ ‘ ‘
الموضوعة الثالثة، وهي احد محاور السجال الدائر في العالم العربي بعد ثلاثة اعوام من الحراك الذي يراوح بين مدّ وجزر وانحسار وتمدد اضافة الى العدوى المتبادلة كما حدث بين مصر وتونس، فعدوى الحراك الذي حمل شعار اسقاط النظام حملتها الرياح من تونس الى مصر، ثم سرعان ما نقلت الرياح ذاتها حركة تمرد من مصر الى تونس بحيث بدأ الحديث عن موجة ثانية من الثورة وكأنها ثورة على الثورة او تصحيح لمسار او استعادة لمخطوف.
ما يراه د. صفوان هو ان الحراك العربي على امتداد خطوط الطول والعرض في التضاريس العربية لم يستكمل الشوط، فإسقاط النظم المستبدة ليس نهاية المطاف، والأخطر منها جميعا هو بنية الاستبداد ذاتها، خصوصا حين يكون موروثا وآسنا، ومستفحلا حتى النخاع، ورغم اختلاف المصطلحات فقد طرح الكواكبي قبل قرن سؤال الاستبداد بنيويا في كتابه طبائع الاستبداد حين قال انه سلالة، وله اسلاف وابناء واحفاد، لكن الاستبداد ليس وَرَما موضعيا يمكن استئصاله، انه ثقافة ايضا وهي مبثوثة في أدق تفاصيل النسيج، وما من سبيل لنقد هذه الثقافة تمهيدا لنقضها الا بالدخول من الابواب وليس التسلل من النوافذ او صدوع الجدران، وهذا ما نتجنبه جميعا بسبب فائض الخوف وموفور الاحتراز لهذا فإن غاليليو العربي يلثغ بدوران الأرض، ثم يحاول النجاة حين يهمس لنفسه فقط بالحقيقة، لأن محاكم التفتيش هي ذاتها رغم اختلاف اسمائها وادوات تعذيبها ووحشية عقابها.
غالــيليو العربي متكرر، لكن النادر هو جوتارنو برنو الذي تحول الى رماد.
‘ ‘ ‘
يذكر د. صفوان ان عدد من يستطيعون القراءة والكتابة في مصر الان لا يتجاوز عدد مواطني اثينا في القرن الخامس قبل الميلاد، وهذه نسبة كارثية ومفزعة تفتضح الانتشار الوبائي للأمية، هذا اذا اقتصرنا على الأمية بمعناها الابجدي ولم نضف اليها عائلة الاميات الاخرى كالامية الثقافية والامية السياسية والامية الصحية والنفسية.
اخيرا، ثمة طرفة تختصر الدراما كلّها هي ما قاله هيدغر عن اللغة باعتبارها بيت الانسان فهي المكان الذي يسكن فيه ويقيم …
هنا، يعلق احد الظرفاء قائلا: لو كان الامر كذلك لما كانت هناك ازمة مساكن!!!