من الغريب والصادم أحياناً أن نشعر من ردود الفعل الدبلوماسية للدول العربية، وكأن التحركات الإيرانية الخارجية لاتزال بعد كل هذه السنين من الحرب الباردة بينها وبين جيرانها مفاجئة وصادمة وغير متوقعة بشكل متكرر، وكثيرا ما توحي خطابات الاستنكار والشجب التي تخرج بها تلك الدول ضد التحركات الإيرانية، بأنها تعاني انعداما أو شحاً في استراتيجيات الرد أو الاحتواء الجماعي؛ حتى وهي تتوقع تكرارها. هنا تحديداً، يكمن ‘بيت الداء’ في ملف العلاقات الإيرانية – العربية. ولكي نبدأ رحلة العلاج علينا الاعتراف بوجود الداء أولا. إن الداء يكمن هنا في معدة طباخ’ السياسة العربي.
تلك الإشكاليات التي تزعزع بها إيران حياتنا الفردية الفارهة، ورخاءنا الاقتصادي، وهيبتنا الدولية، وأمننا القومي الداخلي، ونسيجنا الاجتماعي المتماسك رغم حساسيته، وسيادتنا الوطنية وأنظمتها المركزية الصارمة، هي نفسها التي تحركها إيران منذ سنوات عديدة، مع أنها تتشابه معنا في كل ما سبق أو معظمه على الأقل. ولأن استراتيجيات رد الفعل التي تمارسها دول المنطقة على هذه الإشكاليات لم تتغير بدورها، فإن التحركات الإيرانية ظلت على وتيرتها، تباغت وتحقق مكاسب محددة وجلية مهما صغرت، من دون أن تجد مقاومة تردعها أو تدفعها لمراجعة نفسها قبل الإقدام على خطوة مماثلة مجددا، بل اننا وفي بعض الحالات، بتنا – بردود أفعالنا – نخدم الأهداف الإيرانية، من دون قصد- خصوصا تلك المتعلقة بالشيعة والنسيج الطائفي والعرقي في الخليج عموما. وقد حدث ذلك في حالة البحرين تحديدا في مرحلة ‘الربيع العربي’، والرعب الذي خلفته مؤخراً مغازلة الولايات المتحدة للحكومة الجديدة في إيران، واحتمال عودتها إلى حظيرة الدول الصديقة لها.
لا ضير احتراماً للتاريخ والواقعية – من أن نعترف بقلة الخبرة في التعامل مع إرث إيران السياسي الأيديولوجي، لكن من ‘جلد الذات’ أن نعترف بعجزنا عن إيجاد الحل لمشكلة تؤرقنا طويلاً، وهو الاستسلام غير المبرر لواقع أننا لا نملك حولا ولا قوة لمواجهتها، الأمر الذي يجب أن يتغير. علينا أن نفهم محركات الصراع، وقبل ذلك أن ندخل إلى العقل الإيديولوجي المحرك لإيران الدولة، ونستقرئ من خلاله الأساليب والأهداف التي تهددنا.
للأسف، فإن معظم ردود الأفعال الإقليمية الرسمية ضد إيران تكاد لا تجدي نفعاً، فهي بالنسبة للإيرانيين لعبة دبلوماسية يجيدون تأجيلها تارة، وتمييعها تارة، والرد عليها بالتهديد والوعيد أو الاستمرار في استفزازاتها المدروسة تارة أخرى. وفي الأخيرة، تسعى إيران لحثنا على الإدراك أنها تتحدث بمنطق القوة ‘النووية’ و’التهور السياسي والعسكري’، على الرغم من أنها لم تستخدم أياً منهما منذ استيلاء ثورة خميني على مقاليد الحكم فيها. وفي حالة الجزر الإماراتية المحتلة، فإن هذا الملف بالذات هو من القليل النادر الذي ورثته الثورة الإسلامية الإيرانية عن النظام البهلوي العلماني البائد، من دون أن تتخلى عنه أو تسعى لحل توافقي فيه مع الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي.
لفهم العقل الإيراني السلطوي أكثر، علينا أن نعود لجذور تكونه وإرثه التاريخي. إن إسلامية أو شيعية النظام الحاكم في إيران ليست الوجه الحقيقي المخطط للسياسات الإيرانية الداخلية والخارجية في رأيي. كما يجب عدم إغفال أن محاولتنا إثارة الأخبار والتقارير التي تتحدث عن قلاقل الداخل الإيراني الراهنة، أو إبرازنا لردود الأفعال الدولية الساخطة على إيران لن تجدي نفعا. ذلك أن داخل إيران منكفئ على نفسه، وحراكه السياسي الاجتماعي لا يستمد قوته من الضغوط أو الدعم الخارجي، كما يحدث الآن في دول ربيع الثورات ويهدد أنظمتها السيادية. فالإيرانيون على عكس كثير منا نحن العرب، معتزون بذواتهم وهويتهم الفارسية كثيراً، فخورون بتراثهم الفارسي وارهاصته التي أنتجت بين جملة منتجاتها دولة ولاية الفقيه والإرث الصفوي التاريخي. وهذا يعني أن الوجه الحقيقي لإيران فارسي استعلائي بامتياز ـ خصوصا على عرب الجوار. وإن كان الإيراني مستعداً للاستعانة بأحد من الخارج لإسقاط نظام ولاية الفقيه المتسلط، فهو وفي ظل أقسى الظروف سيرفض يد العون عندما تكون عربية. إنها فكرة متجذرة في العقل الجمعي الفارسي – الإيراني تستمد من إيمانه أنه الأعظم حضاريا وثقافيا وقومياً؛ وهي فكرة ترفض واقع أن الساحل المقابل لم يعد صحراء القحط التي تفرق أهلها الظروف البيئية القاهرة والموارد الاقتصادية المحدودة، والتحديات الاجتماعية’ المنبثقة عن بذرة التعصب القبلية والعرقية، فتلعب دورا مهما ضد التطور الحضاري للجزء العربي من الخليج طويلا.
إن إطار إيران الشيعي ما هو إلا نتاج الفخر الفارسي والفكرة المتأصلة بأن الفكر الشيعي المعاصر هو وليد المدارس والحوزات العريقة في أرجائها، أي أنه وليد فارسي صرف، بغض النظر عن أن جذور هذا الفكر انطلقت من الأراضي العربية، وتعود إلى أزمة الخلافة الهاشمية التي سالت دماؤها وتولد مفهومها الثأري الثوري على أرض كربلاء العراقية.
لو أدركنا كل ذلك حقاً لقطعنا الطريق على مغذي الطائفية في بلادنا أفراداً وجماعات. إن الطائفية ليســــت تهديدا مرحليا حتى نعتقد أن إيران تلعب بأوراقه اليوم، ولن تلعب بها غداً.
وكنتاج حتمي، فإن تسليطنا الضوء على المسألة الطائفية وعلى أن إيران تحرك الأزمات الشيعية داخل حدودنا، هو جزم متهور ذاتي التفجير، يغفل حقيقة أن ردود أفعالنا تجاه الشيعة والتشيع؛ طائفية بدورها، وتؤسس لورقة إيران الرابحة في إلهائنا؛ والمتمثلة في الخطاب السياسي الطائفي، الذي يكتسب طابع التدخل والإشعال الداخلي، بين إيران وجاراتها ذات الأنظمة السنية، بما فيها العراق الذي يحكمه الشيعة اليوم. هذا لا يعني عدم وجود خطر طائفي محتمل لتأثير المرجعيات الشيعية الإيرانية على شيعة الداخل، مما يهدد مفاهيم السيادة والولاء والمواطنة في الأقطار العربية، لكن هذا الخطر محتمل بالقدر نفسه من المرجعيات السنية المتطرفة وفتاواها الفئوية، وقد تهز هذه المرجعيات تلك المفاهيم بالقدر نفسه والجدية نفسها.
علينا ـ سريعاً- أن نتفكر في حقيقة أن العراق في توتر مع إيران، ليس لأن تشيع حكامها لا يعجب إيران، بل لأن هوية العراق وأيديولوجيته وانتمائاته: عربية بامتياز. هو صراع يغذيه ادعاء الشيعي العربي أنه أحق بإرث الثأر الحسيني.
كل ذلك يطرح بقوة أهمية أن نعالج مفهوم المواطنة والولاء والهوية الوطنية بشيء من المراجعة، وفق وضعنا الحداثي المعاصر، وبعيدا عن التعصب والتصنيف. وفي استخلاص سريع يعقب معرفة هذه الجوانب، علينا سريعا أن نعتبر التهديدات الإيرانية تجاه الدول العربية منفردة، يصب في اتجاه تهديد المنطقة بالكامل، وهو ما يستدعي بالضرورة مراجعة جادة للمواقف الأخيرة التي انبثقت عن الدول العربية ومنظوماتها الإقليمية تجاه الاستفزاز الإيراني للحق الإماراتي في جزره المحتلة مثلا.
‘ كاتب واعلامي اماراتي