العرب في اسرائيل ينتظرون القذيفة كأنها هدية جاءت بعد سنوات انتظار!: يا أدباء حيفا المقصوفة والجليل ماذا تفعلون الان؟

حجم الخط
0

العرب في اسرائيل ينتظرون القذيفة كأنها هدية جاءت بعد سنوات انتظار!: يا أدباء حيفا المقصوفة والجليل ماذا تفعلون الان؟

زياد خداشالعرب في اسرائيل ينتظرون القذيفة كأنها هدية جاءت بعد سنوات انتظار!: يا أدباء حيفا المقصوفة والجليل ماذا تفعلون الان؟حيفا ـ القدس العربي في حيفا التي تقصف الان ثمة ادباء يعيشون معرضين للموت في اية لحظة، محاصرين في البيوت، البيوت التي مكتباتها ساكتة فلا وقت للكتب والاحلام والعوالم الافتراضية هناك عالم واحد الان هو عالم الموت السريع المهمة الان: كيفية النجاة من هذا الموت المتجول، السؤال الان هو كيف يمكن اقناع الصاروخ العربي الغاضب بان ثمة عربا هنا، فلتذهب الي الجهات الاخري ايها الصاروخ فنحن نحبك. في حيفا الجميلة، ثمة شعر يكتب وقصص ولوحات ترسم، ثمة سينما ومسرح، ثمة عشاق وحب وبحر مجنون، ولكن ثمة موتا ضريرا قد يهجم فجأة، فيذهب كل شيء: البنايات والطرق والمدارس والحدائق، اما الفنون فلا مجال لذهابها، هزمتك يا موت الفنون جميعها، الميناء مهجور، البحر منحسر، والجبل ساكت، من كان يتصور ان حيفا يمكن ان تسكت عن الشغب، مدينة الحب تحولت فجأة الي مدينة اشباح، لا يمشي في طرقها سوي الصمت والموت والخوف، المفارقة كانت هي سيدة احساسي وانا أباشر اتصالاتي مع ادباء حيفا وشعرائها، قلت لاسامة مصري وحنا ابو حنا وهشام نفاع وسهيل كيوان ومني ظاهر وسليم ابو جبل وسلمان ناطور وسناء لهب: وهم الاشخاص الذين نجحنا في الامساك بخطوطهم الخلوية: ان دورنا الان نحن سكان الضفة الغربية قد جاء لنطمئن عليكم ونتأكد انكم علي قيد الفنون. ان كنتم انتم تطمئنون علينا ايام الحصار والقصف، علي مدننا وقرانا ومخيماتنا، ضحك ادباء حيفا، تلك الضحكة البحرية الصاخبة التي تتحدي الموت وتتمسك بالحياة، قلت في نفسي: انه الوطن الواحد والهم الواحد والألم الواحد. حاولت ان اتصل بعشرات من الكتاب والشعراء والمسرحيين والسينمائيين، كانت الهواتف الخلوية اما مغلقة او لا ترن دون ان يجيب احد، فكنت اتوقع ان ادباء حيفا لا يكترثون في هذه اللحظات العصيبة الا الي تفادي الموت العشوائي، الذين نجحنا في الامساك بهم، سألناهم سؤالا واحدا: ماذا تقول في هذا الوقت العصيب، قل أي شيء، اهذي اشتم، ابك اضحك ارقص أي شيء، أي شيء، هنا هواجس ادباء حيفا: الشاعر حنا ابو حنا:آن لزمان الضفادع ان يولي ما الذي تستطيع أن تفعله في هذا الظرف.هذا هو السؤال الذي يطوقك ويسد السبل أمامك. قلت في إحدي قصائدي: هل أدهي من حال اللاحول إذا قُطِعَتْ أيدي الحق ّولم تملك في ويلك إلا الآه..!لا يمكن أن تخرس وتتمزّق. إلي الناصرة إذن للمشاركة في مظاهرة الاحتجاج علي هذه الحرب المؤامرة. حكومة تحتج علي اختطاف جندي هنا وجنديين هناك.هذه الحكومة تخطف وزراء واعضاء برلمان انتخبوا في انتخابات دمقراطية بإشراف دولي. وحكومات قبلها تسللت إلي لبنان واختطفت قوما عذّبتهم في سجونها!!يحق للقوي أن يخطف أما إذا تـجرّأ الآخر علي ذلك فإنه يغيّر قواعد اللعبة !يكسر ذراع الرّدع !! إذا أطلقت صاروخا بدائيا فأنت إرهابي أما إذا امتلكت الطائرات البالغة في الأحكام والقنابل الحمقاء والذكية ودمّرتَ وقتلت بالمئات فأنت صاحب الحق.تُـشْرِعُ الوردة شوكًا للدفاع فتقاضيها الشـريعةْوالدم الخاضب أنياب الضباعسِـمَـةُ الشّـاة الوديعةْايها الناس إنكم تُـذبَحون علي مذبح الشرق الأوسط الجديد . أمريكا تعارض في إيقاف القتال قبل تحقيق الانجازات المرسومة! نحن ندمّر وحلفاؤنا الأعزاء يدفعون تعويضات عن المباني والمرافق التي سوّيناها بالأرض. سريالية.! هذا هو الشرق الأوسط الجديد . إلبسوا الكمّـامات فالجو خانق.عزيزي زياد:ما كدت أضع سمّاعة التلفون بعد حديثك حتي انطلق الزاعوق مذعورا زاعقا. (أفضل هذه التسمية ـ الزاّعوق ـ علي صفارة الأنذار ، مع أن الزاعوق في قريتي يعني: الوابل الشديد من المطر).بيتي علي سفح جبل الكرمل مواجه لرأس الناقورة ولذلك فإن الخطر وارد. كثيرون اتصلوا يستضيفوننا لنبتعد عن موقع الخطر لكننا نأبي الهرب. الصاروخ الأول الذي أصاب حيفا سقط علي بعد بعض مئات الأمتار ـ هوائيا ـ عن بيتنا. لذلك يحملنا الزاعوق إلي خارج البيت في هذه العمارة الكبيرة إلي موقع أكثر أمانا. عادةً ينتهي الزعيق بعد أقل من دقيقتين لكن في هذه المرة ما كادت الوجبة تسكت حتي عادت تجأر. وجبة ثانية.نعود إلي الشرفة نستطلع مواقع دخان. أمس أصاب صاروخ بيت رجل كان قد شارك في اليوم السابق في مظاهرة استنكار للحرب في تل أبيب. في البيت المدمّـر، سأل المذيع صاحب البيت: والآن ماذا تقول؟.أجاب الرجل: أذهب إلي مظاهرة للأحتجاج بمزيد من العزم .ما كادت تنقضي عشر دقائق حتي انطلق الزاعوق مرة أخري. نركض إلي المـلاذ حتي يصمت هذا الذّاعـر.سمعنا أصداء أكثر من دويّ. نعود إلي الشرفة نستطلع الآثار. نعود إلي التلفزيون نسافر بين المحطات. الآن أدرك حقيقة معني اسم قناة الجزيرة فهي الملاذ الاعلامي في هذا الأوقيانوس الملوّث المضطرب.كيف نقضي الوقت؟لا تستطيع أن تقرأ أو تكتــــــب بهدوء. عين علي التلفـزيون وأذن ترصــــــد الزاعوق. تصل بعض الرسائل الجارحة في البريد الألكتروني: صور ضحايا القصف الأسرائيلي ـ جثث ممزقة، أطفال مشلّخون وأطفال اسرائيليون يكتبون رسائل علي القنابل التي تكاد توازيهم في الطول يبعـثون بها إلي الأطفال الضحايا!! ونقرأ الافتتاحية اليتيـــمة لمجلـة الآداب : يا حرام لبنــــــان فترفع يديك مع سماح إدريــــس نحو الســــماء ولا يمتليء الفم بالماء!فقد آن لزمان الضفادع أن يولّي. الكاتب سليم ابو جبل:جهاز التحكم بين الخوف والتأييد قال لي أحد الأصدقاء مازحًا أن عائلته العربية التي تركت حيفا إلي القدس هربًا من القصف القادم من جنوب لبنان، لا تعرف من تتهم بتهجيرها الثاني بعد التهجير الذي تعرضت له في عام 1948؛ حزب الله أم إسرائيل؟ في الأيام الأخيرة أراد الإعلام الإسرائيلي إجابة فورية علي سؤال سريع؛ هل أنتم مع إسرائيل أم مع حزب الله؟ السؤال الموجه للعرب الفلسطينيين الذين يسكنون في إسرائيل جاء بعد إصابة قذيفة لطفلين في مدينة الناصرة. وحين رفض والد الطفلين استنكار قصف حزب الله لشمال إسرائيل وقتل ولديه، وجد الإعلام الإسرائيلي في العرب العدو الذي بحث عنه منذ بداية أيام الحرب الجديدة علي لبنان. ليست هذه مشكلتنا، فحين تتحدث المؤسسة الإسرائيلية بلسان وسائل الإعلام عن العرب علي أنهم موالون لحزب الله أكثر مما هم موالون لإسرائيل، فإنها تلمح إلي أن العرب يؤيدون عدو أسرائيل. لكن حقيقة الأمر هي أن العرب الفلسـطينييين في إسرائيل هم أعداء إسرائيل أيضًا، برغبة إسرائيلية شديدة، وممارسة عنصرية علي أرض الواقع. يسيطر الفرح أكثر من الخوف علي العرب الفلسطينييين في حيفا لحظة تساقط القذائف. حين سأل مراسل أجنبي أحدهم لماذا لا تختبئ من القذائف أجاب بأنه لم يقم بعمل سيئ تجاه أحد، أولئك الذين يشعرون في قرارة أنفسهم بذلك يسارعون إلي الاختباء. من الواضح أن التماثل مع حزب الله هو الأمر البديهي، الأمر الذي لا تريد أن تفهمه إسرائيل، ففي الوقت الذي ينزل فيه اليهود إلي الملاجئ، فإن العرب يخرجون ليشاهدوا القذيفة القادمة، وكأنها هدية جاءت بعد سنوات الانتظار الطويلة، سنوات طويلة لم تُقهر فيها إسرائيل، ولم يجرب فيها اليهود الخوف لمرة واحدة.يقودني جهاز التحكم بالمحطات التفزيونية إلي إزدواجية الشعور بين اقتراب الخطر من القذائف الساقطة علي حيفا، وبين تأييد حزب الله في محاولاته لقهر الآلة العسكرية الإسرائيلية. فأقسّم وقتي في متابعة أخبار الحرب بين المحطات الفضائية العربية والقنوات الإسرائيلية، أتقلب من محطة لأخري بين مشاهد الأضرار الناتجة عن سقوط قذيفة علي مبني البريد القريب من بيتي، وبين مشاهد القتل والدمار في بيروت والجنوب اللبناني، وأخبار صمود مقاتلي حزب الله في وجه الدبابات والقاذفات الإسرائيلية، وأنشغل بين هذا وذاك بمواقع الانترنيت واستقبال رسائل البريد الإلكتروني وإرسالها. أمشي بحذر بين اللغتين ووسائل الإعلام من الجهتين. هكذا أنصب نفسي حكمًا محايدًا بين جهتي الحرب، وأجزم بعد ساعات من ذلك أن احتمال مقتل عرب نتيجة سقوط قذائف حزب الله، فريضة واجبة الدفع في الحرب علي إسرائيل، وبأن إرهاب الدولة التي تمارسه إسرائيل لا تفوقه وحشية سوي اصطفاف وسائل الإعلام الإسرائيلية في دولة تدعي الدموقراطية، فتذوب السلطة الرابعة في أحذية العسكر، كما في أي نظام شمولي آخر.أقول لأحد جيراني اليهود إن حزب الله لا يريد قتل اليهود بقدر ما يريد إخافتهم وإجبارهم علي النزول إلي الملاجئ وإحداث الشلل في الاقتصاد والحياة في إسرائيل، فيجيبني أن نصرالله رجل شرير يريد القتل لهدف القتل. لا حياة لمن تنادي، ففي دولة الجيش هذه لا يتحدثون إلا بلغة القتل، وما لا يحدث بالقوة، يحدث بالمزيد من القوة. فالجيش الذي أسس دولة، ما زال يتقدم إلي الحرب بكل شراهة، يقتل ويدمر بلا رحمة، ويسميها حربًا عادلة!بعد أن مارست في الأيام الأخيرة رياضة الاختباء من القذائف الصاروخية، فأخرج من غرفتي المليئة بأصوات الحرب عبر المذياع والتلفزيون والانترنيت والجرائد إلي مكان أكثر آمنًا؛ أعرفت أخيرًا أن القذيفة لن تصيب بيتي القابع في الطابق الأول من العمارة، فالقذيفة التي تسقط عاموديًا، عليها أن تخترق طبقات العمارة كلها قبل الوصول إلي بيتي، وهذا ما لن يحدث. ذهبت بقايا الخوف ولم أعد اشعر بها، لم أعد أشعر إلا بالمزيد من التأييد لقهر إسرائيل، ولم أعد أشعر إلا بمزيد من الرغبة بأن يرتعد يهود دولة العسكر رعبًا.الشاعرة ليلي الصفدي:ثلاثة اسئلة ـ ثلاثة انكسارات بلال علي غير عادته يدخل مسرعا هذه المرة، لا ليشاهد قناة ديزني المخصصة للأطفال بل ليشاهد الأخبار، أمي يقولون أنهم يقصفون قريبا من عين قنيا!!! .بلال علي غير عادته جلس واجما هذا الصباح، ما خاله دمية كانت طفلة يحملها رجل أمام الكاميرات، هو بعد لا يعرف كيف تبدو أجساد الأطفال عندما تغادرها الروح، هو سمع عن الموت.. لكنه لم يره بعد، ربما كان يظنه أكثر هيبة واحتراماً، ولأن التلفاز كان هذه الأيام ساحة معركتنا، احترم مشاعرنا وقرر الهرب للعب خارجاً، لكنه كان يعود كل مرة ليسأل سؤالاً له علاقة بـ لبنان: أين تقع لبنان؟ اللعبة لم تكتمل والأولاد في الخارج ينتظرون، يخرج ويعود: أمي هل نانسي ما زالت في لبنان؟ .الكلب في الخارج جائع.. بلال سيطعمه، خرج وعاد: أمي هل لدينا شيء للأكل؟، هل انتهي القصف؟ .النهار انتهي وانتهي وقت اللعب، بلال يشاهد الأخبار وينهال علي بالأسئلة: أمي هل انت متأكدة أنّ لبنان خلف الجبل؟ أين يختبئون؟ الي أين سيهربون؟ أنا احضر العشاء وأجيب كعادتي باستطراد، ربما إجاباتي الموسعة أعطت لبلال الضوء الأخضر ليكمل:- أمي لماذا نحن فقط نموت؟ – أمي أليس لدينا دبابات لنرد عليهم؟ – أمي ألا يراهم الله؟ ثلاثة أسئلة…. ثلاثة انكسارات…. أنا علي غير عادتي.. أتجاهل الإجابة، للسؤالين الأول والثاني.. أقدم له فنجان شاي بارد.وللإجابة عن السؤال الثالث أقول: اذهب لجدك وأسأله.القاص هشام نفاع:حيفا اليوم غريبة البائع اليهودي الذي تربطني به علاقات يومية طيبة كان معبّأ بالبارود في أول أيام حرب اسرائيل الجديدة علي لبنان. وهو ما أشعل بيننا نقاشًا صاخبًا، انتهي بالاتفاق علي اننا سنتحدث بعد أسبوع. لم نتناقش حتي مرّ أسبوع ونيّف، دخلت عليه وسألته، فقال: آن الأوان للتوقّف. شيء ما يخفت في الغرائز. بالضبط كما بدأ صوت جنرالات إسرائيل يخفت كلما اتّضحت لهم استحالة مغامرتهم القاتلة. وكلما انفتحت عيون العالم، هذه الناعسة دومًا، علي حجم القتل والدمار الذي صنعته آلة الحرب الاسرائيلية الوحشية علي طول لبنان وعرضه.في حيفا بتُّ أنتظر مكالمة والدتي من الشمال، أو أبادرها بالاتصال، كلما زعقت صافرة الانذار السابقة للقصف الصاروخي. صوت أمي يتألف من قلق وحزن وانتظار. ككل الأمهات في الحروب كما أتصوّر. أمي غاضبة أيضًا وتسبّ اسرائيل وأمريكا والعرب.مكالمات الاطمئنان تتوالي داخل المدينة. بضع كلمات لا تخلو من السخرية المرّة، علي خلفية يؤلفها قلق حقيقي. وكلها تنتهي باستعراض سريع لما يجري، وغالبًا بشتيمة منتقاة لجنرالات الغطرسة.حيفا اليوم غريبة، خالية، باهتة. قبل يومين هاتفت والدة صديق من حي وادي النسناس كان سافر منذ سنوات للخارج، وكانت تبكي. وقع صاروخ علي مقربة من شارعها. كم حزنت. كم غضبت. أمشي أحيانًا في بعض شوارع المدينة مساء، فأري أن الشبابيك المعتمة تفوق تلك المضاءة. حين نجلس ليلا في مقهي عبد أو الياس، الوحيدين المفتوحين تقريبًا في مركز المدينة، ألاحظ كم أن الوجوه حزينة ومتوترة رغم محاولات الضحك. حين يتحدث الواحد عمّا وقع له، يسخر. ربما لأنه يعجز عن المواجهة القاسية مع شعور خفيّ بأنه يتفهّم قصف مدينته. هل يوجد أقسي من التفهّم السياسي لمأساة مدينتك.. لقصف حيفا. بل أية مدينة في العالم؟!أما حين يذكّر أحدهم بمشاهد الجنوب وبيروت فينضم حزن كبير إلينا. وحين سمعنا عن مقتل الطفلين الشقيقين من الناصرة، لم يكن لدينا سوي شعور عميق بالحرج. فصمتنا.ألتقي أحيانًا قلة من الأصدقاء الراديكاليين اليهود. شعورهم ثقيل، بعضهم يواظب علي المظاهرات التي بدأت تزداد. في البداية شعرت باليأس حتي من هذه الاحتجاجات وأثرها. اليوم، خاصة بعد أن تظاهرنا في تل أبيب، أشعر أن الأمور تتغيّر.خلال الساعات الطويلة في البيوت، تقتنص متابعة الأخبار معظم الوقت. من الصعب التركيز في قراءة أو دراسة أو كتابة. بالكاد أنجح في العمل لبضع ساعات في الترجمة. أتبادل كل مقالة تبعث بعض الأمل مع حلقة من الأصدقاء. ليلة الأحد، قضيتها وحدي، كتبت لهم رسالة يائسة. في الصباح تلقيت مقالا مشجّعًا من أحدهم. وتذكير بمقولة التحرّريين الإسبان: هذا لن يمرّ! .كل الكتب التي كنت قطعت عددًا من صفحاتها صارت مؤجلة الي ما بعد الحرب. حاولت أمس العمل علي نصّ أدبي يرافقني منذ أشهر، لكني لم أفلح. في الصباح لم أنجح سوي في قراءة بعض نصوص لبرتولد بريخت. وتركت الكتاب حين أصغيت للجنرال حالوتس يتحدث عن حيوية ما يقوم به الجيش، راميًا عرض الحائط بمصير أطفال شعبه والشعوب الأخري. عدت للحاسوب وحاولت إكمال مقال بالعبرية أكتبه منذ يومين، فلم أنجح. ماذا سأقول، ولمن الآن، فالثمل يشلّ الأدمغة، رغم وجود بوادر ضئيلة بطيئة لليقظة.صديقة من القدس تتصل وتقول إنها يائسة، أحاول إقناعها بترك هذا الترف الآن. أفطن بحالي اليائسة أمس، ولا أصارحها بذلك. تستغرب مرة أخري لماذا لا أغادر حيفا، فأتنصّل. أفطن بإميل حبيبي باقٍ في حيفا وأبتسم بسخرية مرّة من نفسي ومن استحالة الوضع. فالبقاء كان مطلوبًا أمس وهو كذلك اليوم بسبب نفس حكّام هذه الدولة. مرة حين أرادوا لنا التهجير، فكان البقاء أمضي الأسلحة، والآن حين استقدموا الصواريخ الشقيقة علينا في المدن والقري التي يحكمونها. كم أمقت عجرفتهم. هذه التي تتفجّر نتائجها في وجوههم الباردة ببطء. أتذكّر ما قالته إحدي الصديقات: اللهم لا شماتة!قبل قليل تلقيت عريضة جديدة عبر البريد الالكتروني ضد العدوان. شعرت بالسّخف وأنا أوقّعها بسبب دوري المتزايد في نضالات الواقع الافتراضي. لكني فطنت للمفارقة: حتي هذا الواقع الإفتراضي لا يزال يتفوق علي الواقع العربي الفعلي. فهو علي الأقل يسمح بإطلاق بعض الصرخات، مهما كانت خافتة ومتواضعة، ضد استمرار ذبح العرب من شريانهم اللبناني، فيما هم صامتون.الكاتب سلمان ناطور:لا افعل شيئا العزيز زياد: ارجو ان تعذرني لاني لم اكتب لك بالامس، ويبدو اني اصبحت عاجزا عن اية كتابة، في الايام الاخيرة، انني لا افعل شيئا، لا اسافر لا اقرأ لا اكتب، فقط اشاهد الهمجية والتدمير، والنفاق واللغط العربي واشتم ولكني احاول ان احافظ علي هدوئي، لا بد اني اخزن واخزن، ولا اعرف متي سأفرغ ما عندي انا واثق انك ستعذرني، لانك لابد تعرف هذه الحالة، الا اذا كانت روح الشباب تعمل العكس، وانا يبدو اني فقدت هذه الروح.الشاعرة مني ظاهر:جنازات ورد وسراب وبقايا كرامة ـمن هنا وهناك: في زمن الحروب يضحي الإنسان المعجون بكومة المشاعر والغرائز، المجبول بروح وفكر ومُكْتَسَبٍٍ.. يضحي الإنسان المقتول رقمًا لا غير.. عددًا مضافًا إلي أعداد سابقة وأخري قادمة..تقوم الحروب لمصالح ومآرب أساسها الاقتصاد والمصالح الماديّة.. لكن ما نحن فيه لا أفهمه.. طرف يقتل وآخَر يقاوم.. أليست المقاومة دفاعًا عن إنسانٍ/ بيت/ أهلٍ/ أرضٍ/ عن وطن.. ما يحصل الآن هو حرب لا هدف منها سوي التّدمير والقتل ثمّ القتل والقتل..حقيقة تنتابني مشاعر متناقضة مليئة بالحزن، الاكتئاب، حتّي الشّلل لكلّ ما يجري في أرض تتقاذف الميّتين والقتلي، في أرض غدت كومات من تراب وحجارة وأحمرٍ قانٍ.قتلي هنا في فلسطين.. وقتلي في العراق.. وقتلي هناك في لبنان..في اليوم الثّامن للحرب: قالت لي صديقتي المتأجّجة كانت بالحياة والمغامرات والضّحكات- من هناك: أنا ما زلت علي قيد الحياة.. لقد حُرِق بيتي وهربت منه.. هربنا منه في لحظتها.. ونحن في ثياب النّوم، أتدرين كان يجب أن أبقي فيه لأحترق وإيّاه..صمتُّ.. ثمّ قلت: سينتهي هذا الكابوس لنحتمل معًا..قالت: نعم سنفعل..هنا وزّعت الأمّ التّمر والفاكهة المجفّفة علي روح فلذتيّ كبدها ربيع ومحمود عبد الرّحيم طلّوزة.. وقالت لنا نحن النّساء المحتشدات في بيتها الكائن في حيّ من أحياء النّاصرة العتيقة الصّامدة ببيوت حجريّة متواضعة جدًّا: حالي كحال كلّ الأمّهات اللاتي فقدن أبناءهنّ في الضّفّة والقطاع وفي لبنان.. هدي هناك بقيت وحيدة دون أحد.. كانت مع رمل الشّاطئ ودموع البحر في غزّة.. وأنا هنا ما زلت أمًّا.. سأكون كذلك من أجل أولادي الباقين.. شكرًا للّه الّذي يحتفظ في جنّته هناك بهما.. سآتي إليكما.. لكنّني لا أعلم متي؟ إنتظراني.. كلّنا سنأتي.. في اليوم التّاسع للمجازر المترامية، ألتقط سمّاعة الهاتف وأنا في ناصرتي المكلومة بطفلين، لأسمع صوتًا قادمًا من هناك، يعزّيني ويقول لي: إهتمّي بنفسك وكوني بخير مع عائلتك، نحن هنا صامدون.. لا تقلقي علينا، نحن معتادون علي الحروب والدّمار والتّشرّد.. لتصمدوا مثلنا هناك..قلت له: ما يجري لكم.. يجري لنا..تواعدنا أنّ الإبداع سيخفّف من وطأة ما يجري.. أحقًّا سيكون كذلك!؟لم أتلق أيّة إجابةٍ لتساؤلي.. سوي صورٍ إضافيّة ومشاهد دموعٍ وخراب..في اليوم الثّاني عشر: تتحدّث امرأة ترتدي ملابس الحرب مع أخري وتقول: مجانين هم هناك في الضّفّة.. ألا يدرونَ أنّ أسلحتنا كثيرة وممتدّة.. فليبقوا صامتين في هدنة..ثمّ نسمع عن طفلٍ يولدُ.. يحملُ حجرَ مقاومة وينادي سأبقي وعائلتي.. سنبقي علي أرضي .اليوم هو اليوم الثّالث عشر من دمار الإنسانيّة.. هو يومٌ يرافقه سكوت وإعلان مخزٍ.. تستمرّ أداة الحرب بلا هوادة لتقصف صديقةََََ عزيزٍ عليّ.. هي صحافيّة عاشقة للموسيقي.. تموت وتغدو رقمًا آخر في سجلّ إحصائيّات لا متناهٍ للآن.أكتب هنا ولا أسمع في مكاني القابع في البلدة القديمة إلاّ أصوات طائرات تُقلِع لإكمال المهمّات.. وتقتلع معها كلّ الورد وأحلام صغار تتفتّح..إن آجِلاً أم عاجلاً سيعود الحقّ لأصحابه في كلّ مكان.. فقط علينا أن نتشبّث بحقّنا ولنقاوم.. تراب أرضنا يعرفنا وسيبقي لنا ولو بعد حين.الروائي سهيل كيوان:حيفا توأم بيروت فجأة اقتحمتني الفكرة! ما رأيك أن نسهر الليلة في حيفا! ولكنك لا تحب حيفا رد صديقي! التففت ومضيت،الطريق في ليلة عادية تستغرق حوالي الساعة من قريتي مجد الكروم الي حيفا وفي احيان قد تستغرق أكثر من ساعة الإختناقات المرورية،حيفا مرغوبة ومطلوبة في النهار للعمل والكسب وفي الليل للترفيه! ولكن هذه المرة لم يستغرق الوصول اليها سوي نصف ساعة، الشوارع شبه خالية، وما شاهدناه من بشر هنا وهناك يقدر بالعشرات في مدينة عدد سكانها ربع مليون إنسان، مررنا بالهدار الي شارع الجبل الي المقاهي التي دعيت إليها مرات ومرات من أصدقاء وصديقات ولكنني لم ألب الدعوة،ها أنا ألبي دعوة حيفا الآن التي ذكرتني بإحدي قصص طاغور القصيرة عن تلك الراقصة التي يرغبها الجميع ولكنهم يهجرونها عند ضعفها ومرضها! بين عشرات المقاهي المغلقة مقهي واحد مفتوح، سبق وجلست فيه مرة واحدة، جلسنا في الباحة المشتعلة بأصناف شتي من الإضاءة المبهجة، موسيقي هادئة، كانت هناك طاولة واحدة مشغولة لعائلة عربية لاحظت أنها محتفلة بعيد ميلاد إحدي صغيراتها، تأخر النادل وكأنه يريد إبقاءنا أطول مدة ممكنة في المكان،من باب المقهي الذي جلست بإزائه رأيت علي الجدار اللوحة ذات الألوان الباهتة جدا، في الجلسة الوحيدة السابقة قبل أشهر فكرت بالتدخل لدي صاحب المقهي بأن يغيّرها بلوحة أكثر بهجة أو وضوح في الألوان علي الأقل ولكن واصلت صمتي هذه المرة أيضاً، بين فينة وأخري يُسمع دوي قذيفة يأتي من البعيد،النادل علّق بأن هذه من هنا الي هناك، دار نقاش بيني وبين صديقي اذا كان بإمكان اسرائيل أن تقصف صور والجنوب وحتي بيروت من قبالة شواطئ حيفا، بدأنا نحسب المسافات بين حيفا وصور وبيروت وبجهل مطبق بأنواع الصواريخ او القذائف التي تطلق من هنا الي هناك، بين فينة وأخري تمر سيارة شرطة، ليست السيارات التي نعرفها، سيارات شرطة من طراز جديد ضخمة ومغلقة يبدو أنها خصصت لمناسبة كهذه! موسيقي العزف المنفرد علي العود تغيّرت، بدأت موسيقي القلب يعشق كل جميل لأم كلثوم التي يوحي لي إيقاعها العبقري بخطوات قافلة من الجمال في الصحراء ماضية الي الحج، وددت لو أن أطلب رفع الصوت قليلاً الا أن المحتفلين بعيد ميلاد صغيرتهم سبقوني وطلبوا تخفيض الصوت، كان المقطع قصيراً ثم انتقل الي بعيد عنّك حياتي عذاب ! حدثني صديقي عن صديقته التي تركته والتي تسترضيه بين فينة وأخري بلقاء سريع كي لا تقطع الخيط الأخير بينهما،قال انها لم تخنه ولم تغدر به فقد اعلمته بوضوح بانتقالها الي رجل آخر. حدّثني عن روعتها التي ما زال يعيش تحت تأثيرها وفجأة عملت صفارة الإنذار، قامت الأسرة الي داخل المقهي، النادل طلب أن ندخل علي الأقل تحت السقف فكلها دقيقتان وتمر، وكأنما خجلنا من القيام، كنت شبه متأكد أنها صافرة فقط، حتي ولان سقط الصاروخ فمن غير المعقول ان يسقط هنا بالذات واذا سقط فهذا يعني انه قضاء وقدر لأنني جئت برجليّ وباختياري هذه الليلة الي حيفا، انتهت الصفارة التي بعثت قشعريرة في جلدي، لا أدري لماذا بدأت أحدث صديقي عن مشهد الهروب الجماعي للعرب من حيفا الذي كتبه غسان كنفاني في روايته عائد الي حيفا، الذعر الشديد الذي أدي بإحدي العائلات أن تترك ابنها (خلدون) في السرير لتتلقفه عائلة يهودية وتربّيه لتحوله الي يهودي ويصبح ضابطا في الجيش الإسرائيلي الذي صار اسمه (دوف)! هذه القصة الأخلاقية أقلقتني في حينه وذكرتها أمام والدي الذي كان في السادسة عشرة من عمره عام النكبة، وحينئذ صحح معلوماتي فقال القصة ليست صحيحة أصلا، لم تترك أي عائلة طفلها في السرير للنجاة، الحقيقة أن هناك فتاة حملت حملا غير شرعي وتركت طفلها أمام مسجد (الجّرينة) وتم التقاط الرضيع من هناك، ولكن اليهود اختلقوا قصة العائلة العربية التي تركت طفلها في السرير فأنقذته العائلة اليهودية، انها الدعاية المتكررة، مثل قصة الطفل العراقي علي عباس الذي احرقت وأبيدت كل عائلته بينما قامت القوات البريطانية بانقاذه وارساله الي لندن للعلاج من الحروق! وهي قصة جديدة تناقلتها وسائل الإعلام العبرية عن امرأة من جنوب لبنان قام جنود اسرئيل بإنقاذها معرضين أنفسهم للخطر ثم لنقلها الي رميام في حيفا! تصور جنود اسرائيل ينقذون امرأة لبنانية ولكن هذا لم ينجح للفت النظر عن الوحشية التي دمروا ويدمرون بها لبنان! ويبدو أن الكاتب غسان كنفاني أبدع في قصة الرضيع اللقيط وفعل بها ما فعل! لم أخش سقوط صاروخ علي حيفا اثناء وجودي فيها، بل ربما في داخلي دغدغني مشاغبة المرور في التجربة التي قد تغيّر طريقة التفكير، ولكن أخشي ما خشيته أن يسقط صاروخ من العيار الثقيل علي حي فقير مثل الحليصة أو وادي النسناس علي اولئك العرب الذين تشبثوا ببيوتهم منذ عام النكبة ليس عنصرية ولا تمييزا بين دم ودم بل لأن الخسائر البشرية في بيوت الفقراء المهلهلة عادة ما تكون أضعاف الخسائر لدي الأغنياء التي فيها غرف أمان وملاجئ! حيفا التي دائما كنت تصيبني بصداع عند زيارتها لم تسببه لي هذا المساء، الناس نيام أو منعزلون في بيوتهم ينتظرون مرور يوم آخر من ايام لم يعرفوها ولم يعرفها آباؤهم منذ عام 48، قال صديقي نحن غير مستعجلين ما دام القصف قد يقع في مجد الكروم أو عكا أو كرمئيل أو حيفا فقلت و ما بعد حيفا وانفجرنا ضاحكين، وانتبهت أنها قهقهتنا الأولي منذ وصولنا قبل ساعتين الي هذه المدينة التي بدت لي هذه الليلة توأماً لبيروت أكثر مما هي مدينة معادية لها.الفنان والكاتب اسامة مصري:البياض البياض يا زياد، ارسل لك الفراغ والبياض، لاشيء عندي اقوله، فقط ارسل لك بالفاكس صفحة بيضاء.الفنانة المسرحية سناء لهب:لعبة إيقاظ الموتي في تلك الليلة الأولي لبدء الخليقة للكرامة العربية، كما توهمتها…تحولت السماء لمربعات مدهشة الاستدارة، والقمر مثلث كأكواز الصنوبر، والكون جديد كما لم يكن أبدا…وعيوني تقطر دمعاً وفخراً لتحنو علي أشواكي المجرحة..وتهت بين صرخات آلامهم وآهاتي الشاهقة أملا… وتحول قلبي كبيراً كنملة والعالم صغيراًٌ كنكبة، وأصبحت أنفاسي تلهث كطفل يرسم الحزن صرخته ويُتوجه ُ الغضب ملكة للفرح الذي لم نعرفه بعد…لم يعد بوسعك ايها المحتل أن تعبث بجرحي الفلسطيني العربي الأزلي !!!!!!!!!!! وأصبحت أشاركهم الملجأ نفسه، وأعيش نظراتهم الصهيونية المتكبرة خوفاً ورعبا…حتي أحرفي العربية التي أتنفسها.. تُعري ثقوب أرواحهم.. وتصفر فيها ريح العراء الباردة…وأكتشف فجأة بأن قلبي ما زال قادراً علي أن يرقص مشحوناًٌ بلهفة الجرح للمعجزة…!!!منذ أن كبر الوعي لدي كفلسطينية تعيش بين أطراف أنفاس أعدائها..وأنا ارغب في شيء بسيط وكبير كالمستحيل… وطن وكرامة..وكانت اللحظة مدببة والدوي كان هائلاًٌ وأكتشف أني اليوم وككل يوم، ومنذ دهور لا منطقية سأمضي نزفاً انتظر دونكيشوتاًٌ طويلا وما زلت… وذاكرة جسدي كانت وما زالت تصرخ……… الوطن العربي وسادة محشوة بالكوابيس وبريش طيور كانت تحلق يوماًٌ صوب الحرية ..ودخلت في التوحد وبت لا اعتب علي عدوي..وكيف لي ذلك؟؟ونحن ننتمي لأوطان لا تلبس ذاكرتها إلا في المناسبات بين نشرة وأخري، وسرعان ما نخلعها عندما تطفئ ألأضواء..عدوي سلبني أرضي والقواد العرب سلبوني كرامتي!!!وداعا أيتها الآمال الحبلي بالوعود.. والأحزان الولود، والأحلام المجهضة والأغاني النازفة بدم الذكريات قطرة قطرة..سطراً بعد سطر..حتي آخر السطر..فما الفائدة أن تكون قادراً علي كتابة أي شيء في هذا العالم، ولست قادراً علي تغيير أي شيء فيه؟ما الفائدة أن تمارس لعبة إيقاظ الموتي الملقبة………..كرامة عربية؟0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية