عندما كنا في مقاعد الدراسة في كلية الحقوق روى لنا أستاذنا عندما كان في فرنسا أن كويتيا قام بأكل لحم الخنزير فشجبنا الأمر وقلنا له أن ذلك حرام، فرد الكويتي انه يأكله لأنه حرام. والحقيقة أن هذا الأمر لا يجب أن يعمم، ولكنه معبر لدرجة كبيرة الى العقلية الخليجية (البدوية التي لا تعرف كيف تتحضر) في المهجر. فهم يدخلون الملاهي الأوروبية بالملايين ويخرجون وجيوبهم مقلوبة، والغريب أنهم يحرضون على ارتداء زيهم الخليجي حتى في الملاهي في حضرة العاهرات وقارورات الخمر، ولا نعرف بعد هذه التصرفات اي قيمة لهذا اللباس بقيت. أصحاب هذه العقليات هم سبب ما يحدث للأمة العربية بنسبة كبيرة. يزنون بأوروبا ويشترون الجواري من تايلاندا وتراهم ركعا سجدا في الحرم المكي في الصفوف الأولى فصبرا يا مكة اي نوع من البشر تحملين اليوم.
فعند احتلال العراق 2003 تسابقت بعض الدول الخليجية إلى استضافة القوات الغازية على أراضيها رغم أن هذه الأخيرة لم تكن حائزة على تفويض أممي للقيام حتى بتوجيه ضربات عسكرية فما بالنا باحتلال العراق. فهل امتد كرم العرب الى هذه الدرجة والصومال المسلمة تواجه اسوأ مجاعة؟! ولكن الحقيقة هي أن الأمريكي أمريكي والصومالي صومالي. الأمريكي نقدره ونعزه لأنه يغتصب بناتنا في العراق أمام أوليائهن، ونحن نشاهد ذلك على الانترنيت والصومالي لا يفعل شيئا لبناتنا (للأسف) ! ولربما استهوى هذا الفعل بعض الليبيين مؤخرا من خلال تأثرهم بالثقافة الأمريكية وبالأمريكيين). فهذه هي العقلية العربية التي جعلت الحركات الاحتجاجية على الوضع الاجتماعي المزري والعنصرية في فرنسا سنة 2004 تسمى أعمال شغب وحرق وتدمير وتخريب، وعللت ما يحدث في بريطانيا شغبا أيضا وسمت مقاومة الفلسطينيين إرهابا وجبروت الصهاينة دفاعا عن النفس (وكأن الفلسطينيين هم الذين ذهبوا إليهم إلى أوروبا وبقية العالم ليطردوهم ويشردونهم مثلما فعلوا هم ذلك) وجعلت ما حدث في الربيع العربي ثورات (رغم ما لهذه التسمية الأخيرة من حق). والغريب أن هذه الازدواجية التي نعامل بها، نحن نتبناها أصلا مع بعضنا البعض في حياتنا اليومية، فالشرطي الذي يتحدث مع مواطن بسيط لا يتحدث بنفس الطريقة مع قاض عند ارتكابه مخالفة (هذا ان كان يستطيع توقيف القاضي لتحرير المخالفة) والمعلم في المدرسة لا يعامل التلميذ الغلبان مثل التلميذ ابن الجنرال (هذا إن كان ابن الجنرال يدرس مع الغلابى) والمؤسسة لا توظف من ليس له حول ولا قوة مثلما توظف ابن الوزير والسفير (هذا إن كانوا يعملون في بلدانهم الأصلية) والطبيب لا يعالج الفقير مثلما يعالج السفير (هذا إن كان السفير يدخل مستشفى حكومي) فحتى الإمام اصبح لا يفتي للفقير المعدوم مثلما يفتي للغني، لان هذا الأخير يعطيه مقدارا من الزكاة، فهل يستقبل الشارع العربي نانسي عجرم مثلما يستقبل الدكتور وهبة الزحيلي! هل يستقبل راغب علامة مثلما يستقبل محمد أركون (هذا إن كانوا يعرفونه)! والتاريخ يشهد أن زيارة مطرب للجزائر خلفت عددا لا باس به من الفتيات مغمى عليهن من فرط حبهن وجنونهن به، بل هناك من الفتيات من رمينه بالمجوهرات (والصور موجودة). هل يواجه المطرب تامر حسني القوات الغازية في يوم من الأيام على الأقل للدفاع عن معجباته وهو الذي خاف في يوم من الأيام من أداء الخدمة الوطنية وطرد شر طردة من ميدان التحرير، لأنه أراد أن يكون مع ‘الواقف’، مثلما فعل ذلك الكثير ويفعلون الآن في ليبيا! بالله عليكم هل يستوي ادوارد سعيد الذي لا يعرفه الكثير مع الشاب خالد؟! هل يستوي الشيخ العثيمين رحمه الله – والذي مات والشعوب العربية في شبه غفلة من الأمر مع عادل إمام الذي سيموت (حتما) وتبقى مشاهده الجنسية صدقة جارية لا تنقطع بوفاة هذا الفنان المبدع حقا؟! وفي الأخير نقول انه من الممكن أن نكون مخطئين، فلعل أغنية ‘دي دي’ للشاب خالد أحسن من ‘الاستشراق’ لادوارد سعيد ولعل ‘قل ثاني كده’ لنانسي عجرم أهم من ‘الحلال والحرام’ للقرضاوي، ولعل ‘الواوا اح’ لهيفاء وهبي أشهر من ‘القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الديني’. فلا تتعجبوا فنحن في عصر المفاهيم المقلوبة.
بلال بوخضرة – الجزائر