العرب في غياب الاستراتيجية: دعوة ملحة للمراجعة

حجم الخط
0

العرب في غياب الاستراتيجية: دعوة ملحة للمراجعة

سامي لطيفالعرب في غياب الاستراتيجية: دعوة ملحة للمراجعة في لقاء جمعني بالاستاذ محمد حسنين هيكل أواخر عام 1994، حيث كان يستعد للسفر في رحلة الي المشرق بدأت ببيروت وانتهت بدمشق التي اجري فيها مقابلة الساعات الست الشهيرة بالرئيس الراحل حافظ الاسد، بعد غياب طويل وانقطاع لا قطيعة، علي حد تعبير هيكل نفسه.. التقيت الرجل بمكتبه في اوان امتلأت فيه الساحة العربية بجدل شديد حول ما ظهر وما بطن من اتفاقتي اوسلو ووادي عربة اللتين وقعتا لتوهما، ووجدتني اتوجه اليه بسؤال افتتاحي: هل من مستقبل لهذه الأمة بغير قيام حركة قومية اسلامية مجتمعية ديمقراطية..؟لا.. كانت اجابته قبل ان يضيف: اوافقك الرأي تماما، ولكنني لن اعيشها.. او ربما اعيش ارهاصاتها وبداياتها، ولكنك ستعيشها…اذا كان النظام الرسمي العربي يقبع تحت نير مجموعة من المآزق السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والثقافية الي الحد الذي يتبدي فيه عجز ذلك النظام كل يوم وعلي كل صعيد، وتراجعه المستديم واخفاقه في مواجهة استحقاقات التنمية والتحرير والأمن والتقدم بمفهومه الشامل، بل والي حد معاناته في الحفاظ علي وحدة الكيانات القطرية التي ورثها عن الاستعمار المباشر قبل نحو ستين عاما، فان مآزق اخري لا تقل خطورة تتردي فيها الحركات والاحزاب والتنظيمات السياسية والتشكيلات المدنية المعارضة لذلك النظام اساسا او التي كانت في سدته يوما ما ثم انهارت تحت وطأة المعارك المستعرة بين الأمة والقوي الخارجية او التي لا زال لها موطئ قدم في السلطة في هذا القطر او ذاك.في خضم المواجهة المفتوحة بين الأمة والغرب عموما، والولايات المتحدة علي وجه الخصوص، وفي حمأة الصراع الممتد مع الكيان الصهيوني بشكل مباشر وبصورة مستمرة منذ ستة عقود، اثر نجاح الغرب في زرع ذلك الكيان في قلب الخريطة العربية ليكون رأس جسر عسكري وسياسي واقتصادي له في مواجهة المارد العربي والاسلامي، ومع تطور مسؤولية ذلك الكيان ليصبح كيانا وظيفيا معتديا مهمته تدمير احتمالات النهوض والتقدم والتحرر من التبعية علي طول الرقعة العربية وعرضها ووأد اية عملية توحيدية علي اي مستوي كان يهدف استبقاء الأمة العربية حبيسة الحالة القزمية المنهكة التي تعانيها، اصبح من الضرورة بمكان اجراء مراجعة شاملة في صفوف القوي الممانعة للاستسلام تهدف الي تمحيص منطلقاتها النظرية وتصويب وسائلها العملية واعادة النظر في استراتيجيتها المقاومة ومن ثم تكتيكاتها المحلية والمرحلية.والمراجعة المطلوبة لا تعني التراجع وانما تعني التغيير والتصحيح والاصلاح، إذ لا يمكن إزاء هجمة بهذا العنفوان كتلك التي تتعرض لها الأمة، وإزاء هزيمة بهذه القسوة كتلك التي يبدو النظام العربي منخرطا فيها ومتعاملا مع حيثياتها ومتجاوبا مع نتائجها، لا يمكن مواجهة ذلك كله بنفس المنطلقات والاساليب والوسائل القديمة، ناهيك عن ان وطأة الخطر الداهم لا تتيح ترف السجالات العقيمة الافلة بين المدارس الفكرية والسياسية المتعددة، فالخطر اليوم يهدد الجميع بنفس الدرجة، والعجز عن مواجهته نصيب كل طرف بمفرده، والخسارة نتيجة التقاعس عن المراجعة والملاءمة بين قوي الممانعة وتوحدها وانضوائها تحت راية برنامج عمل حركي نظري شامل هي في الواقع اكبر من ان تكون مجرد خسارة، انها في توصيف ادق محنة سقوط لا نهوض بعده..ولقد افرز التسلسل التاريخي لاحداث المواجهة بين الأمة واعدائها عبر نصف قرن مضي، تبلور 4 قوي للممانعة في وجه الاستسلام للمخططات الغربية والامريكية والصهيونية، هما قوتان رئيستان وقوتان اقل حجما وانتشارا وتأثيرا، اما القوتان الرئيسيتان فهما التيار القومي والتيار الاسلامي، والقوتان الاخريان هما التيار اليساري والتيار الليبرالي الوطني…ولقد كانت التناقضات بين هذه القوي ذاتها من جهة، وبين فرقاء كل منها من جهة اخري، عاملا رئيسيا في اضعاف الأمة تجاه عدوها، يضاف الي العامل الرئيسي الآخر المتمثل في ضعف النظام العربي وتخاذله الي حد التؤاطو مع العدو احيانا كثيرة ضد الأمة، واليوم بات لزاما علي الجادين في هذه القوي اجراء المراجعة المطلوبة:اولا: باعادة قراءة التاريخ المشترك فيما بينها ونقد الخلل البنيوي لدي التعبيرات التنظيمية والاشكال التي اتبعتها في الحركة والعمل والدعاية والخطاب.ثانيا: باعادة النظر في ترتيب اولوياتها وتصحيح مناهجها وتحديد ما ينفعها وما يضرها في المواجهة المفتوحة ضد عدو الأمة.ثالثا: باعادة الاعتبار لقدسية القضايا التي تصدت لها، قضايا التحرير والتنمية القومية والديمقراطية والوحدة العربية.ان المراجعة المطلوبة قد تأخرت فعلا، فالأمة تراجعت من الفضاء القومي الي الفضاء الاقليمي ومن الفضاء الاقليمي الي الفضاء القطري المسمي بالوطني، وفي ذلك تشويه لمفهوم الوطنية، ومن الفضاء الوطني او القطري تتراجع الآن الي الفضاء القبلي والعشائري والمذهبي والعرقي، والأدلة علي ذلك ساطعة من العراق الي لبنان الي فلسطين الي الجزائر والمغرب الي السودان والصومال…وسط هذا التراجع الدائم والمستمر تصبح الدعوة للمراجعة ضرورة حتمية، علي الناصريين والبعثيين واللجان الثورية والاخوان المسلمين والجماعات السلفية والماركسيين والتقدميين والليبراليين الوطنيين ان ينتهزوا اللحظة للمراجعة والاحتكام الي منطق الائتلاف والتلاؤم بحيث يمكنهم التقدم علي المواجهة مدججين بوحدة داخلية علي الارض، اذ ان الاصرار من قبل هؤلاء او فريق منهم علي الاحتفاظ لنفسه بمنطقة خضراء خاصة به ظنا منه ان تلك المنطقة بجدرانها النظرية وحوائطها الفكرية ودفاعاتها الحركية ستحميه هو وهم كبير خاطئ، ليس ثمة منطقة خضراء يحتمي بها اي فريق او تأوي اليها اي تيارات، الهجمة هي من الخطورة الي حد ان جهود الجميع تكاد تعادل مستوي شراسة الهجوم الغربي والامريكي والصهيوني..والعقل السياسي الامريكي يؤمن ويتبني لعبة اسمها حاصل ضرب الضغط السياسي العسكري الثقافي الاقتصادي في عنصر الزمن، ويراهن ذلك العقل علي نتائج هذه العملية في دفع الطرف الآخر الي التراجع والانسحاب ومن ثم الهزيمة، فالعقل السياسي الامريكي علي سبيل المثال لا يعتقد بان غورباتشوف هو من اسقط الاتحاد السوفييتي، او ان الاتحاد السوفييتي قد انهار لوحده من الداخل رغم وجود عوامل مساعدة علي ذلك الانهيار، وانما يؤمن ذلك العقل بان الضغوط التي مارستها امريكا هي التي اسقطت الاتحاد السوفييتي وان السياسات الامريكية المقاومة للسوفييت في وسط اوروبا وافغانستان، ودعم حركة التضامن في بولندا وحركة المجاهدين في افغانستان، وسواها من الضغوط الخارجية وحدها هي التي ادت الي تفكيك الامبراطورية السوفييتية والانهيار الذي لحق بها..والعقل السياسي الامريكي يعتقد اليوم ان الضغوط هي وسيلة التخلص من اعداء السياسة الامريكية والهيمنة الامريكية في العراق وسورية والمقاومة الفلسطينية والمقاومة اللبنانية، وتركز السياسة الامريكية علي الضغط لاسقاط خصومها دون قتال وبفعل صعود واستفحال التناقضات الداخلية لدي كل طرف، وتحول التناقضات الثانوية لديه الي تناقضات رئيسية في حين يتحول التناقض الرئيسي بين كل طرف والولايات المتحدة الامريكية الي تناقض ثانوي، هكذا يفكر الامريكان وهكذا يريدون كسب معاركهم في العالم وعندنا، وبالتالي فان تغليب التناقض الرئيسي مع امريكا والصهيونية علي حساب التناقضات الثانوية داخل الصف العربي والاسلامي هو الطريق الصحيح الوحيد للقوي والتيارات والتشكيلات الملتزمة بأمن الأمة واهدافها ومصيرها….ان التحكم بقضية التناقضات الثانوية هو في الواقع يعني في العمق اعمال عنصر العقلانية، او تغليب العقل علي الشعور لدي تحديد المنهج، فإلي اي مدي التزمت الحركات القومية والاسلامية والتقدمية والليبرالية الوطنية بالعقلانية في منهجها واسلوب عملها طيلة المرحلة الماضية؟ والي اي مدي احتكمت تلك الحركات والتشكيلات للعقلانية في مواجهة المشاريع المعادية؟هنا سنضرب امثلة، فقد اختلف التحليل الناصري مع التحليل البعثي علي اسبقية قضيتي الوحدة والتحرير، البعثيون طرحوا الابعاد الثلاثية الوحدة والحرية والاشتراكية علي هذا الترتيب، والناصريون قدموا الحرية فطرحوا الترتيب: الحرية والاشتراكية والوحدة، ومن ثم راح الفصيلان القوميان التقدميان يستهلكان الكثير من الوقت والجهد في التأصيل وفي التنظير وفي الخصام حول الاسبقية التي لكل بعد، ومن ثم ظهر فصيل ثالث يطرح الحرية والوحدة والاشتراكية، ودارت المعركة الفكرية بتجلياتها التنظيمية والحزبية لثلاثة عقود من الزمن حول ترتيب القضايا والأولويات في الوقت الذي كانت الهجمة الامريكية الصهيونية تتقدم كل يوم علي الصعيد الميداني فيما الحركة القومية ككل تتراجع وتخسر المزيد من المواقع والرصيد الشعبي كل يوم، فما الذي افاده الناصريون والبعثيون وسائر القوميين من هذا التناحر السفطسائي؟ لا شيء! لقد شكك البعثيون بقيادة عبد الناصر للمشروع القومي وانهمك الناصريون في اثبات فشل الاساليب الحزبية للبعث وخسرت الأمة جهود كلا الطرفين التي كان يمكن لها ان تغير مسار الأمة لو ان الجميع التحموا في مواجهة التناقض الرئيسي مع اعداء الأمة..وفي تطور لاحق، تناقض البعثيون وانقسموا الي جناحين رئيسيين تمترس كل منهما وراء كيان قطري، ولم يكن ثمة مبرر يستند الي منطق او حقيقة او واقع في ذلك التناقض بين بعث العراق وبعث سورية، الا ان مجرد حدوثه قد الحق ضررا فادحا علي كل الصعد، وأضر بمصالح الأمة وبأمنها الحيوي، بل وترتب عليه انقطاع الاواصر التي لم تكن لتنقطع حتي ابان المرحلة الاستعمارية، اذكر هنا علي سبيل المثال ان احدي العائلات العربية المعروفة في منطقة دير الزور (المنطقة الحدودية بين البلدين) والتي تقطنها عشائر وعائلات تنتمي الي اصول قبلية واحدة متواجدة في كليهما، قد اضطرت للانتظار سبع سنوات لاتمام عقد قران شاب وفتاة يعيش كل منهما علي الجانب الآخر من الحدود، مما اضطرهما بعد طول معاناة الي السفر الي دولة اوروبية للزواج هناك، فما الذي افادته الأمة من هذا التناقض الثانوي وهذا التمترس القطري الذي اورث الناس البسطاء العاديين معاناة وأورث المجتمعين التخلف وأوجد العداوة بين ابناء الشعب الواحد وأخر الأمة عن النهوض؟ لا شيء! ووقع الصراع بين الفصيلين القومي والاسلامي لردح من الزمن، فاشتبك الاخوان مع الناصريين واشتبكوا مع البعثيين، وتجلي الصراع في محاولات دموية للانقضاض علي السلطة في اكثر من قطر عربي، وجري ذلك علي وقع الزحف الامريكي ـ الصهيوني علي الارض العربية وعلي مكتسبات مرحلة التحرر الوطني علي تلك الارض، وفي الوقت ذاته دار الصراع بين القوميين والاسلاميين والتيار التقدمي بتجلياته الماركسية، فاي شيء اضاف ذلك التصارع علي جهد الأمة في مواجهة مخططات اعداء الأمة؟ لا شيء سوي الضعف والمزيد من الوهن في جسد الأمة…ان الاحتكام الي العقلانية وتغليب العقلانية علي الشعورية دون ان نغفل اهمية الجانب العاطفي، هو العنصر الذي لا ينبغي ان يغيب اليوم لدي المنتمين الي مستقبل الأمة…وعنصر آخر لا يتم التعامل معه كما ينبغي في المواجهة من قبل التيارات والتشكيلات العربية والاسلامية رغم خطورته، هو عنصر الزمن، لا تولي تلك الحركات عنصر الزمن الاهمية المطلوبة في برامجها وادبياتها وحركتها علي الارض، في حين يحرص اعداء الأمة عليه اشد الحرص، وبالتالي فان الوقت يتسرب من بين ايدي ابناء الأمة، وهذا هو ما يفسر بوضوح التراجع المستديم علي مستوي قدرة كل جيل من الاجيال علي الفعل والتضحية والانجاز، فالجيل الذي قاتل في ثورة 1936 في فلسطين علي سبيل المثال كانت مهمته اكثر سهولة من الجيل الذي واجه نكبة عام 1948، والجيل الذي واجه استحقاقات الهزيمة في 1967 كانت الصورة لديه اوضح وكانت جهوده اكثر نجاعة فيما بعد من ذلك الذي واجه احتلال بيروت عام 1982، ومهام الجيل الحالي من المقاومين والمجاهدين والمنخرطين في مناهضة المشاريع الامريكية والصهيونية والغربية عموما هي الاصعب علي مدار السنوات المائة الماضية، لماذا، لان عناية اعداء الأمة بالاستفادة من عنصر الزمن علي اصعدة الحشد والتعبئة والتجهيز تفوق بمراحل عناية واهتمام الحركات والاحزاب والتشكيلات القومية والاسلامية…والعنصر الثالث الذي يبدو جليا ان الأمة تفتقر اليه هو عنصر امتلاك استراتيجية للمواجهة، واذا كان غياب هذا العنصر معروفا، ومبررة اسبابه علي صعيد الحكومات العربية والنظام الرسمي العربي، فان من العجيب والمعيب غيابه لدي القوي المنتمية الي الأمة والمعنية بمصالحها وبمصيرها، وابرز تجليات غياب الاستراتيجية لدي الحركات والتنظيمات والتشكيلات العربية والاسلامية عموما، هو ان حركتها تبقي محصورة ومحدودة في اطار ردود الافعال، ورد الفعل هو اسوأ اشكال اللاعقلانية السائدة في صفوف تلك الحركات، ومنذ عقود ونحن نعاني من الدوران في دوامة سلسلة من ردود الافعال المتوالية بلا نهاية، لا نتحرك الا عندما تسقط عاصمة ولا نتداعي الي الفعل المقاوم الا بعد ان يقضم اعداء الأمة المزيد من الحقوق والاراضي والمصالح العربية والاسلامية، وهذه الآفة، آفة الدوران في دوامة ردود الفعل برهان واضح علي افتقار تلك الحركات الي الخيال السياسي، اي القدرة علي اكتشاف ممكنات الواقع وتقصي الاحتمالات المفتوحة للحركة، تماما كما تدل الآفة هذه علي نقص خطير في الوعي السياسي الذي يكرس معرفة دقيقة بعناصر الضعف والقوة لدينا ولدي اعداء الأمة في آن ومن ثم التعامل مع تلك العناصر، فغياب الاستراتيجية اذن حصر دور القوي المنتمية للامة في دائرة واحدة هي دائرة رد الفعل، واهتمت كل تلك القوي بالتكتيك الذي هو ادارة معركة واحدة علي حساب الاستراتيجية التي هي امتلاك تصور شامل لادارة الحرب ككل، او المواجهة المفتوحة علي اكثر من صعيد.ان الدعوة الي المراجعة ـ لا الي التراجع ـ هي ما يفتقر اليه اليوم اذن الوطنيون والقوميون والاسلاميون وهي ما يبدو امرا ملحا وواجبا حتميا بهدف اعادة انتاج حركة قومية ديمقراطية نهضوية تستجيب لاستحقاقات المستقبل الكبري انطلاقا من اللحظة الراهنة، وهي لحظة مصيرية تتأجج فيها مشاعر الغضب ازاء عملية الإذلال التي تحاول القوي المعادية للامة فرضها عليها، ونموذج رئيسي من نماذج تلك العملية بدا واضحا في اعدام الشهيد صدام حسين، والاسلوب الذي جري به الاعدام وما تبعه من تصريحات واقوال من قبل الغربيين عموما والامريكان علي وجه الخصوص، هذا النموذج علي محاولات امريكا اذلال الأمة وما سبق ولحق به من نماذج وما اثاره من مشاعر غضب وألم في الشارع العربي، تماما كما حدث ابان نشر الرسوم المسيئة الي هادي البشرية النبي محمد صلي الله عليه وسلم، وتاليا العدوان الامريكي الصهيوني بتواطؤ من النظام الرسمي العربي علي لبنان في منتصف الصيف الماضي، هذه النماذج وسواها راكمت الجرح المفتوح في فلسطين والعراق واصبح التحرك الشعبي العربي والاسلامي بها ومعها اكثر زخما واتساعا، وما لم تتساوق الحركات والاحزاب والتشكيلات القومية والاسلامية والوطنية معها ببلورة استراتيجية جديدة وافراز حركة تعبئة قومية شاملة تتحصن بالديمقراطية وتسعي للنهوض، فان الأمة ستخسر اكثر مما خسرت، وسيعني ذلك بوضوح السقوط النهائي لكل الاحزاب والتشكيلات من كل حساب..والحركة القومية الديمقراطية النهضوية التي نراها ملحة اليوم، بجانب انها في طبيعتها انقاذية، فان عليها استنباط الاستراتيجية الشاملة التي اشرنا اليها للمواجهة.عليها ان تقدم رؤية المجتمع العربي ومن ثم الأمة للسلام من خلال تصور دقيق لطبيعة الصراع العربي ـ الصهيوني، ذلك ان الرؤية التي قدمها النظام الرسمي للسلام في مؤتمر بيروت اثر قمتها الشهيرة مستهل القرن الحادي والعشرين والمستندة الي قراءة وتصور ذلك النظام لطبيعة هذا الصراع، هي رؤية ثبت فشلها وترديها وعجزها عن تلبية الحد الأدني من حقوق الأمة، حيث اثبت العدو الصهيوني ومن خلفه الولايات المتحدة انه لا يقبل بأي شيء سوي الاستسلام الكامل، لقد عرض النظام العربي التطبيع الكامل مع العدو الذي اعترف به مقابل تنازلات ذلك العدو عن بعض الفتات للفلسطينيين والعرب، ولكن العدو ومن ورائه امريكا رفض ذلك منطلقا من نظرية بن غوريون القديمة بانه كلما ضربت العرب ازدادوا اقترابا من التفريط بحقوقهم، ومن نظرية المحافظين الجدد في امريكا بامكان اسقاط العرب عبر المزيد من الضغوط عليهم، وبالتالي فان علي الحركة القومية الديمقراطية النهضوية الجديدة بلورة الرؤية الجديدة للسلام استنادا الي المعرفة الدقيقة بطبيعة العدو ومن وراء العدو ومن ثم استنباط الوسائل الكفيلة بتحصيل الحقوق العربية والاسلامية في فلسطين والعراق ولبنان والسودان وفي كل مكان.. عليها ان تراجع عناصر القوة في الأمة وفي مقدمتها المقاومة وعناصر الضعف فيها وفي المقدمة منها تهاوي النظام العربي وميله الغريزي للتفريط في الحقوق والمكتسبات، فيكون البحث في الوسائل اللازمة لتقوية عنصر المقاومة ورفده بالامكانات البشرية والمادية والسياسية والسلاح اللازم ووسائل ايصال ذلك الدعم. وفي الجانب الاخر كيفية الحد من تأثير عنصر الضعف الرئيسي، النظام الرسمي العربي، ومن ذلك بدء التفكير في انتاج نموذج ملائم للعصيان المدني القومي للضغط علي ذلك النظام، ان المظاهرات وحدها لم تعد تكفي في الأزهر او في شوارع القاهرة والرباط وبيروت وسواها من المدائن العربية، علي الشارع العربي ان يلتحم ببعض في حركة واحدة ضاغطة تدفع النظام العربي الي الانتباه الي خطورة ما يفعله، علي ذلك الشارع ان يغطي الجغرافيا القومية بوتيرة متصاعدة من الاحتجاج، وصولا الي العصيان المدني القادر علي احداث تغيير جوهري في بنية النظام السياسي العربي المتهالك والمتنازل والمهمل، اننا نطالب بتحرك سلمي ديمقراطي تصاعدي يراكم التغيير، وفي هذا الصدد يمكن الاستفادة من التجربة الغاندية في الهند، ومن تجربة جنوب افريقيا التي اسقطت النظام العنصري كما اسقطت التجربة الغاندية الامبراطورية البريطانية في نيودلهي، ويمكن الاستفادة من لاهوت التحرير في امريكا اللاتينية، حيث قامت للشعب كنيسة مقابل كنيسة النظام، وتحالفت كنيسة الشعب مع القوي المجتمعية بفصائلها المقاومة وتراكم ذلك كله حتي انتج تغييرا فعليا اعاد الساندنيستا وافرز نماذج مثل شافيز وموراليس عبر وسائل ديمقراطية محلية وبروح بولفارية ثورية..عليها ان تراجع عناصر القوة في صفوف اعداء الأمة واهمها الجانب الاقتصادي، فقوة الاعداء محمولة اساسا علي اقتصاد قوي متحكم في مفردات الحياة اليومية لابناء الأمة ومؤسساتها ومن ثم ينبغي ايجاد الوسائل اللازمة والكفيلة بجعل اعداء الأمة يدركون ان عداءهم سيفقدهم تلك الميزة، ويبدأ ذلك من انتاج نظرية قابلة للتطبيق ومتدرجة في الانتشار والتصعيد لمقاطعة السلع والمصالح والمؤسسات التابعة للحكومات المعادية للامة، اذ لا يعقل ان يظل النفط المصري هو ما تستخدمه الدبابات الاسرائيلية في هجومها علي لبنان، وان يرتهن المخزون النفطي العراقي وهو الثالث في العالم لكارتل احتكار الشركات النفطية الامريكية والبريطانية بينما جنود الاحتلال يرتعون في قلب بغداد، ومن ثم مراجعة عناصر الضعف في صفوف اعداء الأمة وفي مقدمتها عدم الاجماع في صفوفهم علي التصعيد العسكري ضد الأمة، وبالتالي فتح الحوار مع قوي الممانعة في الصف الغربي والامريكي، وتفعيل وتنشيط التواصل مع الحركات المناهضة للعولمة وللاحتكارات الغربية وللعمليات الاستعمارية والتحالف مع تلك الحركات وتنمية توجهاتها نحو دعم المقاومة المنتشرة في كل بقعة من الجغرافيا الغربية والعالمية، بعد ان اثبتت تلك الحركات الديمقراطية الشعبية قدرتها علي اضعاف مواقف الحكومتين الامريكية والبريطانية وبعد ان افلحت في توجيه ضربة لبعض الاعمدة الحكومية الغربية الموالية للادارة الامريكية عبر اسقاطها لحكومتي ازنار وبرلسكوني، وهي التي تواصل اليوم تكثيف جهودها لتأليب الرأي العام في بريطانيا ضد بلير الذي لم يعد له من وجود علي كرسي السلطة سوي اشهر معدودة، فالمطلوب اذن هو الالتحام بتلك القوي الممانعة والتحالف معها وحفزها الي احداث المزيد من الضغوط الداخلية علي حكوماتها التي تدعي الديمقراطية والتنسيق معها ايضا لانتاج عولمة بديلة.عليها احداث نقلة علي صعيد المواجهة الثقافية، فالثقافة القومية الاسلامية، وعلي نحو خاص الثقافة السياسية العربية، بحاجة دون شك الي نقلة نوعية ترتقي بها في مقاربتها لقضايا الديمقراطية وحقوق الانسان والمرأة وحرية التعبير والتغيير المجتمعي، ذلك ان الثقافة القومية الاسلامية هي القاعدة الاساسية لأية استراتيجية حقيقية لتلك الحركة القومية الديمقراطية الجهادية النهضوية. واهمية ذلك تتزايد مع تزايد لجوء اعداء الأمة الي ادوات فكرية عملية تتمترس وراء تنظيمات تدعي الدفاع عن حقوق الانسان لتبرير التدخل الاجنبي في الشؤون الداخلية لكل قطر عربي ووراء حفنة من المأجورين الذين ينهالون علي ثوابت الأمة في كتاباتهم ومؤلفاتهم في الصحافة وعبر وسائل الاعلام الفضائية محاولين التأسيس لثقافة الهزيمة والاستلاب، ومن هؤلاء علي سبيل المثال لا الحصر: العفيف الاخضر وشاكر النابلسي وعبد المنعم سعيد وسيد القمني وسواهم. ولقد عمد الغرب وبصورة مكثفة في العقد الاخير، وخصوصا عقب الغزو الامريكي للعراق، الي اطلاق عشرات المؤسسات الفكرية والثقافية والفضائيات والمنتديات، وشن مئات المؤتمرات والندوات وورش العمل الممولة بمئات ملايين الدولارات وتستهدف جميعها النيل من الهوية القومية للعرب والتهوين من شأن انتمائهم الحضاري والثقافي والتزامهم الديني بالاسلام. عليها ان تمتلك وتفعل سلاح الاعلام الشعبي الجماهيري المعبر عن حقائق الصراع والتصدي للسيطرة الاعلامية المعادية علي الفضاء وادوات النشر والتوزيع والترويج، علي تلك الحركة ان تدير المعركة الاعلامية الشرسة المعبرة عنها متوسلة الحوار ومعتمدة علي المبادرة ومسلطة الاضواء علي الفضائح والمخازي التي يرتكبها اعداء الأمة في ميادين القتال كما في ميادين الاقتصاد والتعليم كما في الصفقات التسليحية المشبوهة التي يبرمها النظام الرسمي العربي، ومن المثير للأسي حقا هنا الاشارة الي ان الاحتجاج علي فساد صفقة الطائرات الحربية البريطانية الي السعودية مؤخرا ظل محصورا في جهات بريطانية، وكأن المال العربي بلا صاحب او كأن الفساد الرسمي العربي هو أمر يسلم به العرب وان لم يسلم به الانكليز!وبعد فان انتاج الحركات والاحزاب والتشكيلات المدنية العربية لتلك الحركة القومية الديمقراطية النهضوية يستدعي لقاء عاجلا علي المستوي المطلوب لأبناء الأمة المخلصين من مختلف التيارات والفصائل، وان كنا نري بحق ان اسبقية التجربة لدي التيار القومي، والتراكم الكفاحي الذي توفر لذلك التيار، وتعبيره الجلي عن سعي الأمة الدؤوب للتوحد والتقدم والنهوض، كل ذلك تترتب عليه مسؤولية اكبر وأعم في الحشد للقاء يفرز انتاج استراتيجية قومية للنهوض، ويحدد ميثاق العمل او برنامج العمل المرحلي، ومن ثم صوغ الاستراتيجية المطلوبة التي تستجيب لكل ضرورات العمل السياسي علي المستويات المحلية والقومية والعالمية..وأختم بضرورة اعادة الاعتبار لعنصر الزمن مرة اخري، لأن الوقت المتسرب يعني ان الأمة تمنح اعداءها المزيد من الفرص المجانية لانهاكها واستغلالها والاجهاز عليها..انها دعوة للمراجعة تبدو ملحة اكثر من اي زمن مضي.ہ كاتب وباحث سياسي8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية