بينما هم في خضم معارك كثيرة محلية وإقليمية وعالمية، يجد العرب أنفسهم في مواجهة حرب جديدة، تتراجع أمامها غيرها من الحروب. وبين محاولات الإنكار وتجنب الفزع، إلى اعتراف خجول بالحقائق، بدأت الدول العربية اتخاذ إجراءات سريعة للحد من الهلع، تضع المنطقة على خط المواجهة في الحرب من أجل الحياة التي يهددها وباء كورونا بالفناء. الإجراءات الكبيرة الأولى شملت قرار السعودية تعليق موسم العمرة، وقرار الكويت إغلاق حدودها مع العراق، الذي أعلن هو الآخر إغلاق حدوده مع إيران، ثم توالت تعليمات حظر السفر بين الدول العربية وبعضها مع زيادة انتشار الفيروس وارتفاع عدد الوفيات.
ومن المؤكد أن هذه الإجراءات المبكرة وما تلاها ساعدت كثيرا على الحد من انتشار الفيروس، وإنها ستستمر ربما لعدة أشهر وليس لأسابيع عدة، بما في ذلك إغلاق الحدود ومنع التنقلات بين الدول، إلى إغلاق المدن ومنع التنقلات بينها، وتقييد حركة البشر داخل المدينة الواحدة إلا لأغراض الضرورة القصوى، وأن يتم تطبيق هذه الإجراءات بحزم، تحت رقابة أجهزة الأمن والدفاع. هذه حرب ما بعدها حرب. إنها حرب البشرية من أجل الحياة.
خط المواجهة الأول
وإذا كانت هناك دروس كبرى يجب أن تتسلح بها البلدان العربية، من الخبرات العالمية في الحرب على فيروس كورونا المستجد “كوفيد-19” فإنه يمكن تلخيصها في أربعة دروس رئيسية، أولها أن المجتمع وفي القلب منه الأفراد، يجب أن يكون في خط المواجهة الأول، قبل الدولة، فالمسألة هي حرب من أجل الحياة، أبعد ما تكون تصفية لحسابات سياسية، أو تحقيقا لمكاسب اقتصادية أنانية أو طلبا لجاه أو نفوذ.
الدرس الثاني، هو أن القيادة يجب أن تكون للعلم والخبرة، وأن تقوم السياسة الحكومية بعيدا عن اجتهادات من لا علم ولا خبرة لهم في أمور الحرب على الوباء.
الدرس الثالث، هو أن مكافحة الوباء ليست مجرد حرب على جبهة الرعاية الصحية فقط، وإنما تحتاج إلى استعدادات لحرب اقتصادية موازية لمواجهة الخسائر وضمان توفير مقومات الحياة الطبيعية للبشر مثل العمل والتعليم وإنتاج السلع والخدمات. هذه الحرب الاقتصادية سوف تستمر إلى ما بعد الانتصار على الوباء، ربما لسنوات.
أما الدرس الرابع، وهو مركز الدروس الثلاثة كلها، فإنه يتمثل في الأهمية الفائقة للمعرفة والتواصل الاجتماعي والإعلامي بين الدولة والمجتمع ومؤسسات الرعاية الصحية وقطاعات الأعمال والخدمات. بدون هذا التواصل تتشتت قوى المجتمع والحكومة والسوق، ويفتك وباء فيروس كورونا المستجد بها جميعا. ولنا فيما نشهده في إيطاليا وإيران عبرة ماثلة للأعين.
وعلى الرغم من التأخر في شن حرب منظمة صحيا واقتصاديا ضد الوباء في كل الدول العربية، فقد كان واضحا منذ اليوم الأول للاعتراف بوجود حالات مصابة، أن نظام الرعاية الصحية ما يزال أضعف من أن يستجيب بسرعة للاحتياجات الطارئة لمواجهة انتشار الفيروس. فبينما تعلمنا تجربة الصين أن العزل الطبي للحالات المصابة، يجب أن يتم في مستشفى مستقل تماما يستقبلها، فقد وجدنا أن المصابين يتم استقبالهم في أقسام الطوارئ أو مستشفيات الحميات أو الأمراض الصدرية، ويختلطون مع غيرهم من المرضى بدون احتياطات كافية للوقاية، بما في ذلك احتياطات لحماية الطاقم الطبي العامل. وتعلمنا تجربة إيطاليا الحزينة أن مثل هذا السلوك في التعامل مع الحالات المصابة أدى إلى مضاعفة أعداد المصابين والوفيات.
الحرب على جبهة الرعاية الصحية
تتضمن إجراءات الطوارئ لتعزيز قوة نظام الرعاية الصحية، باعتباره خط الدفاع الأول لحماية الحياة والحد من انتشار الفيروس. إضافة لما سبق ضرورة توفير أجهزة فحص المشتبه فيهم بالقدر الكافي، وتتبع حالات الاشتباه، وتوفير إعداد كافية من الأسرة المجهزة لاستقبال الحالات المصابة. وتتضمن تجهيزات العلاج توفير البدلات الواقية والأقنعة الطبية والمطهرات للطواقم الطبية العاملة، وتوفير أجهزة التنفس الصناعي وأنابيب الأوكسجين لمساعدة المصابين على مواصلة التنفس. إن التجربة الصينية في محاصرة الفيروس اعتمدت في المقام الأول على نظام محكم وصارم لعزل حالات الاشتباه، وفحص المخالطين، ومنع كل التنقلات غير الضرورية، وتوفير مستشفيات متكاملة مستقلة لعزل وعلاج المصابين بالفيروس.
وبعدما اتضح للدول العربية خطورة الموقف، فإنها اتخذت فعلا إجراءات صارمة بشكل عام، وفرض البعض منها حظرا كاملا التجوال، حتى بدت بعض المدن وكأنها مدن أشباح. ومع ذلك فما تزال دول عربية كثيرة، خصوصا الفقيرة منها تعاني من عدم كفاية الامكانات اللازمة لتجهيز أنظمة الرعاية الصحية القادرة على مواجهة تكاثر الإصابة بالفيروس. وطبقا للنموذج الرياضي المعتمد في بريطانيا، فإن إصابة واحدة قد تتسبب في انتشار الفيروس بين 200 شخص خلال أربعة أسابيع فقط. وبينما يبدو الوضع في بلدان مثل السودان وليبيا وفي معسكرات اللاجئين والنازحين مقلقا، فإن السلطة الوطنية الفلسطينية في الضفة الغربية، والسلطة السياسية في حماس قد حصلتا على مساعدات تتضمن أجهزة ومعدات لفحص الأفراد المشتبه في إصابتهم.
ونظرا لعدم وجود لقاح لتحصين الأفراد ضد الإصابة بالفيروس، فإن مهمة قطاع الرعاية الصحية في الدول العربية، تتركز في التعاون مع المجتمع والحكومة في الحد من الإصابة، ورعاية من تثبت إصابتهم حتى يتم شفاؤهم. وتثبت تجارب الرعاية الصحية في البلدان العربية عموما أن نسبة كبيرة من المصابين بالفيروس يمكن شفاؤهم، خصوصا من صغار السن وغير المصابين بأمراض مزمنة خطيرة. لكن شريحة كبيرة من المواطنين تضم كبار السن والمرضى بأمراض مزمنة مثل السكري والقلب والكلى وأمراض الجهاز التنفسي، والذين يعانون من الأنيميا ونقص المناعة، يمثلون أهدافا سهلة يمكن أن يفتك بها الفيروس. هؤلاء جميعا يحتاجون إلى رعاية خاصة لتقليل نسبة الإصابة والوفيات بينهم.
حرب موازية
أدى ظهور وانتشار فيروس كورونا إلى إصابة قطاعات الإنتاج والخدمات والاستهلاك في مقتل، لأنه أصاب قوة العمل بأعداد متزايدة تهدد الأعمال بالشلل. وقد تعرض الاقتصاد فعلا وما يزال لشلل مؤقت بسبب استمرار التوقف الكلي أو الجزئي للكثير من المصانع ومرافق الخدمات، وكذلك بسبب انقطاع المواصلات وحظر الانتقالات. ومع أننا لم نشهد كثيرا من آثار ذلك في العالم العربي، فإن رذاذ الركود العالمي وتداعيات الإصابة بالفيروس وانتشاره، والخلل في توزيع التجارة والمبادلات، أدى إلى هبوط أسعار النفط، أهم مصادر الثروة للعالم العربي ككل، ومن ثم هبوط إيرادات الميزانيات العامة خصوصا بالنسبة لدول الخليج، وإلى اضطراب المعاملات في الأسواق المالية بسبب هبوط أسهم شركات النفط والطيران والفنادق والسياحة، والخسائر في القطاعات المرتبطة بها. ثم ترافقت هذه التداعيات مع حرب الأسعار في سوق النفط التي بدأتها السعودية ضد روسيا وغيرها من مصدري النفط في الأسبوع الثاني من اذار/مارس الحالي.
ونظرا لضعف البنية الاقتصادية في العالم العربي بشكل عام، وانكشافها الخطير على الخارج، بدون مقومات قوة تحميها من الهبوط المتواصل، فإن صناع السياسة الاقتصادية في الدول العربية لجأوا إلى الأسلوب التقليدي الذي لجأت إليه بلدان أوروبا وكندا والولايات المتحدة وأستراليا وغيرها، وهو الاعتماد على السياسات النقدية لتقليل الأضرار والخسائر، الناتجة عن هجوم كورونا. وكانت أسعار الفائدة هي أهم أدوات السياسة النقدية التي لجأ إليها صناع السياسة الاقتصادية في العالم العربي في بداية الأمر.
في دول الخليج التي ترتبط عملاتها بقيمة الدولار تم اقتفاء أثر تخفيض أسعار الفائدة على الدولار بواسطة مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، بغرض إتاحة المزيد من السيولة بأسعار رخيصة للعملاء، وكذلك فعلت مصر ومعظم الدول العربية. لكن تخفيض أسعار الفائدة لم يؤت الأثر المطلوب، وأدى إلى حال من الفزع في أسواق المال بسبب عدم الثقة في جدوى السياسة النقدية.
وفي غمار هذا الهلع، قدمت الحكومة البريطانية نموذجا فريدا في الحرب الاقتصادية على فيروس كورونا، يحيد عن الالتزام بالأيديولوجية الاقتصادية الرسمية للدول الرأسمالية، ويعود إلى أصول السياسة الاقتصادية الكينزية الأكثر اتباعا من جانب الدول الاشتراكية إلا وهي سياسة التوسع المالي. وقررت الحكومة إنفاق ما يقرب من 500 مليار دولار على برامج لمساندة قطاعات الأعمال والطلب الاستهلاكي وتعزيز البنية الأساسية. وقد وجدت هذه السياسة صداها خلال أيام قليلة في العديد من دول العالم من الولايات المتحدة إلى الاتحاد الأوروبي وكندا وأستراليا. وبلغت قيمة حزمة الإنفاق المالي في الولايات المتحدة ما يقرب من تريليون دولار وما يعادل هذا المبلغ تقريبا في دول الاتحاد الأوروبي، وما يصل إلى 80 مليار دولار في كندا، هذا إلى جانب زيادة ما تقدمه البنوك المركزية من تيسيرات نقدية.
وقد اقتفت الدول العربية أثر السياسة المالية التوسعية الجديدة، فقررت دول الخليج ومصر حزما للتحفيز المالي، تتجاوز مجرد تقديم السيولة وقدمت حلولا عملية لإنقاذ شركات السياحة والطيران وغيرها، ومساندة قطاع الأعمال الصغيرة، بتأجيل دفع أقساط وفوائد الديون المستحقة للبنوك لمدة ستة أشهر على الأقل. وكانت حزمة التوسع المالي التي أعلنتها حكومة قطر من الحزم النموذجية التي غطت معظم احتياجات تقليل الأضرار والخسائر في القطاعات المختلفة، وتوفير مقومات ضرورية لاستئناف النمو، رغم الظروف القاسية التي تواجهها صادرات البلاد من النفط والغاز.
وللتخفيف عن المستهلكين تضمنت حزمة التوسع المالي والمحفزات الاقتصادية في قطر إعفاء السلع الغذائية من الرسوم الجمركية لمدة ستة أشهر، على أن يظهر ذلك في أسعار البيع المستهلكين، وكذلك إعفاء قطاعات الضيافة والسياحة ومحلات البيع بالتجزئة، والصناعات الصغيرة، والمجمعات التجارية، والمناطق اللوجستية من كل رسوم الكهرباء والمياه لمدة ستة أشهر، على أن تنعكس هذه الإعفاءات على أسعار المستهلكين.
وفي كل الدول العربية تقريبا، بما فيها التي تعاني من حروب أهلية مثل ليبيا، أعلنت البنوك المركزية والحكومات حزما للتيسير النقدي وللتنشيط المالي، تتضمن تخفيف الضغوط على قطاعات الأعمال، وتقديم العون لأسواق المال، ومساعدة الأعمال الصغيرة بإرجاء الضرائب. لكن خطط التنشيط المالي لم تتضمن حتى الآن تعويضات لمساندة العاملين لحساب أنفسهم في قطاعات الأعمال المتناهية الصغر عن فقدان الدخل بسبب التوقف الجزئي للحياة اليومية الطبيعية، بكل ما يتضمنه ذلك من خسائر في الإيرادات للأفراد الذين يعملون لحساب أنفسهم. كذلك فإن تخفيض قوة العمل لدى شركات القطاعين العام والخاص، يعني فقدان العمال والموظفين الحوافز المرتبطة بالعمل، حتى لو كان تخفيض قوة العمل مرتبطا باستمرار دفع رواتب العمال والموظفين.
ومن أشد الظروف الاجتماعية والاقتصادية ايلاما في الوقت الحالي ان يتم منح العاملين في القطاع الخاص إجازات مفتوحة بدون أجر، مثلما حدث مع الطيارين في شركات طيران الإمارات؛ فكيف يعيش طيار مع أسرته عندما يتم وقفه عن العمل فجأة بهذا الشكل؟ إن حزم الإنقاذ المالي الطارئة ما تزال أبعد كثيرا عن تقديم حلول لمشكلات العاملين الذين يخسرون وظائفهم بسبب تراجع النشاط الاقتصادي عموما. ونظرا لضخامة أعداد العاملين في القطاع الخاص ولحساب أنفسهم، وهو القطاع الذي يستحوذ على ما يقرب من أربعة أخماس قوة العمل في بلد مثل مصر، فإن خطط التحفيز الاقتصادي في العالم العربي من الضروري أن تتضمن حلولا لمشاكل العاملين والموظفين الذين فقدوا جزءا من دخلهم أو كل الدخل بسبب الحرب على فيروس كورونا.