الصور العامة في الإعلام والخطاب السياسي الغربي هي أن العالم كله متحد ضد الرئيس فلاديمير بوتين في حربه ضد أوكرانيا، وأنه شخص معزول لا أصدقاء له إلا في دول منبوذة تشبه وضع الدول الأخرى مثل سوريا وفنزويلا وكوريا الشمالية. إلا أن الصورة تظل مختلفة في عالم الجنوب الذي تربطه بروسيا صلات تاريخية أثناء الحقبة السوفييتية أو أن روسيا الحديثة وطدت علاقاتها الجيدة معها بعد خروج الولايات المتحدة أو إعادة ترتيبات أولويات السياسة الخارجية الأمريكية لمواجهة صعود الصين. فعلى مدى السنوات الماضية استطاعت الدخول إلى مناطق أفريقيا وتدخلت في سوريا لحماية نظام الأسد عام 2015 مما أعطى حلفاء أمريكا في الخليج صورة أن موسكو هي حليف يوثق به خلافا لواشنطن التي لم تسارع للدفاع عن مصالح حلفائها لا في أثناء ثورات الربيع العربي ولا عندما استهدفت إيران السعودية أو الحوثيين الإمارات بداية العام الحالي. ومن هنا يفسر موقف دول الخليج من الحرب الأوكرانية التي حاولت أن تلعب فيها هذه دور المحايد مع أن واشنطن وحلفاءها الأوروبيين كان يريدون منها أن تعبر عن موقف داعم. وجرى توجيه النقد لدولة الإمارات العربية المتحدة العضو غير الدائم في مجلس الأمن لأنها لم تشجب العدوان الروسي. ورفضت عواصم السعودية والإمارات تلقي مكالمات هاتفية من الرئيس جو بايدن الذي دعاها لزيادة معدلات إنتاج النفط من أجل تخفيض أسعار الطاقة التي بدأت تؤثر على المستهلكين في الولايات المتحدة. ومن هنا جاءت زيارة بوريس جونسون، رئيس الوزراء البريطاني إلى عواصم الخليج في محاولة لدفع هذه الدول المساعدة على استقرار أسواق الطاقة، إلا أن الرد لم يكن كما تريده واشنطن أو لندن. ولم يكن لدى جونسون الكثير ليتحدث عنه مع أنه كان متفائلا وقدم رؤية مقنعة لقادة السعودية والإمارات، إلا أن النقاشات غلفت بالسرية حسب «الغارديان» (16/3/2022) لأن 10 داونينغ ستريت لم يكن راغبا بلفت انتباه الإعلام إليه، وهو أمر غريب لأن حكومة جونسون تحاول تظليل أي جهد يقوم به لمواجهة الحرب الروسية. وبعيدا عن الجهود التركية التي تحاول أن تتوسط بين روسيا وأوكرانيا والتوصل لوقف إطلاق النار إلا أن مواقف الدول العربية والشرق الأوسط وإسرائيل اتسمت بالغموض ومحاولة الحفاظ على تحالفاتها مع أمريكا والإلتزام بعلاقات عملية مع روسيا. وهذا واضح في المواقف الخليجية التي بررت عدم رفع معدلات إنتاج النفط باتفاقية أوبك بلاس، ومصر التي لم تشجب الغزو علنا نظرا للعلاقات العسكرية والتجارية مع روسيا، وحتى ليبيا الممزقة بين حكومتين فقد اختلفت المواقف بين حكومة طرابلس المعترف بها دوليا وحكومة فتحي باشاغا التي عينها مجلس النواب في طبرق. فعلى المستوى الرسمي حاولت دول الاستفادة من ارتفاع أسعار الطاقة وممارسة لعبة شد الحبل ومناكفة الراعي التقليدي لها والتعلل بعدم كسر الاتفاقيات مع روسيا.
وحدة في المعاناة
أما على المستوى الشعبي وهو المهم، فقد جرت محاولة الربط بين مأساة الشعب السوري قبل 11 عاما، والمأساة الأوكرانية، لأن الجلاد هو واحد وكذا الطائرة والمدفعية روسية. والمفارقة أن سوريا أنهت عامها الـ 11 من الثورة التي اندلعت في 15 آذار/مارس 2011. ورأى بن هبارد في صحيفة «نيويورك تايمز»(15/3/2022) إن الإفلات من العقاب عن جرائم الحرب في سوريا يلقي بظلاله على الحرب القائمة في أوكرانيا. فاللاجئون السوريون الذين فروا من بلادهم قبل 11 عاما على أمل العودة بعد انتهاء الحرب يتساءلون عن تحقيق العدالة لما حدث لهم ولعائلاتهم بسبب نظام بشار الأسد وداعميه الروس. فإرث الحرب السورية والدور الروسي فيها يحوم بشكل واسع فوق أوكرانيا وتعطي دروسا ممكنة لبوتين. وكما يقول المحللون، فقد قال الرئيس الروسي إن «الخطوط الحمر» التي يرسمها الغرب يمكن تجاوزها بدون تداعيات وأن الدبلوماسية التي تستخدم لوقف العنف يمكن استخدامها لحرف الأنظار عنه. وأن المستبدين يمكنهم ارتكاب الفظائع والتعرض للعقوبات الدولية ولكنهم يبقون في السلطة. وأضاف أن الكثير من وحشية الأسد التي استخدمها لسحق أعدائه مدون وموثق بشكل حي وأثار الغضب بدرجة تركت الكثيرين باعتقاد أنه يفلت من العقاب. وفي 2015 أرسل بوتين قواته لمساعدة نظام الأسد المتداعي، ثم بدأت بتقديم المساعدة للقوات السورية. وأخذت الطائرات الروسية بقصف المدن السورية وتمتعت بنفس الوضع الذي حصل عليه بشار الأسد وهو الإفلات من المحاسبة. وفي أوكرانيا استخدم الروس حملة عسكرية جوية لا تمييز فيها، كتلك التي أحكموا أساليبها في سوريا، حيث اتهمت المعارضة الشرعية بالإرهاب وعضوية القاعدة واتهم المسلحون بشن هجمات كيميائية «كراية زائفة». ويشير المحللون الأوروبيون للفرق بين الحرب في سوريا وأوكرانيا بشكل يقود إلى ردود غربية مختلفة. فعلى خلاف بوتين، كان بشار الأسد يقاتل من أجل استعادة المناطق التي خسرها في بلاده لا السيطرة على أراضي الجيران. كما أن روسيا، وخلافا لسوريا، هي دولة نووية مما يعقد من مسألة التدخل الخارجي. وفي الوقت الذي غضت فيه الولايات المتحدة وأوروبا الطرف عن استخدام الأسد السلاح الكيميائي، فاستخدامه في أوكرانيا وعلى التراب الأوروبي قد يقود إلى رد مختلف. ويراقب اللاجئون السوريون الحرب من مخيمات اللجوء البائسة الموزعة في الشرق الأوسط أو من المدن الأوروبية التي يحاولون فيها بدء حياة جديدة. ورغم ما يشعرون به من مرارة بسبب الدفء الذي تم فيه استقبال الأوكرانيين إلا انهم يتذكرون حربهم ويأملون أن تنتج نتائج إيجابية في الحرب الأوكرانية.
لا فرق في المعاناة
ولعل النفاق الغربي كان أهم ما بدا في تغطيات الإعلام العربي والنقاشات على منصات التواصل الاجتماعي، فمحاولة المقارنة بين نوعين من اللاجئين بناء على رؤية منا وغيرنا أثارت غضب الكثيرين رغم تعاطفهم مع الشعب الأوكراني. وهو ما التفت إليه المعلق في صحيفة «واشنطن بوست» (14/3/2022) يوجين روبنسون الذي انتقد خروج الإعلام الغربي عن المحرمات في التغطيات الصحافية للحرب الأوكرانية. وذكر روبنسون أن حرب اليمن في عامها الثامن الآن وكانت وحشية، كما كانت الحرب السورية أكثر وحشية وقام النظام السوري والمتطرفون الإسلاميون باستخدام السلاح الكيميائي. وهذان النزاعان والنزاعات الأخرى لم يتم إظهارها بنفس الصورة الطازجة والفجة للموتى ومن بينها صورة «نيويورك تايمز» بعدسة قريبة لأم وطفليها ماتوا نتيجة قنبلة هاون روسية في حي إربين في العاصمة الأوكرانية، كييف. هذا لا يعني ان الصحافيين لم يشاهدوا أو يوثقوا مذابح مثل هذه في حروب أخرى. فصور الأطفال الجوعى في اليمن أو صورة فان ثي فوك العارية الهاربة من حقل النابالم في أثناء حرب فيتنام صدمت الضمير الإنساني. لكن المؤسسات الإخبارية كانت دائما حساسة من صور الناس القتلى في الحروب وبمحرمات حول إظهار وجوه الضحايا. وأشار إلى تغير طرق تغطية الإعلام مع ظهور منصات التواصل الاجتماعي. ورأى أن نشر صور الموتى مهم للصالح العام مثل موت جورج فلويد أمام كاميرات الإعلام ورجل الشرطة ديريك شوفين جاث على ركبته ولمدة 9 دقائق. ورغم ذلك فهناك سياق مبطن لا لبس فيه له علاقة برؤية الإعلام للأوكرانيين، «فهم أناس مثلنا وقد نتعرض للخطر مثلهم. ومعظم الضحايا في أوكرانيا هم أوروبيون، بيض ومسيحيون». وأضاف أن الإعلام عبر وبشكل مقصود عن حبه لهذه الحرب وجعلها تراجيديا حية من خلال التركيز وبشكل خاص على الضحايا واللاجئين. وتم تصويرهم لنا بالأفراد وليس كجماهير لا يمكن التعرف على وجوه الهاربين فيها، فهؤلاء هم ضحايا بوتين أما المدنيون الذين قتلوا وشردوا في أثناء غزو العراق عام 2003 كانوا الضحايا، الذين لم يكونوا في هذه الحالة أوروبيين، بيضا ومسيحيين، كانوا يعانون من نيران الأمريكيين الذين أطلقوا عليهم قذائف المدفعية والصواريخ. وتمنى روبنسون لو تم مد التعاطف مع ضحايا حروب في كل مكان الذين هم بشر مثل أهل أوكرانيا.
تحيزات غربية
وبالنظر إلى الموقف الغربي بشكل عام فهو في تصويره للحرب يصدر عن تحيزات كما قالت «واشنطن بوست» (10/3/2022) فبوتين في مناطق أفريقيا وآسيا أقل عزلة منه في الولايات المتحدة وأوروبا. وقالت إننا لو نظرنا للأمور عبر عدسة الغرب فالعالم كله ضد بوتين، وهو البطل الشرير مقابل فولدومير زيلنسكي البطل المحبوب، لكننا لو تعاملنا مع القضية بشكل أعمق، فالقول بعزلة بوتين عن العالم هي صورة عن التحيزات الغربية، وهو افتراض يقوم على وصف «الكون» بأنه هو مجرد الدول الثرية، الولايات المتحدة وأوروبا وكندا وأستراليا واليابان إلى حد كبير. ومن بين 193 عضوا في الأمم المتحدة، صوت 141 لإدانة هجوم موسكو غير المبرر على جارتها، لكن تصويت الأغلبية هذا لا يقدم صورة دقيقة عن الوضع. فالهند وجنوب أفريقيا والبرازيل رفضت التحيز للنزاع. وهو نفس الموقف الذي حاولت دول عربية تبنيه، فكما كتب أتش إي هيلير في «تايم» (7/3/2022) فالدولة الوحيدة المؤيدة بوضوح للحرب في أوكرانيا هي سوريا، إلا أن بقية الدول العربية لا تزال ترى في روسيا قوة دولية ولها أهمية بالمنطقة وتتدخل بطرق تساعد على حماية مصالح الأنظمة العربية. ويظل الغزو مرتبطا بعلاقات معقدة بين دول الغرب ولا شأن للدول العربية بها. وهناك شعور، وبخاصة بين الدول الأتوقراطية بأن أمريكا لم تعد حليفا يوثق به، وفشلت بالالتزام حتى بخطوطها الحمر، كما في عام 2013 بعد الهجمات الكيميائية قرب دمشق، أو عام 2019 عندما تردد دونالد ترامب بالدفاع عن السعودية واشترط دفع الأخيرة التكلفة، ثم عام 2021 بالخروج الفوضوي من أفغانستان وأخيرا غارات الحوثيين ضد الإمارات بداية 2022. وفي بداية الغزو حاولت الدول العربية الحفاظ على خياراتها مفتوحة، فهي ليست مؤيدة لروسيا بالضرورة ولكنها تتعامل مع النظام العالمي عبر رؤية متعددة الأقطاب، ففي الوقت الذي رفضت فيه السعودية تلقي مكالمة بايدن إلا أنها وجهت دعوة للرئيس الصيني شي جين بينغ زيارة الرياض في أيار/مايو. كل هذا لا يعني استغناء دول الخليج تحديدا عن الولايات المتحدة، فلو أرادت هذه لأوقفت كل سلاح الجو السعودي من خلال وقف الصيانة وقطع الغيار، لكن السعودية تحاول استخدام الأزمة للحصول على تنازلات من بايدن، مثل اعتراف الأخير بمحمد بن سلمان والمساعدة بوقف حرب اليمن ووقف الملاحقات القانونية له في أمريكا، إلا أن اللعبة لها حدودها. وقال ديفيد غاردنر في «فايننشال تايمز»(16/3/2022) إن الخطوط بين أمريكا ودول الخليج مختنقة بعدم الثقة، ولا يعرف مدى فهم واشنطن عمليات التنويع الاقتصادي والإستراتيجي التي قامت بها دول الخليج مع الصين وروسيا إلا أنه من المشكوك به قدرتها على الوقوف للدفاع عن نفسها بدون أمريكا، والمهم في الأمر أن طاعتها للسيد الأمريكي لم تعد أمرا واقعا.
أفضال بوتين
وفي الوقت الذي تستفيد فيه الدول المستبدة من الأزمة فإن الشعوب العربية كالعادة هي الخاسر الأكبر كما ورد في تحليل كتبه ديفيد هيرست في «ميدل إيست آي» (15/3/2022) وقال إن الشعوب العربية ستعاني من زيادة أسعار المواد الأساسية، وهذا واضح في أسعار الخبز، ذلك أن أوكرانيا وروسيا هما مصدر القمح والحبوب للدول العربية، وبخاصة مصر أكبر مستورد للحبوب في العالم. وفي غياب الأمن الغذائي وزيادة معدلات الفقر حذر الخبراء من أن ترتد أزمة أوكرانيا سلبا ليس على الدول الغربية التي شنت حربا مالية على روسيا بل وعلى دول الجنوب الفقيرة مما قد يقود إلى خروج الفقراء مرة أخرى ويحلمون مرة أخرى بخبز وحرية وعدالة اجتماعية. وفي هذا السياق أشارت مجلة «إيكونوميست» (12/3/2022) قائلة إن غزو بوتين لأوكرانيا سوف يتسبب في معاناة واسعة النطاق. وسيؤدي القمح الباهظ الثمن إلى تفجير الميزانيات في الشرق الأوسط، وربما يؤدي إلى خفض الدعم الذي يترك المواطنين جائعين. في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، سيؤدي ارتفاع أسعار النفط إلى إجهاد الاقتصادات التي تعاني بالأصل. كل هذا قد يؤدي إلى الاضطرابات.
حاول الرئيس أنور السادات إلغاء دعم الخبز المصري عام 1977 ثم تراجع عن قراره في غضون أيام بعد أعمال الشغب التي قام الجيش بقمعها. وجاءت ثورة إثيوبيا عام 1974 في أعقاب صدمة أسعار النفط. وساعد ارتفاع أسعار المواد الغذائية في عامي 2008 و 2009 على اندلاع ثورات الربيع العربي، والاحتجاجات التي أدت إلى الإطاحة بعمر البشير في السودان في عام 2019. وفي الرباط، العاصمة المغربية، خرجت شرطة مكافحة الشغب بالفعل إلى الشوارع. وقالت إن المستبدين العرب سعوا ولسنوات إلى توثيق العلاقات مع روسيا. فبينما تلقي أمريكا المحاضرات حول حقوق الإنسان، يحث بوتين الرجال الأقوياء على أن يكونوا أقوياء. وعندما زار القاهرة في عام 2015 لأول مرة منذ عقد من الزمان، قدم كلاشينكوف للسيسي، والذي بدوره دعاه لتناول العشاء في مطعم يطل على النيل (مع تقديم الكثير من الخبز). والآن يواجه هؤلاء المستبدون أنفسهم ميزانيات محطمة ومواطنين غاضبين – بفضل بوتين.