بعد قيام الولايات المتحدة بغزو العراق والاطاحة بالنظام السابق، لم يكن الموقف العربي وديا تجاه الوضع الجديد في العراق، بل ان قسما كبيرا من الانظمة العربية ادار ظهره فعلا الى العراق وتكون رأي سلبي مضاد داخل الوسط الشعبي العربي بفضل البربوغندا الاعلامية الحكومية العربية، التي صورت الوضع في العراق على انه وضع خطير ويهدد عروش الانظمة العربية المدمنة على السلطة والبقاء في الكراسي الى اجال غير مسمية، فضلا عن تبني عدة دول عربية مجاورة للعراق او قريبة منه سياسة اغماض العين عن تسلل العناصر المسلحة القادمة من عدة بلدان عربية و اسلامية الى داخل العراق بحجة مجاهدة قوات الاحتلال الامريكي، قبل ان تتحول هذه العناصر الى عامل مزعزع لاستقرار العراق والمنطقة، وذلك بتبنيها شعارات تدعو الى استئصال الشيعة والاكراد في العراق، بزعم ولائها للمحتل الاجنبي، قبل ان تتحول تلك السياسة الى مغامرة خطرة وذلك عندما استغل هؤلاء المسلحون وجودهم في العراق لارسال الانتحاريين والانتحاريات الى مدن الاردن والسعودية لتفجير الفنادق والمجمعات النفطية فيها. وقد بدا واضحا هذا التراجع العربي المتعمد عن الدخول الى الساحة العراقية عبر رفض التعامل مع الحكومات العراقية التي تشكلت في الاعوام 2003 و2004 و2005 بزعم انها تعمل تحت ظل الاحتلال الامريكي. كما ان عدة زعماء عرب اطلقوا عدة تصريحات استفزازية ضد المكون الشيعي الوطني العراقي يتهمونه فيها بالعمل ضمن اجندة ايرانية لاقامة هلال شيعي يمتد من لبنان مرورا بسورية ومن ثم الى العراق. هذا الغياب العربي المتعمد عن العراق لم يكن في الواقع في صالح الطرفين، لا العربي ولا العراقي، والذي ادى الى تداعيات خطيرة على الوضع الامني العراقي، قبل ان يحدث تحول واضح مع مطلع العام 2007 وبضغط واضح من واشنطن لاقامة مؤتمرات عربية مهتمة بالوضع الامني في العراقي، شهدتها مدن شرم الشيخ والبحر الميت، اضافة الى زيارات خجولة قام بها عدة زعماء عرب الى بغداد كانت ايذانا بنهاية عهد المقاطعة العربية للعراق واعادة فتح السفارات العربية في العاصمة بغداد من جديد. ازمة تشكيل الحكومة العراقية التي ما تزال على حالها منذ اكثر من ستة اشهر تمثل في الواقع فرصة ثمينة وذهبية للبلدان العربية للقيام بدور بارز وايجابي في العراق عبر تشجيع وحث الاطراف العراقية المختلفة على التخلي عن مواقفها المتشددة وتقديم التنازلات المتبادلة، فمثلا تملك دمشق مثل هذا الدور من خلال علاقتها الوطيدة بكافة الاطراف العراقية التي تحظى دمشق بثقتها، اذ ان لديها علاقات واسعة مع التيار الصدري والمجلس الاعلى، كما حرص السيدان مقتدى الصدر وعمار الحكيم على زيارة سورية، فضلا عن ازالة الجليد في العلاقة مع رئيس الوزراء نوري المالكي الذي كان يوما ما لاجئا في دمشق نفسها، بينما تحتفظ بعلاقات جيدة مع القائمة العراقية عبر اتجاهاتها القومية العربية، في وقت تسير فيه علاقاتها مع الاكراد بشكل ايجابي، حيث العلاقات التاريخية التي تجمع الزعيمين الكرديين مسعود البارزاني وجلال الطالباني بدمشق ومنذ ايام المعارضة لحكم صدام، وبالاضافة الى العامل المحلي فان المناخات الاقليمية توفر هي الاخرى بدورها دورا كبيرا لدمشق في ظل تحالفها الاستراتيجي مع طهران، التي لا تمانع في قيام دمشق بوساطتها تلك من اجل جمع الاطراف العراقية الى مائدة طاولة واحدة، فضلا عن ترحيب سعودي بهذا الدور بعد الزيارة التاريخية التي قام بها العاهل السعودي الى دمشق مؤخرا والتي اسهمت في اعادة الروح الى محور الرياض دمشق عمان من جديد. ومن الواضح ان واشنطن التي لا تبدي تشددا في مسألة تشكيل الحكومة العراقية بقدر اهتمامها بان تكون الحكومة المشكلة ممثلة لغالبية الاطراف العراقية وتحافظ على العلاقة الوثيقة بين واشنطن وبغداد وبرعايتها ايضا. يمر العراق حاليا بظرف امني وسياسي صعب ومعقد في ظل استمرار التقاطع بين المكونات السياسية وانعكاس ذلك على تدهور الوضع الامني من خلال عمليات الاغتيال والتفجيرات الدموية التي تحدث بشكل شبه يومي في العاصمة بغداد وباقي المدن الاخرى، والتي باتت تثير قلق المواطنين العراقيين ومخاوفهم من عودة الجماعات المسلحة للظهور مجددا وهيمنتها على الشوارع والمناطق من جديد. الوضع العراقي الحالي بكل تعقيداته يؤكد فشل واشنطن في تحقيق اهدافها التي سعت من اجلها بعد غزوها للعراق، حيث الفشل في ايجاد نظام سياسي مستقر وبناء دولة ديمقراطية ناجحة، بل انها انتجت نظاما اقرب الى الفوضى منه الى الاستقرار وهيمنة القوى الطائفية والحزبية السياسية غير المثقفة او الاكاديمية على مواقع النفوذ والسلطة واحتكارها بشكل شخصي حتى باتت مؤسسات الدولة العراقية اقرب الى الاقطاعيات منها الى مؤسسات دولة حقيقية ومستقلة، فضلا عن تآكل الطبقة الوسطى التي تعتبر مفتاح التغيير المنشود وهجرتها باعداد كبيرة الى خارج العراق وتفشي الجريمة المنظمة حتى عرف العراق وبعد سبع سنوات على الاحتلال الالاف من رجال العصابات المنظمين والقادرين على اختطاف اي شخص وفي وضح النهار ومقايضته بمبالغ مالية كبيرة، بل باتت بعض هذه العصابات تتنافس في السيطرة على الاحياء والمناطق وتقاسم مواقع النفوذ في العاصمة بغداد والمدن العراقية الكبرى، وكأننا امام صومال جديدة. المساهمة العربية في حل الازمة تبدو مطلوبة ومتوفرة اكثر من اي وقت آخر وعلى العرب ان يربحوا العراق الان ويسهموا في تضميد جراحه وان لا يضيعوا الوقت في التباكي على هوية عربية ضائعة ووطن جريح اسهموا هم في صنع مأساته يوم تركوه وحيدا ينزف، مرددين الاتهامات بتخوين القوميات والطوائف فيه، متناسين ان من اتهمومهم بالخيانة ظلما قدموا التضحيات وخسروا الالاف من رجالهم لكي يظهر الى الوجود عراق عربي يحكمه ملك عربي يوم كانت جيوش الجنرال الفرنسي غورو تدق ابواب دمشق وتخلع فيصل بن الحسين عن عرشه واحجمت الكثير من المدن العربية عن استقباله، فضلا عن منحه التاج ليحكمها بينما فعل العراقيون ذلك.
صادق كاظم – العراق