الصادق بنعلال هناك شبه إجماع من قبل الباحثين والمنشغلين بالتاريخ السياسي العربي، على أن العرب لم يشهدوا في تاريخهم القديم و’الجديد’ نظاما سياسيا قائما على التعاقد والعدل والحرية والمساواة.. فمنذ معاوية بن أبي سفيان إلى ‘القائد’ معمر القدافي، لم نكن الا أمام زمرة من المتسلطين والحاكمين بـ’أمرالله’ يسومون شعوبهم سوء العذاب ويعيثون في الأرض فسادا. صحيح لقد أقام العرب بناء ثقافيا وحضاريا قل نظيره، وكان عاملا من عوامل الإشعاع العلمي في الغرب منذ العصر الوسيط، غير أن ذلك كان في الغالب الأعم تحت إشراف الحاكم المستبد غير العادل. أما في العصر ‘الحديث’ (القرن التاسع عشر) فقد نهض العرب من سبات ‘انحطاطهم’ بفضل الحملات العسكرية البونابارتية وأمثالها، ليكتشفوا الهوة العميقة التي تفصل بين تقدم الغرب وتأخر المسلمين؛ فانبرى رجال الفكر العربي آنذاك للبحث عن أسباب تراجع العرب الحضاري، والحلول الكفيلة بإعادة الحياة مجددا إلى الوجود العربي المهدد بالتلاشي والذوبان. وخلص هذا البحث الشاق والمضني إلى أن العالم العربي يعيش أزمة هيكلية وشاملة؛ تمس بالتحديد الاستبداد السياسي (عبد الرحمن الكواكبي) تخلف التعليم (محمد عبده) الفهم الساذج للدين (الأفغاني) استعباد المرأة (قاسم أمين) .. ولما دخل الاستعمار الأوروبي إلى البلدان العربية في مستهل القرن العشرين؛ انتفضت الشعوب العربية ثائرة في وجه الاحتلال الأجنبي، واستطاعت، رغم التضحيات الجسام وسقوط عدد مـــــهول من الشــــهداء في ساحات الشرف، أن تخرج المحتل على أمل أن تبني حاضــــرا عربيا يكون بداية لانطــــلاقة نوعية نحو بعث متجدد، بيد أن الرياح جرت بما لم تشته السفن. فعوض أن يتكفل رجال الثورة بإنجاز الاستحقاق المطلوب: وضع هياكل وتنظيمات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية عصـــرية؛ تســتلهم المعطى الفكري لرواد ‘البعث والإحياء’، وتطبيقه على أرض الواقع ومأسسة المجتمع العربي، هرول الانتهازيون، كعادتهم، وعملوا على قرصنة نضالات الشعوب العربية ودمائها الزكية لخدمة أجندات مخالفة لتطلعات الأمة العربية نحو التقدم والرقي وقبر آمال وطموحات الشباب في العيش الكريم.
وجرت مياه متدفقة تحت جسر ‘الأمة العربية’ لنجد أنفسنا في بحر لجي من الصراعات والنعرات، والتعاطي السياسي البائد مع أصول وفصول الشأن السياسي. وأضحى الحكام العرب ‘أصحاب الجلالة والفخامة والسمو’ الفاقدون للشرعية القانونية (الديمقراطية) ينهجون نمط الحكم السياسي الفردي في أسوأ تجلياته وأحلك تمظهراته؛ الاستحواذ المطلق و’الأبدي’ للسلطة وقمع الحريات الفردية والجماعية والتحكم في مقدرات الأمة ونهب المال العام.. و’تأجيل’ النظر في الإصلاح والتنمية والديمقراطية.. إلى أن ‘يتحقق حلم’ تحرير فلسطين كل فلسطين، وإنجاز ‘الوحدة العربية’ وإقامة ‘الاشتراكية’ إلى آخر لائحة الشعارات الديماغوجية؛ التي طالما سمعناها من عظمة لسان حكامنا ‘الأشاوس’ في لقاءات ‘القمة’ العربية وغيرها من اللقاءات الرسمية والسرية ‘المهمة’. والآن وفي سياق التحولات الدولية الكبرى والثورة المعلوماتية الرقمية الهائلة، وفي خضم انهيار العناوين الكبرى وسقوط أوراق التوت؛ طفقت الأرض تشتعل تحت أقدام طواغيت ظهروا في شكل كائنات ورقية، بفضل ثورات الشباب العربي الذي حطم جدار الرعب إلى غير رجعة، وخرج في مختلف ساحات التحرير العربية مطالبا بإسقاط الأنظمة والفساد الذي ران على الإنسان العربي وحرمه من الإحساس بوجوده. لـ’يكتشف’ للمرة الألف أن الحاكم العربي دموي حتى النخاع، وأنه مستعد تمام الاستعداد للتضحية بالبلد كله من أجل أن يخلد في السلطة ويورث مقاليد الحكم لـ’فلذة الأكباد’ بالحديد والنار وما جاورهما. وأخيرا وليس آخرا أضحى الشباب العربي مدركا لحقيقة إنسانية خالدة: لا بداية إلا من البداية؛ تغيير قواعد اللعبة والقطع النهائي مع المسلكيات السياسية المنحطة، والعمل من أجل دمقرطة العالم العربي ووضع قطاره على سكة الحداثة وقيم العصر والمواطنة والتعددية، والتداول السلمي على السلطة المستندة إلى إطار تنافس سياسي حضاري بعيدا عن البلطجة واستظهار القوة والترهيب. لا مستقبل للأمة العربية إلا في ظل مناخ سياسي وحضاري جديد يتطلب بناؤه ‘كتلة تاريخية’ مدركة لمتطلبات اللحظة الراهنة، ولن تخرج تلك المتطلبات عن القوانين والأعراف والمواثيق الدولية المتفق عليها كونيا. فهل سيستجيب زعماؤنا العرب؛ الشيوخ و’الشباب’ لمستلزمات القرن الواحد والعشرين؟ وهل سيلتقطون صوت الشارع العربي؛ الذي يصدح بالدعوة إلى الالتزام اللامشروط بالديمقراطية والتوزيع العادل للثروة وتفعيل قانون المراقبة والمحاسبة والفصل الفعلي بين السلطات والتخلي التام عن الغطرسة والاستكبار البغيضين؟ أملنا أن ينحازوا إلى عين العقل ومنطق العصر، وإلا فإن الشعوب ستطاردهم بصدورهم العارية ‘زنكا زنكا’ . باحث في قضايا الفكر والسياسة