العرب والعبقرية و ‘عرق الجبين’

حجم الخط
0

مروان العياصرةذات مرة أطلق توماس أديسون (1847 1931م) المخترع الأمريكي الشهير عبارته الشهيرة في تعريف العبقرية ( العبقرية 1′ الهام، و99′ عرق جبين )، لقد اختصر بهذه العبارة جهود كثير من دارسي معنى الإبداع والباحثين في فلسفة المفهوم، الجدل هنا ليس سهلا، إذا ما قيست عبارة اديسون بتعريفات العلماء للإبداع والعبقرية، وربطهما بالعوامل الورائية والعوامل البيئية، فالمسألة فيها من التعقيد ما نحن لسنا بصدده، إنما جاء الاستشهاد بهذه العبارة للتدليل على انه مهما ورث الشخص جينات العبقرية والإبداع من أبويه او أسرته، فإنه بالتأكيد لن يبلغ ذلك إلا بالجهد، وهذا ما خلص إليه العلماء بأن الجينات العبقرية لدى الأبوين ما هي إلا بيئة فيها من الرقي ما يرفع نسبة الإبداع لدى الإبناء، وفيها أيضا التشجيع والتعزيز ودعم التوجهات العبقرية والمبدعة، على كل الاحوال، فهذه العبارة قد لاتروق للكثيرين منا نحن العرب، لاننا اكتفينا بمعنى العبقرية الإلهامي، ونسينا جانبها المكتسب وحسب اديسون نسينا 99′ منها كعرق جبين وجهود وبحث وجلد، ربما لأن هذا الإكتفاء يحقق لنا رضا نفسيا وروحيا ويبرر لنا فشلنا أو ( عاديتنا ) على أقل تقدير، غنه اكتفاء يوفر لنا العزاء الأخلاقي وليس العلمي، لكن جاءت عبارة اديسون لتفضح هذه السهولة المبتذلة في التعاطي مع قيم الحياة المعاصرة، وتفضح أيضا زيف هذا الاتكاء الهش على المعنى الإلهامي للإبداع.

لو لم تكن عبارة اديسون لها نصيب وافر من الحقيقة العملية لما كان عليه حال كثير من العباقرة الخالدين، الذين طوعوا الجهد لخدمة أغراضهم الإبداعية وأفكارهم وأداءاتهم العبقرية، بيكاسو مثلا لم يكن ليحظى بهذه المكانة والعبقرية لولا عرق الجبين الذي نتج عنه (20) ألف عمل فني راق، وفرويد مؤسس مدرسة التحليل النفسي وعلم النفس، وقد انتج (330) بحثا علميا رصينا، وأيضا أديسون نفسه صاحب عرق الجبين الذي سجل (1093) براءة اختراع.

علماؤنا العرب والمسلمين، عرفوا هذا، فخرج منهم عباقرة ومبدعون عظماء، وأدركوه بفطنتهم إلى أهمية استثمار الوقت والجهد، والسيوطي أحدهم وهو المؤلف الذي جاوز عمره التأليفي 45 عاما، وقد عدّ له بروكلمان (415) مؤلفا، وأحصى له ‘حاجي خليفة’ في كتابه ‘كشف الظنون’ حوالي (576) مؤلفا، ووصل بها البعض إلى (600). ليس بالوسع الاستطراد في ذكر امثلة العظماء والعباقرة، لكن يكفينا ان نعلم اننا نحن العرب نركن دائما للأسهل والأسلم والأمتع والـ.. ، وادلة ذلك كثيرة، فعلى مستوى البحث التعليم العربي عموما بنيت توجهات الطلبة على اختيارات انسانية وعلمية، في حين تم تجاهل الاختيارات المهنية، لأسباب كثرة لا مجال لذكرها، فقط يمكننا ذكر ان الدول الحية والصناعية حافظت على نسبة متعادلة بين التعليم المهني والتعليم الإنساني والعلمي ( 50 / 50 )، في حين ان هذه النسبة لدى الدول النامية لا تتجاوز ( 10 ‘ )، وعدا ذلك فإن أساتذة الجامعات العربية قبلوا بالتبعية العلمية والإجترار بدل الابتكار، وتدنت مستويات انتاجاتهم او تأثير انتاجاتهم إلى مستوى قليل جدا، حتى غدت تطبيقات البحث العلمي العربي في إطارها الصناعي مثلا في أسوأ مستوياتها، ولعل تلعيمات التفرغ العلمي في الجامعات العربية تنص على أن يأخذ الأستاذ الجامعي إجازة تفرغ علمي يقضيها في البحث العلمي، لكن للأسف هذا المعنى غائب تماما، حيث يحصل على الإجازة ليذهب غلى جامعة أخرى للتدريس فيكون قد حقق كسبا ماديا مجزيا بسريان راتبه في جامعته الام وجامعة التفرغ العلمي، ماذا يعني هذا.. ؟ ، كسل علمي، ام عدم وعي علمي، ام حاجة مادية غالبة، جراء الفقر العربي الآخذ بالتوسع، أم كل هذا معا.. ؟.

الإبداع والعبقرية العربية المتردية، حالة معقدة فعلا، لأنها مزيج مدهش من كل أشكال التبعية والاجترار والفقر والبيئات الطاردة والرضوخ للكسل والإنكفاء على حالة مزرية من التنميط البليد في الحياة العربية، والاكتفاء بتمثل عبارة ( ليس بالإمكان أبدع مما كان )، لا شيء يدعو او يشجع على الإبتكاراو الإبداع، فما بالكم بالعبقرية.’ كاتب اردني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية