العرب والمسلمون… حالة إستعصاء!
د. عصام نعمانالعرب والمسلمون… حالة إستعصاء!هل تحوّل العرب في العقل الأمريكي حالةً عصيّة علي الفهم وغير قابلة للتعامل معها؟هذا ما يستنتجه المرء بعد الإطلاع علي مقالة الكاتب السياسي الأمريكي دايفيد بروكس في إنترناشيونال هيرالد تريبيون بتـــاريخ 6/3/2006.صحيح أن بروكس ليس بالضرورة ممثلا للعقل الجمعي الأمريكي، لكن ما قاله يعبّر، إلي حدّ بعيد، عن مشاعر وسلوكيات ومواقف أوساط كثيرة في أروقة السلطة ومراكز الأبحاث ووسائل الأعلام وأندية المجتمع الأهلي.اذْ يتخوف بعض قادة الرأي والسياسيين من ان يؤدي تعثر سياسة جورج بوش في العراق إلي نزوع أمريكي جديد نحو الانعزالية في السياسة الخارجية، يخالف بروكس هؤلاء جميعاً بقوله إن العراق، بإختصار، ليس فيتنام، فقد تسببت حرب فيتنام في نقـل أمريكا من حالة إنصراف الإهتمام إلي كل ما هو خارج الذات إلي ما هو داخلها، في حين ان حرب العراق تنطوي علي دينامية مختلفة… بمعني أن التأثير الرئيس للعراق ليس في دفع أمريكا إلي الانعزالية بل في نقل الرأي العام الأمريكي من شكل معين من إشكال الأممية (العالمية) إلي شكـل آخر . ذلك أن جورج بوش، في رأي بروكس، إنطلق من فرضية مفادها أن العرب لا يختلفون عن غيرهم من الأمم، وانه يمكن جذبهم إلي أسرة الأمم الديمقراطية. والحال أن هذا النمط من التفكير آخذ بالإضمحلال.إن الأممية البازغة التي يرصدها بروكس تستند، علي نحوٍ مغاير، إلي ما يسميه الاستثنائية العربية . إنها الإعتقاد بإنه في حين يتحرك معظم العالم نحو مستقبل متكامل عالميا، فإن العالم العربي يبقي أسير دوامة رعب تعود إلي العصور الوسطي . من هنا يذهب بروكس إلي الإستنتاج بأنه يتعذر علي البلدان العربية أن تصبـح ديمقراطية في مدة وجيزة، ذلك أن شعوبها ليست مهيأة لتقبّل الحداثة التعددية. وإستناداً إلي هذه الحيثيات يلفظ بروكس حكمه المبرم: يجب عزل العرب حتي لا يتسنّي لهم أن يتسببوا في إيذائنا مرة أخري !هل تأذي الأمريكيون من العرب، ومتي حدث ذلك؟هل الفلسطينيون من حرض اليهود الصهاينة علي غزو أمريكا وساعدوهم علي إقتلاع مجاميع من شعبها في ولاية نيويورك، مثلا، وعلي قذْفهم إلي خارجها كلاجئين يعيشون في مخيمات خانقة في المكسيك؟ هل العراقيون هم من قصفوا، مثلا، ولاية ماساتشوستس بالصواريخ والقنابل الفوسفورية، ثم قاموا بإحتلالها وقتل آلاف من شعبها، واجتياح مدنها ومتاحفها وسرقة كنوزها ومخازنها؟ هل السعوديون هم من فرضوا علي امريكا حصارا وعقوبات اقتصادية وجوّعوا شعبها وقطعوا عنها النفط والغاز؟إن بروكس لا يشير البتة إلي مصادر الأذي العربي ومواقع فعله في أمريكا. بالعكس، هو يعترف بأن ثمة عداء عنصرياً عميقاً من طرف الأمريكيين ضد العرب رغم انهم يحاذرون التصريح به للقائمين بإستطلاعات الرأي. غير ان هذا العداء يظهر من خلال ردة الفعل العارمة ضد صفقة شركة موانيء دبي، ومجاميع الناس الذين يرغبون في أن تنهي أمريكا إعتمادها علي نفط الشرق الأوسط، وشجب تظاهرات السخط رداً علي الرسوم المسيئة للرسول الكريم. بل ان بروكس يؤكد بأن ثمة تحوّلا سلوكياً مماثلا أخذ يتبدي في أوروبا بشكل جارف.لا ينسي بروكس ان بلاده تقترب من استحقاقات الإنتخابات النصفية في مطلع تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، فتراه يتنبأ بان الناخبين سوف يجروّن المرشحين بقوة وجرأة وشراسة إلي حيث لا حديث البتة عن نصرة الحرية بل الي حيث المنافسة تتركز حول مَن منهم سيكون الأشرس في مقاتلة هلال الإسلام!اذْ يتحول الجلاد، تفكيراً وتعبيراً، عند بروكس ضحيةً تطلب الثأر، تراه يُطلق مرةً أخري حكماً مبرما : إن أمريكا لا تتطور إلي مزيد من الانعزالية بل ان الأمريكيين سيكونون سعداء في الإندماج مع العالم كله بإستثناء العرب لا غير …هكذا يتضح ان الإستثنائية العربية في مفهوم بروكس تعني بكل فظاظة نبذ العرب بل حبسهم ضمن جدران لمنع العالم من التعاطي معهم. انها العنصرية بأجلي معانيها والتمييز بأشرس ممارساته.هل العرب وحدهم من سيتحمّل كل هذه العنصرية والشراسة؟كلا بالتأكيد. فمنذ نحو شهرين خاطب بوش مجلسي الكونغرس والشعب الأمريكي من خلال رسالة حال الاتحاد ، فجزم بان أمريكا تخوض حرباً لا هوادة فيها ضـد الإسلام الراديكالي . ما الإسلام الراديكالي؟ إنه المسلمون جميعاً، عقيدةً وثقافةً وشعوباً ودولاً ومجتمعات وجماعات. ألا تتبدي هذه الهجمة البوشية بأبشع صورها في العراق وأفغانستان، وهي آخذة طريقها أيضاً إلي إيران؟الحقيقة ان بوش وعصبته في صدد مزيد من التصعيد في هذا المجال. فصحيفتا واشنطن بوست الأمريكية و هآرتس الإسرائيلية تؤكدان ان واشنطن تعتزم انتهاج سياسة من شأنها تصعيد التوتر في المنطقة من خلال ممارسة ضغوط متزايدة علي طهران، تستهدف إسقاط النظام الإيراني وتركيز الضغوط مجددا علي المسؤولين في دمشق تحت شعار إننا لم نصفِ حسابنا معكم حتي الآن !أكثر من ذلك: بحسب الصحيفة الأمريكية، فقد إنتصر الفريق المؤيد لإسقـاط النظام في إيران داخل ادارة بوش. اما بحسب الصحيفة الإسرائيلية، التي نقلت تقريرها عن مسؤولين أمريكيين، فإنه يجب إجبار دمشق علي تطبيق بنود القرار 1559 لاسيما لجهة تجريد حزب الله من سلاحه ووقف تهريب الأسلحة إلي لبنان وإجراء إنتخابات رئاسية حرة فيه.هكذا يتضح ان ادارة بوش التي فقدت صدقيتها بعد إخفاقها الإستخباراتي في موضوع أسلحة الدمار الشامل العراقية، لا تجد طريقة لإقناع الامريكيين والعالم بأنها محقة هذه المرة في شأن خطر إيران النووي غير تخويف الجميع بأن دولةً يسيطر عليها مسلمون، متطرفون، متعصبون، مكروهون ومنبوذون من العالم اجمع هم مؤهلون، بالسليقة والعقيدة والتعصب، لقتل البشر وتدمير المدنية.كيف نردّ كيد أمريكا البوشية إلي نحرها؟9