العرب والود المفقود مع الديمقراطية

حجم الخط
1

عندما اندلعت ثورات الربيع العربي منادية بالحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، بعد عقود طويلة من القهر والظلم والاستبداد، كان من المتوقع ان تستقبل الشعوب العربية بشوق ولهفة وحنين، هذا الربيع المشرق المزهر الجديد، الذي كنا جميعا نهفو اليه ونتمناه، وقد اكتظت السجون العربية، وازدحمت معاقل التعذيب بعرب احرار ضحوا بانفسهم من اجل هذا اليوم المشهود، يوم القضاء على الظلم والقهر والطغيان .
ولكن الغريب في الامر، ان العرب تعاملوا مع الربيع العربي كضيف اخذ حقه من الضيافة والترحيب في ثلاثة سنين، بدلا من ثلاثة ايام، ثم اصبح ضيفا ثقيلا آن له ان يغادر المكان، ولسان حالهم يقول: لا اهلا حللت ولا سهلا نزلت .
لقد اثبت الربيع العربي وما جرى ويجري في البلدان التي حل بها، وتلك التي كانت او ما زالت تنتظره، ان العرب لا يفهمون معنى الحرية والديمقراطية، لا بل كشفت الاحداث انهم لا يكنون للديمقراطية حبا ولا ودا، وصدق المثل القائل (الانسان عدو ما يجهل). ان جهل العرب بالديمقراطية فهما ومعنى وممارسة، على امتداد عقود طويلة، ان لم يكن قرونا واحقابا، قد خلق حالة من النفور والخوف وحتى العداء بين الانسان العربي والديمقراطية.
قطاع كبير من العرب يرى في الديمقراطية رفاهية فكرية لا يحتاجها الان، لان شغله الشاغل واولوياته، لا بل امله ومبتغاه هو توفير لقمة العيش، والحد الادنى من الاحتياجات الاساسية، وعمل كريم يعتاش منه، وبيت يظلل اسرته، ورعاية صحية مناسبة، ومدارس لابنائه، بينما في المقابل هناك قلة قليلة تتحكم بمقدرات وثروات وموارد واموال شعوب هذه الامة، وترى في الديمقراطية عدوا يهدد وجودها ومصالحها وامتيازاتها، وبالتالي فهي توظف كل امكانياتها لمحاربة الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان في العالم العربي، وتسعى جاهدة لنشر وتوسيع قاعدة الانحلال الاخلاقي والفساد الاداري من اجل اعاقة تطور وتقدم
هذه الشعوب في الميادين المختلفة .
واخرون يعتبرون ان الديمقراطية كفر وممارستها حرام، وهي لا تتفق مع مبادئ وتعاليم الاسلام، ، وان الشورى هي القيمة الاسلامية الانسانية السامية والشاملة في بناء الكيانات من الاسرة الى الدولة، على اسس من العدل والمساواة والمشاركة، وان الالتزام بالشورى كمنهج شرعي وبنص القرآن الكريم واجب، وهو حق نؤمن به جميعا كمسلمين، ومع ذلك فان غالبية هؤلاء لا يكتفون بمعاداة الديمقراطية، رغم انها تتشابه مع الشورى في العديد من الاوجه، بل لا يطبقون الشورى التي يدّعون الحرص عليها، سواء في حياتهم الخاصة او العامة. وان الشورى، رغم كونها امرا الهيا تشريعيا ملزما، لم تحظ بالتطبيق العملي للاسف الا لفترات قصيرة في التاريخ الاسلامي، هي عهد النبوة والخلافة الراشدة، وخلافة عمر بن عبد العزيز الاموي، وعهد نور الدين الزنكي الذي تحقق في عهده الامن والاستقرار والنصر المبين ضد الصليبيين، اما غير ذلك من تطبيقات الشورى في الاسلام، فلم يكن في الغالب سوى شكل بلا مضمون .
وهنال البعض الذي يرى في الديمقراطية، وما يلازمها من حرية رأي وتعبير وعدالة ومساواة وحقوق انسان، خطر يهدد سلطات ولي الامر المطلقة، فجعلوا طاعته مرتبطة بطاعة الله ورسوله، فخلطوا بين طاعة المخلوق وطاعة الخالق، وخلطوا بين الطاعة في العبادة والتشريع، وبين الطاعة في سياسة الدنيا وادارة الامور العامة للناس (وامْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)، وحاربوا الديمقراطية بحجة انها عدو الاسلام، بينما هي في الواقع تلتقي مع الاسلام في معاداة الاستبداد والظلم والطغيان، وتتفق مع الشورى في ان اساس تطبيقها يكمن في المساواة وحرية الفكر والعقيدة والعدالة الاجتماعية من اجل العيش في ظل كيان انساني يقوم على التعاون والتكافل والسلم الاجتماعي.
كما ان هناك ‘الاستبداد التربوي’ الذي يصيغ شخصية الانسان العربي في البيت والمدرسة، ويعطل قدراته ومواهبه، ويعيق ابداعاته الفكرية، ويجعله خانعا متلقيا مقلدا عاجزا عن التفكير المستقل وابداء الرأي، وهذه الصفات والطباع، تجعل الانسان العربي عاجزا عن فهم الديمقراطية وممارستها، جاهلا بمضمونها ومحتواها، وبالتالي يصبح خائفا منها وعدوا لها، وهكذا لقد نجحت معطيات عدة لا مجال لتفصيلها في هذا المقال، في قهر الانسان العربي واذلاله واخضاعه، وتكييف اوضاعه بما يجعله دائم الاذعان خائفا يترقب عاجزا عن الفعل الارادي الواعي المستقل .
ان معالجة هذه الامراض النفسية والاجتماعية وحتى العقلية في مجتمعاتنا العربية تحتاج الى علاج جذري جدي، يقوم على الاعتراف الكامل بحرية وكرامة الانسان العربي، وانتهاج سياسة تربوية بتوجيه علمي وطني وقومي، وبلا وصاية ضالة ومضلة، وبهدف اعادة صياغة الشخصية العربية على اسس ثابتة من القيم ومكارم الاخلاق التي اشتهر بها العربي حتى في جاهليته، وجاء الاسلام بالايمان والعلم فهذبها ووجهها، وصاغ بها أمة صنعت الحضارة وقادت العالم قرونا طويلة، قبل حالة الضعف والوهن التي تمر بها الامة في هذا العصر .
ان مبدأ الشورى الذي كان مهيمنا على الحياة العامة في عهد النبوة والخلافة الراشدة بصورة قوية تعرض للضعف، خاصة في المجال السياسي، بدءا بعصر بني امية، اذ كان في جعل ولاية العهد الآلية الوحيدة لنقل السلطة من السلف الى الخلف، من قبل معاوية بن ابي سفيان الذي استحدثها وفرضها لابنه يزيد، وسار على نهجه خلفاء بني امية، ثم خلفاء بني العباس، ثم خلفاء الدولة العثمانية، واستمر هذا النهج ظاهرة عامة منتشرة في اقطار العالم العربي والاسلامي منذ ذلك الوقت وحتى عصرنا الحالي، عصر القرن الواحد والعشرين، ساهمت في ايقاف آلية المشاركة الشعبية عمليا في السياسة، من حيث اختيار الحاكم ومراقبته ومحاسبته وتعيينه وعزله، ولم يعد هناك من يجرؤ على القول ‘والله لو وجدنا فيك اعوجاجا لقوّمْناهُ بسيوفنا ‘التي قيلت في وجه امير المؤمنين عمر بن الخطاب، وهو خير من حكم فعدل بعد رسول الله وخليفته ابو بكر الصديق، الذي رد بقوله ‘لا خير فيكم اذا لم تقولوها ولا خير فينا اذا لم نقبلها منكم’. وكأنما رأى عمر بعين بصيرته ان هذا الخير سوف ينقص في الحاكم والمحكوم، فلم يعد هناك من يقولها ولم يعد هناك من يسمعها ويقبلها .
وثمة اسباب عديدة اخرى اسهمت في غياب الديمقراطية عن مجتمعاتنا العربية منها، تغول السلطات الحاكمة واستئثارها بالسلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية بلا فواصل او مؤسسات رقابية مستقلة وفاعلة، وتوظيف الوسائل المختلفة واهمها الاجهزة الامنية ووسائل الاعلام ورجال الدين لدعم وتأييد السلطات الحاكمة، واحاطتها بهالات من القداسة والتبجيل، ومنع ظهور الرأي الاخر المنتقد او المعارض او حتى المفكر، وتهميش المثقفين والمفكرين والعلماء، وجعل المناصب، خاصة القيادية منها، قائمة على الولاء للنظام لا على الكفاءة .
ان عدم الاهتمام بمؤسسات المجتمع المدني في العالم العربي، يعتبر من اهم معيقات التوجه الديمقراطي، لان المجتمع المدني في الدول الديمقراطية يعتبر السلطة الرابعة النشيطة والمؤثرة في القرارات السياسية، وهو، اي المجتمع المدني، يمارس الديمقراطية في حراكه واجراءاته وقراراته، وهو في نفس الوقت رقيب على الحاكمية والشفافية والممارسة السليمة للديمقراطية من قبل مؤسسات الدولة .
ولهذه الاسباب مجتمعة يتعرض المجتمع المدني في اكثر البلدان العربية للاهمال والتهميش والاعاقة عن طريق الاجراءات الادارية والقرارات السياسية، ونقص وتجفيف مصادر التمويل، خاصة حيال تلك المؤسسات العاملة في مجال حقوق الانسان او التكافل الاجتماعي، او تلك التي تعمل في مجالات الوقف او الزكاة، لانها تستطيع لو وجدت الدعم والحماية ان تغّير بشكل ايجابي كبير البنية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وان تعزز المسارات الديمقراطية وتطورها وتحميها من الانحراف .
ان استعادة الود المفقود بين العرب والديمقراطية يستدعي بالدرجة الاولى، اعادة صياغة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، بين الراعي والرعية، وبين الرعية نفسها، على اسسس من العدل والحرية والمساواة واحترام حقوق الانسان، بحيث نعي جميعا مفهوم الحديث النبوي الذي يقول ‘كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته…’ ونعرف ما لنا من حقوق فنطالب بها، ونعرف ما علينا من واجبات فنلتزم بها، بحيث نعي ايضا ان هناك تداخلا بين الحقوق والواجبات، يتطلب منا جميعا تعاونا وتواصلا وتكاتفا، من اجل حمل الامانة التي قال اللهُ عز وجلَ فيها ‘انَّا عَرَضْنَا الامَانَةَ عَلَى السَّمَاوات وَالارْضِ وَالجِبَالِ فَابَيْنَ ان يَحْمِلنها واشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَها الانسَانُ انَّهُ كَانَ ظَلُوما جَهولا’ اية 72سورة الاحزاب .

‘ محام ليبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية