د. عبد العزيز بنحمادي
كان العالم العربي ومشرقه خاصة الذي يمثل قلب العالم القديم ولا يزال مرجلا يغلي باستمرار، الا ان ذلك قد ينخفض حينا ويشتد احيانا لكن دون ان يتوقف او ينقطع وخاصة منذ اشراق نور الاسلام حيث اسس المسلمون وعمادهم العرب امبراطورية وفي فترة وجيزة سادها الكثير من العدل والتقدم.
لكن المنطقة تعرضت عبر العصور وبعد توقف مدها بل وضعفها وانقسامها الي محاولات متكررة لاخضاعها والسيطرة عليها، من غارات المغول والتتار وحملات الصليبيين ثم الغزو الاستعماري والاحتلال المباشر وغير المباشر في الفترة المعاصرة والتي لا تزال شعوب هذا الوطن تعاني من تداعياتها، ثم عود علي بدء للاستعمار المباشر بأبشع مما سبق في الفترتين الماضيتين، كما هو الحال في العراق وافغانستان وبالوكالة في الصومال.
فما هي الاسباب التي جعلت الوطن العربي ولا يزال محل اطماع القوي الاجنبية؟ لقد اشرنا الي ان الوطن العربي يحتل قلب العالم القديم مما جعل من موقعه همزة وصل بين اجزائه وقد وضح ذلك بجلاء منذ شق قناة السويس ثم ظهور الطيران وتطوره كأحد وسائل النقل الهامة الحديثة ليزداد ذلك تأكيدا.. كما ان الوطن العربي وشرقه بالخصوص ليس قلبا جغرافيا فقط بل حضاريا ودينيا، فعلي ارضه وتخومه ظهرت الحضارات الاولي، ونمت واينعت بمصر وبلاد الرافدين ـ المنكوبة اليوم ـ وبلاد الشام ثم تفرعت لتمتد الي اليونان فروما.. وهو قلب ديني ايضا فهو مهد الاديان السماوية الثلاث، بل لا يزال الي اليوم متحفا للمذاهب الدينية بانقساماتها وتفرعاتها، ثم ان غناء المنطقة بكثير من الثروات الاشد اهمية، والتي من ابرزها حاليا البترول والغاز، اهم مصدرين للطاقة وعصب الصناعة ووسائل النقل وبالتالي الحضارة المادية الحديثة.
الا ان غناء اي قطر او منطقة قد يسيل لعاب الطامعين مما يجعل من ذلك مصدر جذب للقوي الاجنبية، خاصة في حالة الضعف ليصبح منطقة انحدار سياسي، حصل ذلك خلال غارات المغول، وهجمات الصليبيين (استغلال للضعف والانحلال والتناحر والانقسام التي المت بالعالم العربي والاسلامي) فقد رفض سلطان المغرب نجدة صلاح الدين لانه لم يخاطبه بأمير المؤمنين مما يحول دون حماية الثروات بل وحتي الكرامات.
كل تلك المميزات جعلت العالم الاسلامي والعربي منه خاصة محل اطماع لا تفتر، ومن اطراف عديدة قديمة وحديثة (اسرائيل). الا ان الثروات الطائلة والهامة التي يزخر بها المحرك الاول والاساسي للمحاولات التي لا تني للسيطرة عليه واخضاعه والحيلولة دون نهضته، فضلا عن تقدمه، ويتجلي ذلك في الدعوات الصليبية اثناء القرون الوسطي عندما خاطب البابا اربان الثاني 1088 ـ 1099 حشود الصليبيين للبدء في الحرب قائلا: لقد كنتم تحاولون من غير جدوي اثارة نيران الحروب فيما بينكم فالان اذهبوا وازعجوا البرابرة وخلصوا البلاد المقدسة من ايدي الكفار وامتلكوها لانفسكم لانها كما تقول التوراة تفيض لبنا وعسلا. وقد جاء في نفس الخطاب: يأمر الله بتوقف العمليات الحربية بين المسيحيين في اوروبا ويتجه هؤلاء الي هزيمة الكفار ـ يعني المسلمين ـ استمر ذلك الصراع نحو قرنين من الزمن ـ يدخله الدكتور فيليب حتي في الصراع الابدي بين الشرق والغرب ـ دخل العالم العربي والاسلامي اثره في سبات عميق من التخلف، في الوقت الذي بدأت فيه قوي اخري في التقدم والظهور ـ وتلك الايام نداولها بين الناس ـ ممثلة في تركيا من الشرق، التي تحولت من امارة صغيرة الي امبراطورية ادخلت تحت نفوذها معظم اجزاء الوطن العربي واوروبا في الغرب، التي عرفت نهضتها اواخر القرون الوسطي مستفيدة من احتكاكها بالحضارة العربية الاسلامية خاصة في الاندلس وصقلية والشام.. ونشب صراع طويل بين الامبراطورية العثمانية وبين القوي الاوروبية التي كانت تتقدم بخطي حثيثة مقابل تقهقر العثمانيين بخطي متسارعة، الامر الذي سهل علي القوي الاوروبية الانقضاض علي اجزاء الوطن العربي، بانتزاعها من الدولة العثمانية التي تكاد تعجز عن حماية عقر دارها، مما سهل للقوي الاوروبية تقاسم ممتلكاتها ـ خاصة في العالم العربي ـ حسب اختلاف قواها فاستولت بريطانيا وفرنسا علي اهم الاجزاء فايطاليا ثم اسبانيا.
أدت التطورات السياسية في العالم الي حصول الاقطار (التي كانت يوما تمثل وطنا واحدا) المكونة للوطن العربي اليوم علي استقلالها، مع تحفظ كبير علي التعبير، لان الاستقلال يعني التحكم الحقيقي لابناء البلاد في مقدراتهم لكن الواقع غير ذلك، اذ ما زالت القوي الاستعمارية الحديثة والقديمة تدير شؤون العالم العربي سرا وعلانية، وبالوكالة غالبا عن طريق حكام يأتمرون بأوامرهم وينفذون رغباتهم (التي تتعارض مع مصالح اقطارهم وشعوبهم) مغرين اياهم بالفساد في شتي صوره محدثين بينهم وبين شعوبهم اخاديد عميقة ليقنعوهم بعد ذلك انهم حماتهم، وكلما عمقوا الاخدود ازدادوا لهم ابتزازا، بما في ذلك انشاء القواعد العسكرية ضمانا للسيطرة. وما استثمار البلايين العربية المزعومة في بلاد الغرب التي تستطيع تجميدها تحت اي ذريعة بل يمكن الاستيلاء عليها لعجز اصحابها عن حمايتها، وفي وقت يمكن ان تستثمر فيه تلك الاموال الطائلة او جزء منها داخل البلاد العربية والاسلامية، التي هي في امس الحاجة اليها، وهي في مأمن اكيد من التجميد والسلب.
فالموقع الاستراتيتجي للوطن الرعبي ـ صرة ثلاث قارات ـ لا يزال رغم الصواريخ عابرة القارات، والاقمار الصناعية هاما، وثرواته الطائلة جعلته محط اطماع القوي الاجنبية وخاصة منها الحاقدة (من امثال الصليبيين القدماء والمحافظين الجدد) واذا كان العسل والسمن اسال لعاب السلف منهم فان البترول والغاز يسيل لعاب الخلف، وهؤلاء يذهبون ابعد من ذلك فهم لا يريدون مجرد السيطرة ونهب الثروة بل يسعون الي مسخ ثقافة هذا الوطن والقضاء علي لغة اهله ـ التي تعهد الله بحفظها لانها لغة القرآن ـ وتقسيم شعوبه المقسمة اصلا وتحويلها عن دينها.
فقد نعت البابا اريان الثاني المسلمين بالكفرة، وهو نفس اعتقاد المحافظين الجدد، ولنعد قليلا الي الوراء اثر سقوط الاتحاد السوفييتي حيث صرح انذاك الامين العام للحلف الاطلسي ويلي كلاس البلجيكي قائلا لقد قضينا علي الشيوعية والعدو القادم هو الاسلام.. واعتبر تصريحه انذاك فجا وغير دبلوماسي، كما صرحت بذلك رئيسة وزراء بريطانيا ثاتشر وايضا الرئيس بوش الابن عقب احداث 9/11. (لقد بدت البغضاء في اقوالهم وما تخفي صدورهم اكبر). وما تكريم سليمان رشدي من قبل ملكة بريطانيا رغم اشتهار الملكة ودولتها بالتعقل وبعد النظر، لكن يبدو ان عمق الحقد لدي البعض الغي كل تحفظ او مجاملة، خاصة ازاء الضعف المزري للعالم الاسلامي.
يحدث ذلك في وقت يعتقد فيه الكثير من المحللين والمراقبين والمتابعين للاحداث ان استهداف الولايات المتحدة من قبل القاعدة مرده مساندتها ودعمها وتأييدها للدكتاتوريات في الوطن العربي، وهو ما اعترف به الرئيس بوش نفسه، وبأوضح عبارة عندما قال: لقد ايدنا ودعمنا تلك الانظمة الدكتاتورية لستة عقود، وهي كلمة حق اريد بها باطل اذ غايتها اخافة الحكام، وتطميع الشعوب، ومزيد من النهب والاذلال.
وما الدعوة الي تغيير برامج التعليم، وحذف كل ما يرسخ العقيدة والروح الوطنية، الا تعبير عملي عن المكنون، وللأسف الشديد استجابت كل الانظمة الحاكمة بدرجات مختلفة بل بعضهم نفذ ذلك قبل دعوة بوش الصريحة، اذ ان ذلك مطلب اسرائيلي تبناه بوش الابن انطلاقا من مباديء وقيم مشتركة.. بوش الذي دمر ولا يزال افغانستان، وسوف يعمل في مرحلة لاحقة علي تقسيمها! ثم غزا العراق الذي يعمل علي ارجاعه الي العصور الحجرية واخطر من ذلك السعي الي تقسيمه، الذي بدأ واقعا معاشا في كردستان، وما خطاب مسعود البارزاني باللغة الكردية بحضور المالكي علي نفس المنصة الا دليل علي واقع التقسيم، ولم يكن يتجرأ مسعود البارزاني علي التكلم بالكردية في حضرة صدام.. وبوش ومن معه من دول الغرب في طريقهم الي تقسيم السودان، حيث فصل الجنوب، ودارفور في الطريق، وسيأتي الدور علي الصومال، والبقية تأتي، مستغلين الحلقات الاشد ضعفا، وحيث تتنازع السياسة علي السلطة سواء من تلقاء انفسهم او بفعل فاعل.
وما الحرائق المشتعلة في كل من افغانستان، والعراق، والسودان، والصومال ولبنان وفلسطين (وكلها بلدان اسلامية وعربية بالاساس الا بفعل الدول الغربية وعلي رأسها الولايات المتحدة وفوضاها الخلاقة واللااخلاقية) الا امتداد لما عقدت عليه الدول الغربية العزم ومنذ 1907 من تقسيم العالم العربي والاسلامي وتقاسمه وفصل الجزء الاسيوي منه عن الافريقي لخلق اسرائيل، والحفاظ علي بقائه مقسما ومتخلفا لكي لا يهدد اوروبا ـ والغرب ـ مستقبلا كما هدده ماضيا. ذلك ما قاله رئيس وزراء بريطانيا في عدد من وزراء خارجية الدول الارووبية انذاك.
وما محاربة عبد الناصر وصدام والاطاحة بهما الا لانهما حاولا بعض التقدم ولو في ظل استبداد مستنير وفي ذلك ايحاء للحكام العرب بان لا يحاولوا ذلك لتجنب نفس المصير، بل ان بامكانهم ان يحولوا حكم بلدانهم الي متعة، وتنعم، وثراء خيالي، لهم ولأسرهم، بل يسمح لهم بالبقاء في الحكم متي شاءوا، واكثر من ذلك توريث الحكم الجمهوري لابنائهم ضمانا لعدم المحاكمة والقصاص، والذي لا وريث له ينصحونه بان يجتبيه، واذا تعذر يمكنه عقد صفقة من نوع يلتسين ـ بوتين، بل قد ترثه الزوجة، كل ذلك يسمح به حكام الغرب الديمقراطيون لكل من سار في الركاب، بل تحته من الحكام العرب.. لقد ساعدت الدول الغربية وعلي رأسها الولايات المتحدة نظـام صدام حسين اثناء حربه مع ايران بل شجعوه علي غزو الكويت ولكنهم غدروا به والدليل ما نطق به صدام حسين عندما بدأ الغزو صائحا غدار يعني بذلك بوش الاب، ولا يوصف بالغدر الا من نكث عهدا، او تنكر لوعد، والغدر من سمات الساسة الغربيين منذ ان اعلن كبيرهم الذي علمهم السحر، رئيس وزراء بريطانيا ديزرائيلي (1868) ثم من 1874 ـ 1880 ان بريطانيا لها مصالح دائمة وليس لها اصدقاء دائمين يعني ان صديق اليوم قد ينقلب عدو الغد لا لذنب ارتكب بل لتغير مصالح الطرف الاخر.
لكن هل للعرب والمسلمين ذاكرة تخزن وتعي وتتذكر؟
يبدو ان الواقع يجيب علي ذلك بالنفي والامثلة القريبة هي الآتية:1 ـ ألم تقف سورية وحافظ الاسد مع التحالف الغربي لغزو العراق؟ لكن أليست سورية اليوم مصنفة من بوش الابن ضمن محور الشر، وعامل عدم الاستقرار في المنطقة في عهد الاسد الابن؟2 ـ ألم تسمح الولايات المتحدة وتبارك دخول الجيش السوري الي لبنان وغض النظر عن تواجده لاكثر من عقدين قبل ان تسخر مجلس الامن لاخراجه، لكن فريقا لبنانيا كبيرا يتحالف اليوم مع الولايات المتحدة ضد خصومه السياسيين.3 ـ ألم تعط قطر لما نزع الشيطان بينها وبين السعودية قاعدة السيلية الي الولايات المتحدة، والتي ادارت منها جانبا هاما من غزوها للعراق، ومع ذلك فكر الرئيس بوش في قصف قناة الجزيرة في قطر.4 ـ الم تدمر طائرات التحالف ابار النفط الكويتية ـ السليمة ـ اثناء ما يسمي بحرب تحرير الكويت ولما سئلوا لماذا ذلك اجابوا بصريح العبارة لنعيد بناءها، فالحكومات الغربية وساستها لا يراعون ذمة امام مصالحهم خاصة وان المحافظين الجدد يعتقدون انهم يتعاملون مع كفرة ليسوا اهلا للحياة وقد ظهر ذلك جليا فيما ارتكبوه ولا يزالون في العراق وعلي السنة العديد من جنودهم الذين قتلوا اعدادا من العراقيين الابرياء.. وان ذلك باوامر من رؤسائهم وشبيه بذلك يقع في افغانستان، قتل الاف من المدنيين تحت ذريعة الاخطاء، الامر الذي ابكي حليفهم كرزاي، بل اكد اكثر من امريكي نزيه ان البنتاغون يقوم بعملية غسل ادمغة الجنود قبل توجههم للحرب في العراق وافغانستان لاقناعهم بأنهم يحاربون وحوشا ليسوا جديرين بالحياة.
مما جعل ما يقوم به رعاة البقر ومغول العصر الحديث ابشع ومن بعيد مما قام به المغول في القرون الوسطي، اذ لا يكاد يصدق احد ان ما يجري في العراق مهد العديد من الحضارات يقع في القرن الـ21 من قتل مئات الالاف وتشريد الملايين ونشر البؤس والفقر والمرض في بلد كان معظم سكانه ينعم بالرخاء مقارنة بالعديد من الاقطار العربية. اما عن نهب ثروتي البترول والغاز فحدث ولا حرج، بل نهبت الاثار بكل ما تحمله من تاريخ مجسم لحضارات العراق، ومن قيمة حضارية تاريخية انسانية، والمبكي والمؤلم انه ما زال في العالمين العربي والاسلامي من يثق في الحكومات الغربية وخاصة الولايات المتحدة. وعجيب لمن بلدغ من الجحر مرتين ثم لا يتعظ؟ هل هو حب العيش ولو في مهاوي الذل؟ الم يزعم هؤلاء انهم احفاد عنترة الذي ينسب اليه:
لا تسقني ماء الحياة بذلة بل فاسقني بالعز كأس الحنظلماء الحياة بذلة كجنهم وجهنم بالعز اطيب منزللكن هناك استثناء في العالم الاسلامي يكاد يكون شذوذا يتمثل في ايران. فماذا تقول حقائق الجغرافيا والتاريخ والحضارة بالنسبة لايران والعالم العربي؟1 ـ جغرافيا تحتل الجمهورية الاسلامية الايرانية موقعا وسطا تقريبا ـ جنوب غربي اسيا ـ في العالم الاسلامي بين جزئه الغربي والاسيوي حيث تحيطها افغانستان وباكستان من الشرق وتركمنستان وبحر قزوين واذربيجان من الشمال، وتركيا والعراق والخليج الفارسي من الغرب، وجزء من هذا الاخير وبحر عمان من الجنوب قلب العالم الاسلامي ممتدة علي مساحة تبلغ نحو 1650 كم مربع اي انها تقع علي مرمي حجر من دول الخليج.2 ـ تاريخيا ظهرت ببلاد الفرس اكثر من امبراطورية حققت شيئا من التقدم الحضاري منذ القرن 7 ق. م ممتدة من الهند الي العراق مرورا باليمن ومصر. ثم فتحها العرب المسلمون سنة 642 لتصبح جزءا من الامة الاسلامية، الا ان الفرس القدماء ومن موروث حضاري وديني لم تكن علاقاتهم بالعرب سلسة كما ارادها الاسلام ولا يزال. وللانصاف لم تكن نظرة عدد كبير من العرب ومنذ العهد الاموي الي الموالي بما فيهم الفرس تنسجم مع تعاليم الاسلام لما فيها من بعض الاستعلاء، في الوقت الذي يشعر الفرس في قرارة انفسهم وللموروث التاريخي بأنهم يتحدرون من قوم كانوا اكثر رقيا في مضمار الحضارة ـ المادية ـ وهذا الشعور لا يزال يمثل مخزونا تاريخيا لدي ايرانيي اليوم، بينما لا يري الاسلام فضلا لعربي علي اعجمي ولا لاعجمي علي عربي الا بالتقوي، ان التقارب الي الله بالطاعة والتباعد عنه بالمعصية ـ ان اكرمكم عند الله اتقاكم ـ وللتخلي عن مباديء الاسلام ساد علاقة العرب بالفرس منذ نشأتها والي اليوم توجس متبادل وما حصل لابي سلمي الخلال، وابي مسلم الخراساني، فالبرامكة ثم آل سهل، الا حلقات من سلسلة تمتد الي اليوم. وقد ساهم الفرس بالدور الاكبر في قيام دولة العباسيين، وظلت علاقاتهم بالعرب بين مد وجزر الي ظهور ايران الحديثة، ثم الجمهورية الاسلامية الايرانية مع بقاء الموروث الحضاري علي حاله. وقد لعب الفرس الدور الاكبر والاهم ايضا في الحضارة العربية ـ خاصة في العهد العباسي ـ لنجد اسماء العلماء الاعلام الراجعين في اصولهم للمنطقة الفارسية اشمل من ايران الحالية.3 ـ دينيا اعتنق الفرس الاسلام وساهموا بنصيب متميز في كل ما يتعلق بعلوم الدين. وقد كانت ميول الفرس ومنذ عهد مبكر شيعية حتي ظهور دولة ايران الحديثة وتبنيها للمذهب الشيعي رسميا كمذهب للدولة منذ القرن 16 وعلي ايدي اسماعيل الصفوي مؤسس الدولة الصفوية. كان ذلك بعد ظهور الدولة الشيعية في العالم العربي بقرون، فقد ظهرت دولة الادارسة في المغرب الاقصي سنة 788 كأول دولة شيعية تظهر في الوجود والدولة العبيدية بافريقيا ـ تونس ـ التي ضمت اجزاء واسعة من الجزائر وليبيا اليوم سنة 909 ثم انتقالها الي مصر تحت اسم الدولة الفاطمية سنة 969 اي ان شمال افريقيا من مصر شرقا الي المغرب الاقصي غربا كان يسوده المذهب الشيعي ولقرون قبل ان تتخذه ايران مذهبها الرسمي. وتاريخيا ينتشر المذهب الشيعي مع التوسع السياسي للدولة الشيعية القوية مما يعني ان المذهب الشيعي سينتشر مرة اخري بانتشار القوة الايرانية الصاعدة، وقد اثار انتصار حزب الله الشيعي في لبنان اعجاب السنة اكثر من الشيعة كرد فعل علي الخنوع والاستسلام.
والمذهب الشيعي لا يختلف كثيرا عن المذاهب السنية في اهم اركان الدين لكن التعصب البغيض من هذا الطرف او ذاك (والذي هو ليس من الاسلام في شيء) هو الذي ساء ويسيء الي العلاقات العربية ـ الايرانية كتحقير وسب اعداد من الصحابة ونعتهم بأقبح الصفات، رغم تمجيد القرآن والسنة لهم وفي اكثر من مناسبة. وهل يعقل ان تقوم علاقة سوية بين شخصين يحقر احدهما ما يقدسه الاخر؟ فتكريم ملكة بريطانيا لسلمان رشدي اساء لمشاعر المسلمين شيعة وسنة ونفس الاثر يحدث لدي السنة من اساءة بعض الشيعة الي الصحابة.. لكن مع وجود الاخطاء ـ وهي من لوازم البشر، هل يصح ان يعتبر بعض العرب ايران عدوا وان ينحاز الي الولايات المتحدة ضد ايران.. والقرآن يقول يا ايها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين اولياء من دون المؤمنين واعتبر ان موالاة غير المسلم واتخاذه عونا ونصيرا لما يتوهم فيه من قوة وترك ولاية المسلمين نفاقا، وعيد اصحابه الدرك الاسفل من النار.. ان الدول الغربية وعلي رأسها الولايات المتحدة تعادي الاسلام وتقدم المسلمين لذلك وقفت ضد الثورة الايرانية الاسلامية من اول يوم وهي اليوم اشد عداء لها لانها تحاول ان تتقدم وذلك يعارض استراتيجية الغرب الذي صمم علي رعايتها وهي بقاء المسلمين متخلفين، وتحين الفرصة للقضاء علي الاسلام. ان ما نسمعه احيانا من تحذير البعض لايران وتخويفها من ضربة امريكية يدعو للغرابة بل والتقزز لان من اسلم مقاليد امره الي اعداء العرب والمسلمين لم يكتف بجبنه وتثاقله الي الارض يخيف غيره. اذ لا يكاد يصدق ان يأمن العرب اسرائيل ويخشون ايران التي من حقها ان تسعي للتقدم وامتلاك وسائل القوة، هو حق تكفله كل الشرائع، لكن تحرمه الدول الغربية علي المسلمين وايران ترفض ذلك بينما استكان له الحكام العرب. لو اعتدت الولايات المتحدة علي ايران ـ لا قدر الله ـ فان وقوف اي من العرب الي جانبها هو ضد ما يمليه الاسلام والجوار والتاريخ المشترك. ولا تنسي انه ليس لحكام الغرب وعلي رأسه الولايات المتحدة الامريكية صديق وفيما ذكرناه من امثلة اكثر من كاف.
الولايات المتحدة التي تبعد عن الوطن العربي والعالم الاسلامي الاف الكيلومترات بينما كانت ايران ولا تزال وستظل تحتل قلب هذا العالم فأي مساعدة لمن يعتدي علي بلد مسلم تعد ردة لدعوة الاسلام الصريحة لشد ازر المسلم لاخيه المسلم وعدم الغدر به، والنصوص الثابتة والصريحة في ذلك اكثر من ان تعد. ومعاهدات عدم اعتداء، وتعاون بين العرب وايران، واحترام الآخر، ومقدساته، كفيلة بازالة سوء الظن لو يتخلص العرب من الخنوع والخوف وتتخلص بعض الاطراف الايرانية من التعصب.
ان اعتبار الولايات المتحدة الامريكية لعدد من الانظمة العربية بأنها حليفة موثوق بهم في مقاومة الارهاب والتطرف، هي شراكة غير مقدسة لمحاربة الاسلام. وقاقسم شركاتها الاعظم ملء البطون، والجيوب، واحتكار السلطة، وسوف لن تصمد امام من يعمل بقوله تعالي ان الله اشتري من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة.
ومن الانصاف ان ننوه ان في الغرب ملايين من المواطنين العاديين الذين يرفضون ما تقوم به حكوماتهم من اعتداءات سافرة علي العرب والمسلمين، واقطارهم، ففي بريطانيا علي سبيل المثال النائب ذائع الصيت غالوي ورئيس بلدية لندن السيد لفنغستون ورئيس كنيسة كانتربري واعداد لا تحصي غيرهم في كل اقطار الغرب يرفضون وبعناد واصرار ما تقوم به حكوماتهم ودولهم ازاء العالم العربي والاسلامي.