رشاد أبو شاور
في أنطاكية ولد عام 1924، تعلّم في مدارسها الابتدائية والإعدادية، ثمّ ارتحل إلي حلب فدمشق لمواصلة دراسته الثانوية والجامعية.
إنه صدقي إسماعيل، القّاص، والروائي، والمفكّر، الذي ترك رواية واحدة لا تنسي (العصاة)، وهي رواية أجيال تدور في ذلك اللواء العربي السليب (إسكندرون)، الذي أنجب عددا من أبرز مفكري ومبدعي سوريّة: زكي الأرسوزي، حنا مينة، سليمان العيسي (الصديق الحميم لصدقي إسماعيل) وغيرهم… نشر قصصه القصيرة علي صفحات الآداب، فلفتت الانتباه، وبلغ بي الإعجاب بقصّته (العطب) ـ وهي قصّة طويلة نسبيّاً ـ أن أقترب منه في مدخل مقهي الهافانا، وأسلّم عليه، وأبدي إعجابي بتلك القصّة، فيتأثّر ويخبرني بأن عنده عدّة قصص لم ينشرها بعد… صدرت قصصه القصيرة في عمل واحد بعنوان (الله والفقر)، وقد قدّمت تلك القصص في تمثيليّات تلفزيّة جميلة، كان بطلاها: الرائعة مني واصف، والفنّان الكبير هاني الروماني، أيّام كان التلفزيون أبيض وأسود.
رواية واحدة كبيرة، مجموعة قصصية واحدة، وكتاب فكري بعنوان (العرب وتجربة المأساة) صدر عن دار الطليعة عام 63، يعاد إصداره في طبعة ثانية بعد أربعة عقود، وسؤال المأساة معلّق فوق رؤوسنا، ولا جواب علي السؤال سعيّاً لإيجاد مخرج من عصور الانحطاط العربيّة الممتدّة.
ما اللعنة، ما بذرة الخراب التي تفشّت في أمتنا وزرعت فيروس التفتت والتحلل في الجسد والروح، وتسببت للعرب عبر قرون بهذه المأساة؟ السؤال الحارق للروح شغل تفكير المفكّر والأديب صدقي إسماعيل، ودفعه للبحث عن جواب في كتابه (العرب وتجربة المأساة)، والذي صدر في طبعته الأولي عام 63. يستهّل صدقي إسماعيل كتابه بهذا القول: لو أتيح لمؤرّخ تقليدي، يقصد كلاسيكي، تعنيه مصائر الشعوب أن يتأمّل الحياة المترديّة التي وجد فيها العرب أنفسهم منذ بداية هذا القرن ـ يشير إلي القرن العشرين ـ لخطر له علي الفور أن خطيئة كبري قد اقترفت في ماضي هذا الشعب، كان من نتائجها هذا الواقع الحزين، ولا سيّما أنّ هذا الواقع يمتّد إلي عدّة قرون من البؤس والفوضي والانحطاط، لا يعبّر عنها انهيار الدولة وتجزئة الوطن واضطراب المجتمع فحسب، بل إنها تنطوي أيضاً علي أقسي صورة لتردّي العقول وفساد الضمائر… يري صدقي إسماعيل أن الحكم بالانهيار علي هذه الحقب المظلمة ليس ثمرة للوعي الحديث، فكثير من الأذهان تمثّلته في وعي ووضوح قبل مراحل السقوط، فمنذ القرن الرابع للهجرة بدأت صيحات التذمّر والشكوي تتحوّل إلي إدانة، واستقّر في العقل الجماعي أن الإنسان ينحدر إلي الهاوية، وأن العالم قد أصبح في نهاية الزمان!
، (قبل اكتشاف فوكوياما وأطروحاته بمئات السنين). ألف سنة، عشرة قرون ومفكّرو الأمّة يحذّرون من النهاية المفزعة المحزنة التي تهوي فيها الأمّة، فاقدة توازنها، ودورها، ووعيها، وكأنها في نهاية الزمان.
ولأن الشعر، وصوت الشاعر العربي ـ وهو ليس صوت الشاعر المدّاح، أو الهجّاء، أو الوصّاف، أو الهائم ـ الرائي حاضر فإن الشاعر ذهب عميقاً ولم يبق عند السطح، فعاب أهل الزمان وليس الزمان، فالزمان بأصحابه ـ نعيب زماننا والعيب فينا ـ بما يعدّون، ينتجون، يبدعون، يملكون من عناصر قوّة يوجدونها بعزيمتهم وإرادتهم، والقوّة تتجلّي في الثقافة، وسيادة العدل بين الناس، والقدرة علي صدّ العدوان… يركّز صدقي إسماعيل علي أنّ شرط الخروج من حالة الانحطاط والتحلل هو (وعي المأساة)، فعندما تعي فإنك تبدأ رحلة الخروج، النهوض، استعادة الروح والعزيمة، فعلاج المرض يبدأ من تشخيصه ومن ثمّ تحديد الدواء الشافي.
ألف سنة والأمة تهوي فاقدة التوازن.
ومع ذلك فهي حيّة لم تمت، عبث بها العثمانيون، والفرس، والزّط، والإنكليز، والفرنسيون، والحركة الصهيونيّة، والحكّام المارقون ألأفّاقون، وزوّرت وشوّهت حقب في مسيرتها، واحتلّت، وفكّكت، ومزّقت، ومع ذلك… سيقال: ومع ذلك فهي لم تنهض متوّثبةً، وهذا صحيح. القرن الحادي والعشرون يأتي وهي تهوي في غياهب الظلام والتفسّخ، وهذا لعمري صحيح أيضاً!. لعلّ هناك من يري بأنها تهوي بسرعة أكثر، فالعراق علي المشرحة، وثمّة من ينحرف بخطاب المقاومة إلي خطاب طائفي، وكأن العدو هو العربي السنّي والعربي الشيعي، وكأننا علي وشك حرب إبادة طائفيّة ستنقذ الأميركان وتحرق العراق، منذرة بالامتداد إلي الأقرباء الغافلين في (الجوار) !. السودان تحت رحمة كونسلتو مختّص في إجراء عمليات التجزئة والتقسيم، وفلسطين مهددة كقضيّة بالدفن، و.. سورية في مهّب العاصفة، ولبنان لم يتعاف من مصيبة الحرب الأهليّة بعد، وهناك من يخرج السلاح من المخابئ لاستئناف الاحتراب، واستكمال الدمار. ولأن الرهان علي حتميّة التغيير يشبه أن يكون أيماناً قدرياً وغيبياً، إيمان عجائز يعني ـ الله لا يغيّر ما بقوم حتي يغيّروا ما بأنفسهم ـ فإنه في مواجهة هذه الظلمة الممتدة الثقيلة تشتّد الحاجة للمثقفين الثوريين، وللفكر النقدي النابع من واقعنا، ومن حاجتنا لاستقراء أسباب استمرار عصور الظلام العربيّة، والتي لن تنقشع إلاّ بعمليّات جذريةً.
العروبة ليست انتماء عصبيّاً، إنها شرط لحياة كريمة، ونهوض حضاري، توحيد لطاقات هذه الملايين التي (تعيش) بين المحيط والخليج، استخراج لكّل عناصر القوّة الكامنة فينا بشراً، وأرضاً واحدةً، وتاريخاً مشتركاً، ومستقبلاً نصنعه بأيدينا… ليست العروبة ورقة تلصق علي وعاء استهلاكي، ثمّ تنزع وتستبدل بغيرها، وليس غير أهلها من يعيدها حقيقة تملأ العيون بعظمتها، والنفوس رهبة وتقديراً لقوّة حضورها، بحيث تأخذ دورها بعد طول غياب. أليس درس الصين التي تحررت في العام 49 ماثلاً أمامنا؟ الصين التي تغزو أسواق الغرب صناعةً و.. ثقافةً.. (قارنوا بين السينما الصينيّة وسينما الحقبة العربيّة المريضة!). من جديد أقرأ (العرب وتجربة المأساة) للراحـــل صدقي إسماعيل، في طبعته الصادرة في دمشــــق عام 2003، وحالنا قد يزداد سوءاً! صدقي إسماعـــيل لم يكن يائساً، فهو يراهن علي الإنسان العربي: .. الإنسان الذي يعــيش السقوط، ولكنه يمثّل الجدارة الحقيقيّة في الواقع التاريخي، لأنه يصمّم علي الخلاص، وفي هذه النظرة تدان جميع الشروط الأخري، وتلقي عليها مسؤوليّة الإنهيار الحزين… الإنسان العربي ضحيّة، وليس كائناً فاسد الجوهر، هذا ما يلّح عليه صدقي إسماعيل الذي رحل عام 72، قبل أن يعيش مزيداً من فصول تجربة المأساة العربيّة!