الياس خوري
التقرير الذي اصدرته لجنة التحقيق الاسرائيلية حول حرب لبنان لم يضع النقاط علي الحروف. اكتفي بتظهير ما كان واضحا بالنسبة للرأي العام الاسرائيلي. وضع الاصبع علي عدم كفاءة القيادتين السياسية والعسكرية. اشار الي حمق اولمرت الذي وضع اهدافا غير قابلة للتحقيق، وتوقف عند جهل عامير بيرتس وغرور حالوتس… لقد تورطت اسرائيل في حرب لم يجر الاعداد لها، والافتراض الذي انطلقت منه اللجنة يقول ان اسرائيل يجب ان تنتصر في كل الحروب، واذا هزمت او فشلت فهذا يجب ان يعود الي تقصير فردي من قبل المسؤولين! لم يتطرق التقرير الي انسداد افق الاحتلال، والي واقع ان فشل حرب تموز يشكل بداية حصاد تاريخي الي سياسة رعناء تريد فرض ارادتها علي ضحاياها من الفلسطينيين والعرب بالقوة العسكرية.
احتمال ان تتعلم اسرائيل شيئا من ولوغها في دماء ضحاياها ليس واردا اليوم. انه في حاجة الي شروط اخري، وهذه مسؤولية العالم العربي.
نستطيع ان نعرف الكثير من هذا التقرير، خصوصا وانه يرصد سيكولوجية جديدة في المجتمع الاسرائيلي، تعكس تحولات اجتماعية عميقة انهت الطبيعة التضامنية للدولة، وفتحتها امام رياح العولمة والرأسمالية النيوليبرالية، بحيث بدأت اسطورة الجيش الشعبي تتحلل، واصبح الجيش الاسرائيلي كغيره من الجيوش الكبيرة، عاجزا عن حسم الصراع.
ما تناساه التقرير هو ان احتلال الضفة وغزة والجولان، ادخل الدولة العبرية في دوامة اضافية لن تستطيع الخروج منها سالمة، بل ان هذا الاحتلال فتح كل الجروح دفعة واحدة، واعاد المسألة الي النقطة الصفر. ارييل شارون الذي اعلن عشية تسلمه رئاسة الحكومة الاسرائيلية ان اسرائيل تريد من خلال سحق الانتفاضة الثانية استكمال حرب الاستقلال، كان يعلن العودة الي زمن النكبة، والي ذاكرتها التي لم تندمل. وانتهي الامر بخليفته اولمرت، بعد تنفيذ الانسحاب الآحادي من غزة، الي الاستمرار في سياسة وضع الفلسطينيين في اقفاص، والي تحويل مدن الضفة الي سجون مسورة بالأبواب المقفلة، والي التورط في الحرب علي لبنان.
غير ان ما يعنيني من التقرير هو انه محاولة من المؤسسة الحاكمة في اسرائيل للبحث عن الأخطاء بهدف تلافيها، وهذا ما اشار اليه السيد حسن نصرالله في تعليقه علي التقرير. فالمؤسسة السياسية العسكرية الاسرائيلية تحترم نفسها، وتحاول سد الثغرات، صحيح انها لا تستطيع بحكم تكوينها ان تشير الي المكامن العميقة للخلل، لكنها تحاول المحافظة علي تماسكها من خلال المحاسبة. اما النظام العربي بكل فروعه، فانه خارج معادلة الحساب والمحاسبة، وهذا ما يثير الأسي ويضعنا امام حافة اليأس.
تعالوا نتذكر تقريرا اسرائيليا آخر، انه تقرير لجنة كاهانا الذي صدر بعد مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982 . نستطيع ان نقول ان هدف ذلك التقرير كان تبرئة اسرائيل من الدم الفلسطيني، وهذا صحيح. لكنه، ومن اجل ان ينجح في القيام بذلك، اضطر الي تحميل وزير الدفاع الاسرائيلي ارييل شارون ومجموعة من كبار الضباط الاسرائيليين، مسؤولية غير مباشرة عن المذبحة، وافتي بضرورة عزل شارون عن منصبه.
قصور تقرير كاهانا، لا يمكن مقارنته بتفاهة تقرير جرمانوس، الذي اصدره المدعي العام العسكري اللبناني حول المذبحة. اذ يبدو التقرير اللبناني وكأنه لا علاقة له بأي تقليد قضائي او اخلاقي، بل هو مجرد تحقيق بلا تحقيق، واخضاع للقضاء للسلطة السياسية اللبنانية التي تأسست بالدبابات الاسرائيلية انذاك.
المقارنة بين تقريري مذبحة صبرا وشاتيلا يقود الي كشف واقع الخواء الاخلاقي في العالم العربي. نعرف ان الآلة العسكرية الاسرائيلية تستخدم القضاء من اجل ستر عيوبها، لكن هذا ليس مبررا للتخلي عن القضاء وعن محاولة كشف الحقيقة في بلادنا. وهذا ما لم يفعله اللبنانيون والسوريون والفلسطينيون بعد غزو لبنان عام 1982، وما لم يفعله اللبنانيون بعد حرب تموز (يوليو). لا يكفي ان يعلن العدو انه هزم في الحرب، بل يجب ان يقول اللبنانيون ما هي الدروس التي تم استخلاصها من الحرب نفسها.
مع الأسف الشديد تحولت الحرب الي اطار للانقسام الأهلي والطائفي، ولم تستطع ان تخلق دينامية وحدة وطنية يحتاجها لبنان من اجل بناء الدولة. وما بدا انه اتفاق وطني علي النقاط السبع يتشظّي اليوم، ويتخذ شكل مهاترات سياسية، ولغة اتهامية محزنة.
يحق للبنانيين ان يقوموا بجردة حساب للحرب الاسرائيلية المدمرة علي بلدهم، والتوقف عند ثلاث مسائل:
المسألة الأولي، هي دور القوات الخاصة، التي بنتها المقاومة الاسلامية واثبتت فاعليتها في صد العدوان، في استراتيجية دفاعية وطنية موحدة.
المسألة الثانية، دراسة اسباب الحرب، بعدما اشار تقرير فينوغراد الي انها لم تكن حربا خطط لها مسبقا من قبل الاسرائيليين. هل كانت المقاومة تستدرج اسرائيل الي الحرب ام لا؟ وفي الحالين كيف نستثمر الصمود بدل تبديده، وكيف نعيد اعمار ما تهدم؟
المسألة الثالثة، هي آفاق الحرب المقبلة، فاذا كانت اسرائيل ستندفع الي الثأر من هزيمتها في لبنان، كيف سيكون الرد اللبناني. هل يجوز مثلا ان يبقي الجنوب بلا ملاجئ ويتعرض فيه المدنيون الي المذابح؟ ومن هو المسؤول عن حماية المدنيين؟ وماذا سيكون دور الجيش اللبناني الذي اثبت ان انتشاره علي الحدود ليس بهدف حماية اسرائيل مثلما اشيع طويلا زمن الهيمنة السورية؟
اسئلة تحتاج الي نصاب وطني سياسي واخلاقي من اجل بلورة جواب عنها. وهذا ليس متوفرا لا في لبنان ولا في غيره من الدول الشقيقة، مما قد يعني اننا لا نزال عاجزين عن التعلم من دروس التاريخ.