د. يوسف نور عوض
في اعقاب الهجوم الإرهابي علي نيويورك كان العالم كله يتساءل عن القدرة الأمريكية الحقيقية علي حماية أراضيها، فالمسألة لم تكن فقط منحصرة في مجموعة من الاشرار دبروا عملا عدائيا ضد الولايات المتحدة بحسب ما تقوله الإدارة الأمريكية بل تجاوز ذلك إلي فشل المخابرات ووسائل الدفاع عن حماية الاراضي الامريكية، وتساءل الكثيرون عن الدمار الذي كان يمكن أن تتعرض له الولايات المتحدة لو أن الهجوم تم باسلحة أكثر فتكا. ولكن الإدارة الأمريكية صرفت النظر عن كل ذلك وأوجدت لنفسها عدوا سياسيا قدمته في صورة الشرير من أجل إمتصاص الغضب الامريكي وخدمة المصالح الإسرائيلية، ولكن حتي في هذا المجال اثبتت الإدارة الأمريكية فقرا في فهم ثقافات الشعوب ومعرفة قدراتها وخصائصها الإجتماعية وقد تجلي ذلك علي نحو خاص عندما قررت الحكومة إسقاط نظام صدام حسين من أجل إقامة نظام ديمقراطي وقد إتخذت لذلك ذريعة أن صدام حسين كان يخطط لإنتاج قنبلة نووية، وهو تصور سخيف لان صدام حسين لم يكن له حتي جيش يدافع به عن بلاده في وجه العدوان الخارجي، وقد وجدت الولايات المتحدة سندا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية التي أمسكت بالعصا من المنتصف ولم تتخذ موقفا حاسما يحدد قدرات صدام حسين الحقيقية، وبالتالي مهدت لغزو العراق وتدمير بنيته الاساسية وإدخاله في حرب أزهقت أرواح مئات الآلاف من الابرياء وجعلت العراق بلدا غير صالح للعيش في نظر كثير من ابنائه.. وكان قصور الفكر الامريكي مركزا في جانب واحد هو عدم فهمه لطبيعة التكوين المذهبي والطائفي في العراق وما يمكن أن يؤدي إليه إنفلات الحالة الامنية في هذا البلد، ولكن الصهاينة لم يكونوا مشغولين بهذا الامر لانهم بنوا وجودهم كله في منطقة الشرق الاوسط علي القوة وبالتالي تصوروا أن تدمير أي قوة عربية سيصب في نهاية الامر في مصلحتهم المباشرة. وذلك تصور احمق اثبتت الأيام خطأه الفادح واليوم بعد وقوع الكارثة في العراق وأفغانستان فإن الكثيرين من الذين لعبوا دورا اساسيا في وقوعها يحاولون الهروب إلي الأمام وإضفاء شيء من النزاهة والإنسانية في مواقفهم، ويبدو ذلك واضحا في موقف الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان الذي ظل في جميع مراحل الإعتداء علي شعبه متعاونا مع الإدارة الأمريكية ولم يقل كلمة واحدة في نقدها، ولكن عندما تبقت اسابيع قليلة في منصبه صحا ضميره وبدأ يوجه نقدا للتوجهات الامريكية في العراق وقال إن ما فعلته الولايات المتحدة الحق اضرارا كبيرة بالمؤسسة الدولية وقد بدأت الآن تتعافي من آثار تلك الأضرار، وبالطبع فإن ما قاله كوفي عنان ليست له قيمة سياسية وإنما هو يريد أن يبيض وجهه أمام المجتمع الدولي ليخرج نظيفا من المؤسسة التي واجهت في عهده أسوأ ظروفها كما تدل علي ذلك مذابح رواندا وحربا العراق وأفغانستان والإعتداءات المتكررة علي الشعب الفلسطيني والمحاولات المستميتة لإلحاق الضرر بالحكومة السودانية خدمة للمصالح الإسرائيلية.
ولم يكن كوفي عنان وحده الذي حاول أن يخرج نظيفا من مسرح المأساة بل أيضا وزير الدفاع دونالد رامسفيلد الذي تلطخت يداه بمقتل مئات الآلاف من العراقيين ولكنه يقول الآن إنه قدم قبل يومين من مغادرته مذكرة للرئيس الأمريكي لتصحيح الوضع في العراق ويحتفي البيت الأبيض بذلك وكأن دونالد رامسفيلد هو رجل الإنسانية الذي ينتظره العالم من أجل وقف مذابح العراق مع أن بوب وود ورد نشر في كتابه الشهير مذكرات بعث بها رامسفيلد إلي جنرالاته يحذرهم فيها من التدخل في قراراته ويطالبهم بتنفيذ جميع الأوامر التي تصدر إليهم منه، وأخيرا جاء دور مندوب الولايات المتحدة في المؤسسة الدولية جون بولتن وهو الذي لم يبتسم مطلقا إلا يوم مغادرته الأمم المتحدة وكانت كل مواقفه تتعارض مع المواقف الإنسانية السليمة وخاصة في تأييده المطلق لإسرائيل خاصة عندما تقوم بإعتداءاتها علي الشعب الفلسطيني وايضا الإندفاع وراء السياسات الأمريكية الخاطئة في العراق ودارفور وغيرها من بقاع العالم ثم يأتي الأمين للأمم المتحدة كوفي عنان ليعتذر له ويقول إن بولتن كان فقط ينفذ سياسات بلاده وأنه جاء إلي الأمم المتحدة في ظروف صعبة تواجه فيها المؤسسة عملية الإصلاح وملفي إيران وكوريا الشمالية، وفي ذلك تبرئة لجون بولتن الذي يختلف الامريكيون حوله ويعتقدون أنه مصدر المتاعب كلها، ولذلك لم يقر الكونغرس تعيينه في الامم المتحدة وقام الرئيس جورج بوش بتعيينه بقرار مؤقت ولكنه أدرك أخيرا ان الكونغرس الجديد لن يوافق علي التعيين الدائم في شهر كانون الثاني (يناير) المقبل فطلب منه الإستقالة ليبدو وكأنه خرج من المنصب بإرادته.
وكعهد الإدارة الأمريكية فهي لا تريد أن تعترف بالفشل او تظهر أنها تعيش في عالم متغير، فقد دعا الرئيس جورج بوش رئيس المجلس الأعلي للثورة الإسلامية في العراق وطلب منه ان يتعاون مع حكومة المالكي من أجل مقاومة معارضيه وأيضا مقتدي الصدر، وتلك سذاجة أمريكية جديدة لأنه من هو الذي يري الولايات المتحدة في مأزق كمأزق العراق ثم يتقدم متطوعا لكي ينقذها من هذا المستنقع؟ وقد ظهر ذلك واضحا في موقف عبد العزيز الحكيم الذي قال للرئيس بوش إنه يرفض الحل الإقليمي والدولي لمسألة العراق، وإن حل مشاكل العراقيين يجب أن تحل بايد عراقية وهذا إسقاط لكل المقولات التي بنت الولايات المتحدة تدخلها في العراق عليها، خاصة أن الولايات المتحدة بسذاجة بالغة تريد من بعض المنحازين لإيران وسورية ان يقفوا في صفها ضد هذين البلدين وهو أمر مستحيل، خاصة بعد أن تأكد أن الجيوش الكبري لايمكنها أن تواجه المليشيات وقد تأكد ذلك من فشل الامريكيين في العراق كما إعترف بذلك وزير الدفاع الأمريكي الجديد غيتس وكما أثبتت ذلك الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحزب الله.
ولعل أبلغ درس هو الذي قدمه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير الذي اعلن بعد مساندته الكبيرة للولايات المتحدة في مغامراتها أنه يستهدف تطوير الدفاعات النووية البريطانية لمواجهة عهد جديد امتلكت فيه قوي معادية للعالم الغربي اسلحة نووية ويعني ذلك بإختصار شديد أن العالم لم يصبح أكثر امنا بعد الحرب علي الإرهاب، وهو الهدف الذي ظل الرئيس بوش يردده من وقت لآخر كإستراتيجية اساسية في مغامراته في العراق وأفغانستان.
وإذا أردنا أن نطلق تعبيرا مختصرا علي كل ما يجري في العالم الغربي الآن فنستطيع أن نقول إنه يعيش في حالة فوضي عارمة بسبب الخطأ في السياسات وفهم العالم بعقل قديم لا يعطي مساحة للتطورات الحادثة فيه.
ولكن علي الرغم من كل هذا التحول فإن الحكومات العربية مازالت تعيش في ذلك الزمن القديم ويبدو ذلك من خلال تبني الجامعة العربية وبعض الدول العربية استراتيجيات تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية وهي استراتيجية مجانية لا تعود عليها بالنفع ويبدو ذلك من خلال دعوتها لعقد مؤتمر إقليمي لا من أجل حل المشكلة العراقية بل من أجل مواجهة الخطر الإيراني، فهل هناك عاقل يعتقد أن إيران تمتلك قنبلة نووية من أجل أن تضرب بها الدول العربية وهل يحتاج ضرب الدول العربية إلي قنابل نووية، لماذا لا يفكر هؤلاء في حالة الهلع التي اصابت اسرائيل من التوجه الإيراني، ولماذا لا يفكرون في التراجع في القدرات الأمريكية وعدم فاعلية سياساتها في الشرق الأوسط؟ ولا نحتاج إلي بذل كثير من الجهد للإجابة علي مثل هذه التساؤلات لأننا نعلم أن الحكومات العربية اصبحت تدير بلادها بالوكالة لا لخدمة مصالح أبنائها بل لخدمة المصالح الأمريكية دون مقابل، فهي لا تخفض الإنتاج النفطي لترفع الاسعار وتكون هي المستفيدة بل تزيد الإنتاج لكي ينخفض السعر وتكون هي المتضررة باستنفاد مصدر حياتها وبيعه باسعار زهيدة. ولا يوجد الآن بصيص أمل لتغيير هذا الواقع لأنه لا توجد نظم دولة في العالم العربي الذي هو محكوم بنظم عشائرية ونخبوية، ويظهر ذلك بشكل خاص في مصر التي تصيب العرب بالإحباط عندما يرون أن شعبها بكل ضخامته ومكانته لا يستطيع أن ينظم مظاهرة عامة ويبدو المتظاهرون في داخل مبني الأزهر وكأنهم طيور في داخل اقفاصها، مع أننا نري المظاهرات العامة تؤتي نتائجها في كل أنحاء العالم.
ومؤدي قولنا أن العالم العربي يعيش مرحلة خطيرة في حياته، وهي مرحلة تتطلب منه أن يحدد موقفا حاسما من الولايات المتحدة واسرائيل وبدون هذا التحديد ستكون هناك خسارة مجانية متصلة وضياع للوقت لأن مستقبل الحكام العرب ليس مع الولايات المتحدة أوإسرائيل وإنما هي مع شعوبهم ومن يري غير ذلك فهو مخطئ، والغريب ان اسرائيل والولايات المتحدة أدركتا ضعف قدراتهما وبدأتا في مراجعة حساباتهما ولكن الحكام العرب باستثناء السودان في موقفه الحاسم من دارفور لا يقومون بأي مجهود من أجل تحرير إرادتهم من العدوان الأمريكي ـ الإسرائيلي.