شاع استخدام مصطلح «النمو الأخضر» في الفكر الاقتصادي العالمي في السنوات الأخيرة، على الرغم من ظهوره منذ عدة عقود من الزمان. السبب في ذلك يرجع إلى أن المخاطر التي تهدد العالم بسبب تغير المناخ أصبحت حقيقة واقعة وليست مجرد توقعات أو افتراضات علمية. لكن ظاهرة شيوع مصطلح «النمو الأخضر» حملت معها خلافات حول مفهومه ومعاييره وسياسات وأدوات تحقيقه وكيفية توزيع تكاليف تمويله. هذا الخلاف كاد أن ينسف المؤتمر العالمي لشركاء البيئة في غلاسكو، لولا التوصل إلى صياغات لفظية مخففة أو فضفاضة، معظمها يفرغ الاتفاق النهائي من مضمونه، ويجهض القدرة على تحقيق هدف إبقاء درجة حرارة الأرض بنهاية القرن الحالي في حدود 1.5 في المئة فوق متوسط درجة الحرارة قبل الثورة الصناعية. تقديرات العلماء حاليا تشير إلى أن درجة حرارة الأرض تجاوزت فعلا الرقم المستهدف، وأن هذا هو سبب ما نراه من التقلبات المناخية العنيفة التي تؤدي إلى جفاف وحرائق وفيصانات، وذوبان طبقات الكساء الجليدي القطبي وارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات.
إدارة الحوار العالمي للمناخ
وتتحمل الدول العربية حاليا مسؤولية كبيرة في إدارة الحوار العالمي بشأن تغير المناخ وضرورة الحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون التي اتفقت دول العالم على العمل لتخفيضها للصفر بحلول منتصف القرن الحالي. هذه المسؤولية التي تتحملها مصر فعلا منذ انتهاء مؤتمر غلاسكو، لأنها ستتولى تنظيم النسخة الجديدة من مؤتمر شركاء البيئة في العالم COP27. كما تتحملها الدول العربية المنتجة للنفط، وبعضها متهم بالضلوع في إعاقة التوصل إلى اتفاق أفضل من الذي تحقق في COP26 هذا الشهر. ومن المفترض أن تكون شعلة المؤتمر المقبل الذي سيعقد في شرم الشيخ قد بدأت التحرك من غلاسكو، لأن مصر ستكون المسؤولة مع الأمم المتحدة وبالتنسيق مع القوى الرئيسية في العالم عن إنجاح المؤتمر. وبعد مصر فإن الشعلة ستنتقل إلى الإمارات التي ستستضيف المؤتمر التالي COP28. نجاح كل من المؤتمرين يتوقف على مدى التعاون بين الدولة المنظمة والدول المشاركة التي يبلغ عددها 197 دولة، وكذلك مع الأمم المتحدة ومع منظمات المجتمع المدني العالمية التي تعمل في مجال حماية البيئة مثل «غرين بيس». وتعتبر الولايات المتحدة والهند والصين وروسيا والبرازيل وإندونيسيا من أهم الدول التي يجب التنسيق معها أيضا باعتبارها أهم الأطراف المسؤولة عن تغير المناخ.
ولضمان نجاح التنسيق والتعاون من أجل تحقيق نتائج جيدة، وتقديم صورة أفضل للعرب المتهمين بعدم الحرص على سلامة البيئة، من الضروري حل ثنائية «البيئة – التنمية» حتى لا ينزلق الدور العربي في مؤتمرات البيئة المقبلة إلى أرض قد تشعل حريقا في العلاقة بين التنمية التي تحرص عليها الدول النامية، وبين تخفيض الاعتماد على الوقود الإحفوري (النفط والغاز والفحم) بحلول منتصف القرن الحالي لتحقيق معادلة وقف درجة حرارة الأرض عن الارتفاع. كذلك يتضمن دور العرب في إدارة الحوار العالمي حول البيئة تقديم أمثلة ومبادرات يقتدى بها في أنحاء العالم بشأن مكافحة تغير المناخ، ترتبط ارتباطا قويا بتحقيق أهداف التنمية المستدامة ورفع مستوى المعيشة للسكان. ومن الضروري أيضا أن تقدم القيادة العربية للحوار نماذج عملية لحلول مالية وتكنولوجية وحلول بيئية مباشرة تزيل التصادم بين الحاجة للتنمية وبين ضرورات المحافظة على البيئة.
نماذج الطاقة النظيفة
على الرغم من الاتهامات الموجهة إلى الدول المصدرة للبترول والغاز بشأن مسؤوليتها عن تلويث الهواء، فإن بيانات الأمم المتحدة والوكالات المعنية بالبيئة تبين أن كمية انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في الدول العربية المصدرة للبترول بلغت حوالي 3.84 في المئة من إجمالي انبعاثات الكربون في العالم، وهي نسبة تقل عما تطلقه الهند وحدها الذي يبلغ نصيبها 6.8 في المئة. ويبلغ نصيب الدول العربية كلها 5.4 في المئة، في حين أن نصيب الدول العربية غير المصدرة للنفط يبلغ 1.56 في المئة وهو ما يعادل تقريبا نصيب كندا وحدها.
ومع ذلك فإن الدول العربية أعلنت خططا مبكرة للتحول من الوقود الاحفوري إلى الطاقة المتجددة أو «الخضراء». وذكرت منظمة الدول العربية المصدرة للبترول «أوابك» أن 7 دول عربية على الأقل لديها مشروعات فعلية لإنتاج الهيدروجين واستخدامه في توليد الكهرباء. كذلك فإن السعودية تطور مشروعا لإعادة تدوير الكربون المرافق لصناعات استخراج وتكرير النفط والغاز، وذلك باستخدام تكنولوجيا لفلترة الانبعاثات الناتجة واستخلاص الكربون منها، ثم إعادة استخدامه صناعيا أو تخزينه، وهي تكنولوجيا ضرورية لاستمرار صناعة النفط.
وتشمل الدول العربية المعنية بمشروعات إنتاج الهيدروجين سلطنة عمان والإمارات والسعودية ومصر وموريتانيا والجزائر وغيرها. وتستهدف مصر أن تستخدم الهيدروجين في توليد حوالي 42 في المئة من احتياجاتها من الكهرباء عام 2030. ويحتاج إنتاج الهيدروجين الأخضر، الخالي من ثاني أكسيد الكربون، إلى كميات كبيرة من طاقة الشمس والرياح، وكذلك مسطحات واسعة من المياه، حيث يتم تمرير التيار الكهربائي الناتج من طاقة الشمس أو الرياح لفصل الهيدروجين عن الاوكسيجين. ويستخدم الهيدروجين في هذه الحالة كوقود نقي خال من الانبعاثات الكربونية. وتخطط السعودية لاستخدام الهيدروجين في تنمية مدينة «نيوم» على ساحل البحر الأحمر القريبة من مثلث الحدود بين مصر والأردن وإسرائيل.
أما سلطنة عمان فانها أعلنت قبل أشهر عن اتفاق لإقامة واحد من أضخم مشروعات الهيدروجين الأخضر في العالم بطاقة انتاج تبلغ 1.8 مليون طن سنويا، يتكلف حوالي 30 مليار دولار ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج عام 2028. وسوف تستثمر عمان في هذا المشروع موارد وفيرة تمتلكها أهمها اتساع وطول شواطئها على بحر العرب وخليج عمان، وارتفاع معدل سطوع الشمس والحرارة، وإمكانية إنشاء مزارع كبيرة في البحر لإنتاج طاقة الرياح، وذلك لتوفير الكهرباء المطلوبة لفصل الهيدروجين الموجود في الماء. وقد انضمت موريتانيا أيضا إلى الدول المعنية ووقعت حتى الآن اتفاقيتين بالأحرف الأولى في هذا الشأن، واحدة منهما تهدف إلى توليد 10 غيغا وات من الكهرباء باستخدام الهيدروجين الأخضر.
هذه الحقاىق وغيرها ترد على الاتهامات الموجهة للدول العربية النفطية، وتقدم نماذج تؤكد مصداقية السياسة البيئية العربية.
تنمية المياه وإنتاج الغذاء
إن المشكلات الناتجة عن قسوة ظروف البيئة في العالم العربي تمثل أهم العقبات التي تواجهها التنمية. ومن ثم فإن تحقيق التنمية يتطلب في الواقع الكف عن تخريب البيئة والتعاون من أجل حمايتها، وتليين تلك الطبيعة البيئية القاسية. أولى الخطوات لتحقيق ذلك تتمثل في العمل على وقف تدهور مصادر المياه ومكافحة الجفاف والحد من التصحر، وذلك لإتاحة الفرصة لإنتاج كميات أكبر من الغذاء لأعداد متزايدة من السكان، وهي جميعا تمثل تحديا كبيرا يتطلب التعاون الإقليمي، فمن الصعب على أي دولة بمفردها أن تكسب السباق من أجل البيئة، وذلك نظرا للطبيعة العالمية والإقليمية للمشاكل البيئية، التي قلما يتوقف انتشار آثارها السلبية عند الحدود السياسية لدولة من الدول. على سبيل المثال فإن إقامة سدود في دولة لاحتجاز كميات أكبر من مياه الأمطار يتسبب في جفاف أنهار في بلدان مجاورة، كما هو الحال في الأنهار الممتدة بين إيران والعراق، وبين تركيا والعراق وسوريا، والمشكلة القائمة بين مصر والسودان من ناحية وإثيوبيا من ناحية ثانية بسبب سد النهضة.
ويعتبر نصيب الفرد من المياه والأرض المزروعة أو الصالحة للزراعة في منطقة الشرق الأوسط من أقل المعدلات في العالم. وتقدر منظمة خبراء البيئة للبحر المتوسط أن نصيب الفرد من المياه سينخفض في عام 2050 إلى نصف ما هو عليه الآن إذا استمرت الأمور على حالها بسبب زيادة حدة الجفاف، خصوصا وأن الزيادة في درجة الحرارة هي أعلى من المتوسط العالمي نتيجة لارتفاع معدل التصحر. ففي دول عربية مثل مصر والأردن يرتفع معدل التصحر إلى 90 في المئة من المساحة، وفي دول مثل العراق والكويت تتجاوز درجة الحرارة في فصل الصيف مستوى قدرة الإنسان على التكيف السريع.
مستقبل الاستثمارات النفطية
إن تحقيق أهداف التنمية للبلدان العربية في مجالات شديدة الحساسية مثل الأمن الغذائي، يحتاج إلى سياسة بيئية سليمة تتخذ من «النمو الأخضر» طريقا لها. وكان مؤتمر غلاسكو قد سجل خلافا بين السعودية والأمم المتحدة بخصوص تحديد موعد الوصول إلى حالة «الحياد الكربوني» أي وقف زيادة الانبعاثات تماما في عام 2050. وأصرت السعودية على أنها لن تصل إلى هذا الهدف قبل عام 2060. هذا الخلاف نابع من حقيقة أن حماية البيئة تحتاج إلى استثمارات ضخمة، وهو ما يسلتزم من الناحية العملية استمرار الاستثمارات الجديدة في مشاريع النفط والغاز، وزيادة قيمة الصادرات للوفاء باحتياجات تمويل مشروعات الهيدروجين والطاقة الشمسية وطاقة الرياح.
ويبدو أن هذا المنطق نفسه هو الذي يقدم التفسير العملي لرفض أوبك وروسيا طلب الولايات المتحدة والدول الصناعية زيادة إنتاج البترول لتوفير إمدادات أكبر إلى السوق، وهو الطلب الذي يأتي بينما كان العالم حتى أسبوع مضى ينادي بتقليل الاستثمارات في هذا القطاع. وقد يتصور البعض أنه من مصلحة أوبك زيادة الإنتاج. لكن أوبك الآن ومعها شركات النفط العالمية ترى أن من مصلحتها المحافظة على مستوى مرتفع من الأسعار، وذلك للحصول على عائد أكبر على استثماراتها الحالية والمستقبلية، نظرا لأن تلك الاستثمارات ستفقد قيمتها تدريجيا في العقد المقبل، ومن ثم فإنها يجب أن تسترد قيمة هذه الاستثمارات قبل عام 2050 وهو الموعد الذي تتمسك به أغلبية دول العالم لتحقيق حالة الحياد الكربوني.
إطار لتعاون إقليمي
من المرجح أن إسرائيل ستحاول استخدام قضايا البيئة في المنطقة كجسر لتعميق علاقاتها الإقليمية. ويعتقد رئيس الوزراء الحالي نفتالي بينيت أن أحد مصادر قيادة إسرائيل للمنطقة يتمثل في نجاحها في تقديم حلول علمية عملية للتحديات البيئية القائمة، وأهمها جميعا مشاكل المياه. وتستعد إسرائيل من الآن لتقديم نماذج لحلول تكنولوجية ومالية لمشكلات التصحر وندرة المياه والانبعاثات الكربونية من النفط والغاز، خصوصا وأن لها مصلحة في ذلك كدولة مصدرة للغاز، إضافة إلى توسيع نطاق التعاون في مشروعات الطاقة النظيفة عموما مع جيرانها العرب. ومن المشاريع التي اقتربت من حيز التنفيذ مشروع إقامة محطة ضخمة للطاقة الشمسية في الأردن لتلبية أغراض الاستهلاك المحلي في الأردن وتصدير الفائض إلى إسرائيل. وكانت إسرائيل قد كشفت عن اتصالات بشأن إقامة هذه المحطة في اب/أغسطس الماضي، إضافة إلى مشروع آخر لتحلية المياه بالقرب من ايلات بغرض التصدير إلى الأردن عبر قناة مكشوفة أو خط للأنابيب. ومن المتوقع أن يتم التوقيع على إنشاء المشروعين أو أحدهما غدا الإثنين في الإمارات التي ستتولى مسؤولية التمويل. المشروعان في حقيقة الأمر صممتهما إسرائيل، وأبلغت بهما جون كيري المبعوث الأمريكي الخاص بتغير المناخ، وأشاعت أنه هو الذي اقنع الإمارات والأردن وإسرائيل بالتعاون معا في تنفيذهما. ومن المقرر أن يشارك كيري في حفل التوقيع على الاتفاق بحضور وزيرة الطاقة الإسرائيلية ووزير المياه الأردني ووزير خارجية الإمارات. إسرائيل تريد أن تستثمر صدارة العرب للحوار العالمي حول تغير المناخ لمصلحتها، ولترويج دورها الإقليمي، فهل تنج هي أم ينجح العرب في تقديم صورة أفضل لأنفسهم؟ الأيام ستدلنا على ما سيكون.
جداول
جدول (1) أكبر عشر دول مسؤولة عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم. كمية الانبعاثات بالغيغا طن متري، والنسبة المئوية إلى اجمالي الانبعاثات في العالم لعام 2019. ويظهر الجدول أن عشر دول فقط هي المسؤولة عن ثلثي الانبعاثات الكربونية في العالم.
الدولة الكمية النسبة المئوية
————————————-
الصين 11.5 30.3
أمريكا 5.1 13.4
الهند 2.6 6.8
روسيا 1.8 4.7
اليابان 1.6 3.0
ايران 0.71 1.85
ألمانيا 0.7 1.8
كوريا 0.65 1.7
السعوديه 0.61 1.62
كندا 0.58 1.54
———————————-
المجموع 25.24 66.7
———————————-
محسوب بناء على أرقام الأمم المتحدة الأخيرة
(المصدر worldpopulationreview.com)
…..
جدول (2) أكثر الدول العربية إنتاجا لانبعاثات ثاني أكسيد الكربون (الكمية بالمليون طن متري) ونسبتها المئوية لاجمالي الانبعاثات في العالم عام 2019 ويظهر الجدول أن الانبعاثات بواسطة أكثر 10 دولة عربية تعادل أقل من 5 في المئة من مجموع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم.
الدولة الكمية النسبة
—————‐———————
السعودية 614.6 1.62
مصر 255.4 0.67
الإمارات 222.6 0.59
العراق 197.6 0.52
الجزائر 180.5 0.47
قطر 106.5 0.28
الكويت 100.2 0.26
عمان 92.8 0.24
المغرب 73.9 0.19
ليبيا 52.1 0.14
————————————-
المجموع 1896.2 4.98
————————————-
(الأرقام مأخوذة من المصدر السابق، والنسب المئوية محسوبة على أساس الأرقام الأصلية)