العرب يحتكمون الى الشارع

حجم الخط
0

‘باتت التحركات الشعبية في عدة دول عربية مثل عود الثقاب، إذ ما ان تشتعل احداها حتى تنتقل العدوى مباشرة الى أخرى، الأمر الذي يطرح تساؤلات عدة عن خلفيات تزامن هذه التحركات، وأسباب اندلاعها بهذه القوة، وعن عناوين التغيير التي تحملها، وعن قدرة الأنظمة على مواجهتها، خاصة أنها تبدأ تحت شعارات مطلبية معيشية ومن ثم تتطور الى دعوات لإسقاط حكام، او لاستقالات حكومات. وهذه الأمور جديدة في القاموس السياسي العربي، إذ لم يسبق ان حصلت انتفاضات شعبية كان من نتيجتها ازاحة انظمة، بل ما كنا نسمعه دائمأ كان عن حركات انقلابية تتم غالباً على ايدي عسكريين يتولون الإمساك بزمام السلطة لفترة زمنية تمهيداً لانتخابات ‘حرة’ من اجل حياة اكثر ‘ديمقراطية’، ومن ثم تتحول الفترة الانتقالية الى فترة دائمة تمتلك كل مقومات التمديد لنفسها تحت شعار انها ‘مطلب شعبي’ او ‘استجابة لنداءات وطنية’ او نزولاً عند رغبات ‘99.9 في المائة’ من كافة الشرائح الاجتماعية. ولكن اليوم لم تعد تحركات العسكريين تنفع، وما عادت موضة دارجة إلا في بعض نواحي افريقيا، أما في العالم العربي فقد بات اللجوء الى الشارع من جيل الشباب القوة الفعلية التي تمتلك ادوات التغيير، ولغة التعبير، وتصورا واضحا عن تقرير المصير. والسبب ان جيل الشباب باتت نسبته مرتفعة في تعداد السكان، إضافة الى ان جيل الشباب هو من المتعلمين والمثقفين وخريجي الجامعات، من الذين لا يستكينون بسهولة لنداءات قد يطلقها زعيم او لقرارات قد يتخذها مسؤول ما لم تكن هذه النداءات او القرارات مقنعة وقادرة على الانسياب الى العقل، وذات منفعة من حيث انعكاساتها الاقتصادية والاجتماعية والنفسية. جيل الشباب اليوم بات متابعاً بشكل دقيق لما يحصل في العالم من متغيرات وتحولات، ومراقباً بشكل حثيث لكل التحديات التي تستهدفه آنياً على المدى القصير او استراتيجياً على المدى البعيد، وذلك بفضل ثورة الاتصالات والمواصلات التي اتاحت لكل شعوب العالم تحصيل نفس القدر من المعرفة والطموح ومتطلبات الحياة الكريمة. ويبدو ان هذه المسائل كانت غائبة عن بال بعض الرؤساء العرب، ممن وصل الى السلطة وبقي فكره اسير هذا التاريخ، متناسياً او غافلاً عن ان الزمن في حال تغير دائم وأن العالم قد تجاوز العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. اليست هذه هي حال ‘الثورة الطبية’ التي قام بها زين العابدين بن علي ضد الحبيب بورقيبة منذ 23 سنة، وثورة ‘الكتاب الأخضر’ التي قام بها معمر القذافي منذ العام 1969 في ليبيا، ‘وثورة العسكر’ التي قام بها الرئيس علي عبدالله صالح في اليمن عام 1978، ‘وثورة التحرير’ التي ورثها عبد العزيز بوتفليقة في الجزائر عام 1999، ووراثة السلطة من الرئيس انور السادات التي آلت الى الرئيس حسني مبارك منذ العام 1981. والنتيجة كانت شيوع البطالة، واستشراء الفساد، وغلاء المعيشة، ومحدودية الرواتب، وارتفاع المديونية، وقلة الإنجازات، وضعف النمو، وكثرة المتسلقين جدران السلطة التي لم تبخل عليهم بالمراكز والعطاءات والمناصب والتسهيلات، ولذا ليس مستغرباً ان نشهد اليوم ما نشهده في تونس والجزائر وليبيا واليمن ومصر. ألم يقل الامام علي كرم الله وجهه: ‘عجبت ممن لا يجد في بيته رغيف خبز كيف لا يخرج على الناس شاهراً سيفه’. د. صالح بكر الطياررئيس مركز الدراسات العربي الاوروبي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية