مع أن العالم العربي يبلغ سكانه زهاء 300 مليون نسمة مقسمين على 22 بلدا وبه ثروات باطنية هائلة وعائدات مالية ضخمة تؤهله لان يكون في مصاف البلدان الراقية لو كانت هناك أنظمة وطنية تستغل هذه الخيرات في مصلحة البلاد والعباد وتعمل على الاهتمام بقطاع التعليم باعتباره القلب النابض لكل امة أرادت السير في الطريق القويم وضمان مستقبلها ومستقبل أجيالها.فاذا كان حال الأمم المتقدمة تجاه منظومتها التعليمية بهذا القدر من التخوف على نوعيتها ومدى ملائمتها باعتبارها أهم المشاكل التي تواجه كيانها وتهدد وجودها فان البلدان العربية على وجه الخصوص تعيش في سبات عميق غير آبهة بهذا القطاع الحيوي، بل الأدهى والامر أنها تجعله في ذيل اهتماماتها اذ أننا اذا قارنا بين ما يصرف على التعليم والبحث العلمي ان وجد أصلا وبين مشتريات الأسلحة’والأموال المغدقة على الأجهزة الأمنية لاحس الإنسان العربي الغيور بالاشمئزاز ولزادت نسبة اليأس لديه نتيجة البون الشاسع بينهما.في دراستين أجراهما باحثون في كلية بوسطن الامريكية أن المغرب والعديد من بلدان المنطقة تذيلت التصنيف العالمي لاداء طلبة الصف الرابع في العلوم والرياضيات والقراءة وقيمت الدراسة الاتجاهات في الرياضيات والعلوم الدولية اداء 63 دولة في حين قيمت دراسة التقدم في القراءة الدولية اداء 49 دولة وجاء اسوأ اداء في القراءة في المغرب وسلطنة عمان وقطر وكانت اليمن والمغرب والكويت الاسوأ في الرياضيات واحتل اليمن والمغرب وتونس المراكز الأخيرة في العلوم بحسب الدراسة التي نشرت نتائجها يوم الثلاثاء 11 -12-2012في حين تصدرت دول آسيا الغنية نسبيا ومنها كوريا الجنوبية وسنغافورة وهونغ كونغ ترتيب التحصيل العلمي للطلاب على المستوى الدولي وهي النتيجة التي قال الباحثون أنها’ترجع إلى التزام مجتمعي قوي بالتعليم الابتدائي بعكس نظمنا ومجتمعاتنا التي لا تعير التعليم أي اهتمام يذكر ولعل خير مثال على ذلك حالة التعليم المتردية جدا والهبوط الحاد لمستوى المتعلمين خاصة التعليم الابتدائي لما يعانيه من إهمال خطير باعتباره نقطة البداية التي ينطلق منها المتعلم إما تجاه الأعلى أو نحو المنحدر.لا يخفى على المتتبع لمسيرة التعليم في الدول المتقدمة الجهود المضنية التي بدلتها وتبدلها في سبيل تطوير محتوى وطرق وأساليب التدريس خاصة في المواد العلمية كالعلوم والرياضيات فبعد أن فوجئت الولايات المتحدة في عام 1957 بإطلاق القمر الاصطناعي سبوتنيك من قبل الاتحاد السوفييتي خضعت مناهج الرياضيات لعدد من التغيرات والاجتهادات بغرض التطوير ورفع اداء الطلاب في هذه المادة وظهرت أهم وثيقة عن التعليم تحت عنوان’امة في خطر’ التي تؤكد أن مشكلات الأمة الامريكية في التعلم ترجع بالدرجة الأولى إلى انخفاض المستويات الأكاديمية للطلاب والى تدني نوعية التعليم كما تمت الإشارة أيضا بأصابع الاتهام إلى المدرسين أنفسهم وظلت اللجنة التي أصدرت هذه الوثيقة منعقدة حتى نهاية القرن20 بحيث مهدت أيضا لظهور الخطوة التي رسمها بوش الأب عام 1990 بعنوان أمريكا عام 2000 إستراتيجية للتعليم المتضمنة الكثير من اتجاهات الإصلاح.ان جل دول العالم قد خصصت أموالا ضخمة لبناء المدارس والجامعات والمعاهد العليا المتخصصة في كل الميادين وخاصة العلمية وجهزتها بكل الوسائل الضرورية وكونت الكفاءات وأجرت الإصلاحات اللازمة وعقدت الندوات ونظمت المؤتمرات ووفرت الأموال لأجل تطوير التعليم باعتباره نقطة الانطلاق نحو فضاء المعرفة فقد قطعت بلدان عدة أشواطا بعيدة في التنمية بفعل جودة التعليم كما أن الأوروبيين رغم ما وصلوا إليه فإنهم ما برحوا يعملون على تطوير نظامهم التعليمي بينما لازال’قطاع التعليم الذي لن أبالغ ان قلت انه اسم بلا مسمى فاشلا جدا ويتجه من سيىء إلى اسوأ ويتجلى ذلك في عجز العرب الكامل والشامل في ميادين المعرفة والتكنولوجيا والصناعات والاختراعات والابتكارات فلا يعقل أن نقبل منجزات الغرب الحضارية وتقنياته التي أضحت جزءا لا يتجزأ من حياتنا بينما كان أجدر بنا أن نكون أولى بهذه العلوم وهذه المنجزات باعتبارنا امة ‘اقرأ’ التي كانت أول آية نزلت على رسولنا الأعظم فقد أمرنا الحق باكتساب سلاح العلم وتقديسه والرفع من مكانة أهله كما جاء في عدة آيات بينات من القران الكريم والأحاديث النبوية الشريفة.ان التعليم في البلاد العربية يعيش في سبات عميق على الرغم من ادعاءات القائمين عليه بمحاولات الإصلاح الفاشلة والترقيعية والتي لن تفيد في شيء بقدر ما تزيد في تعميق أزمته نظرا لانعدام الجدية في التعامل مع هذا الملف الشائك والخطير اذ أن النظم والمجتمعات العربية ستبقى تراوح مكان التخلف والجهل والفقر والاستبداد والتسلط والعبودية والفوضى وغيرها من الموبقات الهدامة بعيدين ملايين السنوات الضوئية عن روح العصر التي تقدس العلم والعلماء رغم مظاهر المدنية الزائفة فقد أصبحنا كالأرض الجرداء التي لا تنبت شيئا كما تقول الحكمة الصينية ‘الرجل الذي لا يتعلم شانه شان الأرض الجرداء التي لا تنبت شيئا’، فمتى سنفيق من سباتنا العميق ليصبح تعليمنا يزخر بالعطاء؟ ومتى تصبح المعرفة هي الجزء الأكبر من سعادتنا كما يقول الكاتب والمسرحي اليوناني القديم سوفوكليس ‘المعرفة هي الجزء الأكبر من السعادة’.بلحرمة محمد[email protected]