العرض المسرحي «أفراح القبة».. من الإدانة السياسية إلى العرض البوليسي

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ــ «القدس العربي»: «لا يحيا حياة يسيرة إلا المنحرفون، لقد بات البلد ماخوراً كبيراً».

«إنى أدمن الحلم كما يدمن أبى الأفيون، بالحلم أغير كل شيء وأخلقه».
«لا يوجد مَن هو أقسى من المثاليين، هم المسؤولون عن المذابح العالمية». (أفراح القبة)

كتب نجيب محفوظ رواية «أفراح القبة» عام 1981 لتكشف عن فترة ضالة عاشتها مصر، ولم تزل تحيا في ظلها. وكعادة كتابات الرجل تأتي الأحداث والتحولات السياسية الحادة منعكسة على الشخوص في محيطها الاجتماعي والنفسي، وهي المسيطرة والمتحكمة تماماً بمصائر أصحاب الحكاية. فمنذ انقلاب يوليو/تموز 1952 تحولت حياة المصريين، ولم تعد كما كانت، وبالضرورة كان عليهم اختلاق شتى الحيل حتى يتسنى لهم العيش كيفما اتفق. وبهذا يفلسف محفوظ الواقع أو ما يوحي بالواقع، حتى يمكن أن تتجلى الحقيقة، التي بدورها نسبية في المقام الأول، خاصة أن هزيمة 1967 جاءت وقد غيّبت الصوت الأوحد، واليقين المزعوم والثقة المطلقة. فكان لزاماً أن تأتي شخصيات مشوّهة، ولا تمتلك شيئاً سوى عاهاتها تداريها قدر الإمكان، أو تغض الطرف عنها في تواطؤ من الجميع، هؤلاء الذين يشتركون في هذه العاهة أو تلك.
في «أفراح القبة» لم يستثن محفوظ أحدا، الأمر الذي يقترب من عدة أعمال كرر محفوظ من خلالها هذه النغمة ـ إدانة الجميع ـ سواء في روايات مثل «ثرثرة فوق النيل» 1966، أو من خلال السيناريو كما في فيلم «المذنبون» 1975. وإن كانت الرواية قد كُتبت قبل الهزيمة، كمحاولة للتخلص من هذه الفئة المتدنية فكرياً وأخلاقياً، يأتي الفيلم ليجعل من الجميع مشاركاً في مقتل الممثلة الشهيرة. أما «أفراح القبة» فتأتي لتستكمل مسيرة هذه الفئة في نهاية السبعينيات من القرن الفائت، والحال كما هو بل أسوأ، ولا وجود لصوت نقي واحد، بل الجميع يحمل آثامه، ويحاول تجاهلها، حتى يأتي (عباس) ـ المثالي القاسي ـ ليحاكم الجميع كاشفاً حقيقتهم، من خلال عرض مسرحي لتكون المحاكمة علنية، أمام جمهور وهمي، يتلمس بدوره ملمحا من ملامحه من خلال هذا الممثل أو ذاك، فالجميع مدان بشكل أو بآخر.

الشخصيات

(سرحان الهلالي) مدير فرقة مسرحية يقبض على ممثليه وعاملي مسرحه وكأنه قدر لعين، تتواتر الشخوص، من ممثل دور ثاني على هامش الفن والحياة (طارق رمضان)، وبعض من النسوة ـ ممثلات وعاملات ـ لا يخرجن من جب رغباته، يعيش الجميع في تواطؤ وفق هوى ومشيئة صاحب المسرح. حتى يأتي (عباس) الطفل الذي شهد جميع العلاقات، وتربى في مسرح (سرحان الهلالي). عباس ابن كل من (كرم يونس) مُلقن الفرقة، و(حليمة الكبش) عاملة شباك التذاكر. عباس الذي أتقن لعبة المسرح، وقام بتأليف مسرحية ليست من الخيال كالعادة، بل من واقع ما شهده، وما جرى، كاشفاً وجوه الجميع، فلا نستطيع التفرقة بين الحقيقي والخيالي، خاصة أن (تحية) الممثلة الشابة أصبحت سبب الحرب بين عباس وطارق. هنا كل ممثل سيؤدي دوره الحقيقي على خشبة المسرح، من وجهة نظر عباس، ومن هذه النقطة سيبدأ الصراع والأزمات المتتالية في الحكاية.

وجهات النظر

استخدم محفوظ تقنية وجهات النظر في العديد من الأعمال، ربما أشهرها رواية «ميرامار» 1967، التي ترتبط هي الأخرى بجريمة قتل، حيث كان القتيل (سرحان البحيري) ممثل الجيل الانتهازي من يوليو، المتحدث دوماً بالاشتراكية، مردداً أقوالاً قد سمعها في الاتحاد الاشتراكي الذي ينتمي إليه كوضعية اجتماعية أفضل، وهو صاحب الأصول المتواضعة، الذي كان يسرق الشركة التي يعمل فيها ـ إحدى شركات القطاع العام ـ جريمة القتل هنا تتماثل وجريمة قتل (تحية) في أفراح القبة، وإن كان كشف محفوظ عن قاتل البحيري في ميرامار، إلا أن بنية أفراح القبة ـ المنطقة التي تغيم ما بين الحقيقة والخيال ـ جعله لا يكشف عن قاتل تحية. الأمر الأكثر دلالة هنا هو التأكيد على نسبية الحقيقة، فكل شخصية تحكي الحكاية من وجهة نظرها.. كرم يونس، حليمة، طارق، وعباس، الحدث الأساس كما هو، لكن تفصيلات صغيرة هي الفارقة، وهي التي تكشف الوجه الآخر للشخصيات، التي تدّعي بداية الشرف، وأن تورطها في ألعاب مُخجلة جاء نتيجة كل ما هو خارج عن الإرادة، لكن سرداً من وجهة نظر أخرى يكشف زيف ادعاء الفضيلة وقِلة الحيلة، التي جعلت من كل هذه الشخصيات عبارة عن مسوخ لا تنتمي لصفة واحدة من صفات الإنسانية.. قتلة، مقامرين، مدمنين، قوادين وعاهرات، وهم بهذه الصفات لا ينفصلون عن مناخ عام يعيشه الجميع، فما البلد إلا ماخور كبير.

حاول العرض أن يجسد الحالات النفسية للشخصيات، باحثاً عن مبررات لتصرفاتها. هذه المبررات التي تظهر عندما يتم عرض المسرحية، كما كتبها مؤلفها ـ عباس ـ فكان اعتراض الشخصيات على ما يدور على الخشبة

العرض المسرحي

حاول العرض أن يجسد الحالات النفسية للشخصيات، باحثاً عن مبررات لتصرفاتها. هذه المبررات التي تظهر عندما يتم عرض المسرحية، كما كتبها مؤلفها ـ عباس ـ فكان اعتراض الشخصيات على ما يدور على الخشبة، فالأب والأم يجلسان الآن بين الجمهور، ليشاهدا إنجاز ابنهما المؤلف، إلا أن كلا منهما يعترض على ما يحدث، ويصعد ليحكي الحكاية من وجهة نظره، معللاً ومفسراً سبب سلوكه المشين الذي أذاعه عباس على الملأ، حتى طارق يعترض على دوره المرسوم ويخرج عنه موضحاً موقفه. هنا يعمل العرض على فكرة كسر الإيهام ـ كسرا نسبيا ـ ليذكر الجمهور بأن ما يحدث عبارة عن عرض مسرحي، لكن الحقيقة ـ النسبية بدورها ـ غير ذلك. فالأمر لا يعد تخاريف وادعاءات مؤلف موتور لمقتل زوجته (تحية) عشيقة طارق السابقة، التي سامحها عباس، بدون أن يسامح أمه ـ عشيقة الهلالي ـ وزوجة الأب مدمن الأفيون، وصاحب بيت القمار. لكن العرض غيّر من شخصية تحية، عنها في الرواية، وأثقلها بخلفية اجتماعية حاول أن يجعلها نتيجة مباشرة لأحداث سياسية مرّت بها مصر. فالفتاة في الأصل من بيئة لا تختلف عن بيئة ممثلي المسرح، تعرف أن قيمتها في جسدها. لكن لعرض جعلها آتية من بور سعيد بعد العدوان الثلاثي، تم تهجيرها هي وأختها إلى الشرقية، وأن أختها كانت ضمن التلاميذ الذين تم قصفهم فى مدرسة بحر البقر. وما دلالة ذلك لا نعرف! الأزمة الكبرى في العرض رغم تناغم أداء الممثلين والإضاءة والديكور، وهو أمر يُحسب لمخرج العرض لقدرته على توظيف مثل هذه العناصر، هو نهاية المسرحية، التي جعلها محفوظ مفتوحة، من خلال قاتل غير معروف، ليأتي العرض المسرحي ويجعل من (سرحان الهلالي) ــ نموذج عصر الانفتاح ــ هو صاحب اللعبة بالكامل، يتخلص من درية الممثلة، زوجته وشريكته، ثم يوحي لعباس بأن يكتب بأن طارق هو قاتل تحية، حتى يثور طارق، ويتم قتله على يد عباس، طارق شريك سرحان القديم في جريمة قتل وتزوير، يعني الليلة انقلبت سمك لبن تمر هندي، واختتم العرض الذي اجتهد الجميع في تفاصيله بهذه النهاية البوليسية، وكأن الهم الأكبر هو الكشف عن ماهية القاتل وأسباب جرائمة، وهو ما حدث في مونولوج تعلوه موسيقى صاخبة يشرح من خلاله الهلالي ما فعله وهو في غاية السعادة، وقد حقق انتصاره الأخير، أشبه بإله شرير أكثر قسوة من الجميع، الذين أصبحوا كالدمى لا حول لهم ولا إرادة، يقتربون من المقولات الباهتة لبائعات الهوى، كضحايا للظروف وما شابه، وكأن فعل الاختيار أصبح منعدماً تماماً، وهو أمر ينافي منطق وسياق الأحداث.
العرض المسرحي «أفراح القبة» ــ المقام حالياً على المسرح العائم في القاهرة ـ إنتاج فرقة مسرح الشباب، أداء.. عبد المنعم رياض، محمد عبد القادر، جيهان أنور، محمد يوسف، هايدي عبد الخالق، عبير الطوخي، سمر علام، فاطمة عادل، ومينا نبيل. ديكور وإضاءة عمرو الأشرف، تعبير حركي مناضل عنتر، موسيقى أحمد نبيل، أزياء عبير بدراوي. إعداد وإخراج يوسف المنصور.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية