العرض المسرحي «الأرتيست»… حكاية من زمن الفنان البائس

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: الكثير من الفنانين رغم النجاح والشهرة، وما تحقق في فترات ازدهارهم تنتهي حياتهم في صمت، بعيداً عن الأضواء، وفي الغالب يعيشون أيامهم الأخيرة في ضائقة مالية مزمنة. فقط.. تبدو أيام المجد الغابر في تصاوير معلقة على الحائط المتهالك، لتشهد وتُذكّر أن هذا الفنان، أو ذاك كان في يوم ما حديث الجميع. بالطبع هذه الحالة تتكرر، خاصة الأجيال القديمة من الممثلين، وحيث كانت مهنة التمثيل سُبّة ولعنة تطارد الممثل ـ الممثلة بالأخص ـ فيتبرأ منه الأهل والأقارب، بغض النظر عن هذه المهنة الآن، والتي يسعى الجميع لامتهانها، أملاً في تحقيق الشهرة والربح السريع. مع ملاحظة أن حال الممثل زمان لا يختلف عن حال لاعب كرة القدم، حيث ينتهي الأمر بأغلبيتهم بسنوات من البؤس والمعاناة حتى رحيله.
ونذكر من الفنانين التي انتهت حياتهم، بما لا يتناسب مع ما قدموه للفن المصري.. رياض القصبجي (الشاويش عطية)، عبد الفتاح القصري، وإسماعيل ياسين، وكذا العديد من الفنانات، ومنهن زينات صدقي، الذي يدور العرض المسرحي «الأرتيست» عن محنتها، كنموذج للكثيرات مثلها. العرض أداء.. هايدي عبد الخالق، فاطمة عادل، إيهاب بكير، محمد زكي، أحمد الجوهري، محمود حلواني، ريم مدحت، إبراهيم الألفي، عبد العزيز العناني، فيولا عادل، ياسمين عمر، ياسر أبو العينين، مارتينا هاني، ومحمود الغندور. ديكور فادي فوكيه. أزياء أميرة صابر ومحمد ريان. مكياج إسلام عباس. شارك في التأليف أسماء السيد. تأليف وإخراج محمد زكي، وإنتاج مركز الهناجر للفنون.

أهل الفن

زينات صدقي (1912 ــ 1978) من الكوميديانات الشهيرات في عصرها، وحتى الآن. توارت عنها الأضواء في آواخر أيامها، حتى تذكّرها السادات وانتوى تكريمها في عيد الفن عام 1976، إضافة إلى تعيين راتب شهري لها حتى وفاتها. ومن حالة زينات صدقي يناقش العرض وضع الفنان ومعاناته الحياتية، خاصة موقف الأسرة والأهل من داء (الفن) الذي يصيب أحد أفرادها. فقد تتصاعد ضحكاتهم مع هذا وتنسال دموعهم مع ذاك على الشاشة، يحبونه ويقدرونه، ولكنهم يحتقرونه، إذا ما كان أحد الأبناء أو الأقارب ـ حالة الفنانة سناء جميل أيضاً مثال على ذلك ـ بالطبع هذه النظرة اختلفت الآن بشكل أو بآخر، ولكنها لم تنته أو تتغير تماماً، لتتصاعد أغنية إسماعيل ياسين «عيني علينا يا أهل الفن» كمُفتتح وختام للعرض المسرحي.

تكريم الدولة

من اتصال هاتفي من الرئاسة بتكريم زينات صدقي في عيد الفن، تنهض المرأة من سبات طويل بعد استسلام لمصير النسيان الذي تحياه، وتتجسد المعاناة هنا في البحث عن ملابس مناسبة ـ فستان ـ لحضور الحفل ومقابلة رئيس الدولة، حتى تتواتر معاناة الفنانة في لمحات سريعة من حياتها، وما يمثله جيلها، بغض النظر عن واقعة الفستان ــ شائعة أم حقيقة ــ وأنها لم يكن لديها المال الكافي لشراء ملابس تليق بالمناسبة، ومنه لم يكن العرض تأريخا لسيرة زينات صدقي، ولكنه أقرب لحال معاناة الفنان عموماً، خاصة طرده من رحمة أسرته، سواء في ذاك الزمن، أو حتى بعض الحالات في الوقت الحاضر.

خزانة الحكايات

من خلال خزانة الملابس التي تتوسط المسرح، تتواتر لحظات فارقة في حياة الفنانة، من ارتداء فستان الفرح، وهي صغيرة السن، وقد تزوجت رغماً عنها بإصرار الأهل، ثم الطلاق والهروب من المنزل. كذلك رداء منزلي وزيجة أخرى، تنهار وتنتهي أيضاً عند مفاضلة الزوج بين التمثيل أو الحياة معه. وعن طريق الروب الذي تلبسه ويمثل وقتها الراهن ليلاً قبل تكريمها في الغد، بعض من حالات تستعيد فيها لحظات من الماضي، عن طريق الإضاءة والحركة على خشبة المسرح، بأن تخلع الروب وهي في أقصى يمين المسرح، لتصبح في فستان يُظهر مفاتن مرحلة الشباب، حتى تصل إلى يسار المسرح، تستحضر مشهداً من ماضيها، وتعود راقصة سيرتها إلى اليسار، فترتدي الروب مرّة أخرى، وقد عادت إلى زمنها الفعلي.. زمن الحاجة والنسيان. وهي تقنية لافتة من المخرج في بساطتها ودلالة تأثيرها البصري، دون الاستسهال وتصوير مشاهد بالكاميرا يتم عرضها على شاشة في خلفية المسرح، وهي موضة هذه الأيام، التي أصبحت كلاشية سخيف فقد تأثيره.

الممثلة

نظراً لأن المسرحية تدور حول ممثلة شهيرة، لها طريقتها في الأداء الصوتي والحركي، فإن تجسيد شخصيتها ليس بالسهولة المعهودة، فقد تضر المبالغة في الأداء ـ الصوتي بالأساس ـ بالشخصية، التي نراها للمرّة الأولى في حياتها العادية، وقد تنبهت الفنانة هايدي عبد الخالق لهذه المخاطرة، فالأمر لم يقترب من مجرد التقليد، بل تمثل الشخصية وحالاتها المختلفة ـ ذكرياتها ـ في إطار اللحظة الراهنة التي تحياها، حيث التقدم في السن وضائقتها المالية، ومعاداة أهلها وإنكارهم لها، حتى لحظة أو خبر التكريم، الذي رأته خير مثال لتتويج مشوارها الفني بأنها طوال حياتها كانت على حق. فتكون النهاية وهي تقف على المسرح في ملابسها الجديدة، ذاهبة إلى حفل التكريم، وصوت زينات صدقي من حديث تلفزيوني بعد تكريمها يُصاحب لحظة النهاية، قائلة.. «ربنا ينصر الفنانين على أهاليهم اللي مش معترفين بالفن».

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية