«شو اللي جابك عالسفينه
تارك بلادك حزينه
ما شفت هالناس قبلك
ضيعوا العمر وسنينه
شو اللي جابك يا مواطن
ضيقة فيك الأماكن
ما انت بيوت ساكن
لا تزيد البلة طينة». (أغنية من مسرحية الغرف الضائعة)
ستظل قضية اللاجئين وحكاياتهم ــ ربما لفترة لا يمكن التكهن بنهاياتها ــ محل إشكال يعاني منه جميع مَن طالهم أذى السلطة الحاكمة، التي حوّلت المواطن إلى مجرّد لاجئ، يحاول الجميع القضاء عليه، أو التبرؤ منه على أقل تقدير. حالة اللجوء أشبه بعملية النفي المزمن، فأنت غير ذي ثقة لا في بلدك، ولا بالتالي في البلد الذي تحاول الوصول إليه. وتأتي حالة اللاجئين السوريين وتبعاتها من أشد وأقسى الحالات. وعن نماذج من هذه الحالات يأتي العرض المسرحي «الغرف الضائعة»، الذي أقيم في أوسلو، هذا العرض الذي يمكن تصنيفه من قبيل (المسرح الوثائقي).
تعتمد المسرحية طريقة المنولوج لخمسة ممثلين هم حسن قصاص، فراس إمام، براء قصاص، أحمد العك، وأنس سلامة، وهم بالفعل لاجئون سوريون جدد. كل منولوج يحكي عن الغرفة التي اضطر اللاجئ إلى مغادرتها، واحد بعد الآخر يروي بحنين مونولوجه عن غرفته التي لم تعد موجودة إلا في الذاكرة. يصف البيت والأثاث والأحبة الذين كانوا يسكنون البيت، والأشياء العزيزة الصغيرة التي استطاعوا حملها معهم. القصص تصلح مثلما علق كثيرون من الجمهور، لأن تذكر الأوروبيين بأن خيراتهم المادية قد لا تدوم وأنها يمكن أن تضيع ويحصل لها ما حصل لهؤلاء اللاجئين.

على سبيل المثال، يتحدث أحد الممثلين وهو لاجئ من درعا، عن الصالون الذي كان ينام فيه كل أفراد العائلة، يصف الجدران والباب والنافذة، وعلى ماذا تطل وأغصان الشجرة المتلاوحة في إطارها. ويركز على ساعة حائط كبيرة مرسومٌ على مينائها دبَ يحمل جرة بللور تحتوي على عسل. الدبّ يمد يده بها كما لو أنه يقدمها كهدية. وفي تلك الليلة حيث جرت اقتحامات من قبل جيش النظام والشبيحة، كان هذا اللاجئ الممثل يتلصص عليهم من بعيد وهم يدخلون بيته. وعندما رحلوا أتى هو إلى البيت ليجده فارغاً تماماً، والغريب أنهم نسوا ساعة الحائط أو أنهم وجدوها تافهة، وكان الدب في ميناء الساعة مازال يقدم هدية العسل في البيت الفارغ الخرب.
قسّم المخرج خشبة المسرح ببساطة وبدون كلفة تذكر في الديكور، حيث تصطف في الخلف بشكل عشوائي صناديقُ بضاعة عادية من الكرتون، صفحتها المطلة على الجمهور خالية، يرسم عليها الفنان الفلسطيني السوري أنس سلامة ــ أثناء العرض ــ بالفحم وجوهاً وأجسادا متألمة أو في حالة موت، أو وجوهاً مستوحاة من لوحة الصرخة الشهية لإدفارد مونخ.
في الوسط يقطع عرضَ المسرح من يمينه إلى يساره سربٌ متراص كثيف، مثل مجرة كونية، من الأواني الزجاجية المنزلية. وفي الأمام يتحرك الممثلون اللاجئون أثناء منولوجاتهم. وعلى الشاشة في الخلف تماماً تعرض في الوقت ذاته صورٌ وفيديوهات قصيرة عن الدمار في سوريا، ولقطات إنسانية مؤثرة، كما تعرض عليها ترجمة لنصوص المنولوجات إلى الإنكليزية من النرويجية البسيطة التي يتحدث بها الممثلون والتي تلائم لاجئين يتعلمون اللغة للتو. عزف فراس إمام على العود وغنى، كجزء من منولوجه، أغنية مثيرة للحزن مستوحات من مخاطر السفر في البحر بالقوارب الصغيرة، منها..
«بس صبرك يا حبيب
ما انت بديارك غريب
بكره جرحك رح يطيب
ترجع بلادك حزينه».
ولاقى العرض قبول وتعليق بعض النقاد، منهم مثالاً.. قول المعلق الصحافي لارس إلتون «أصبحت كلمة (لاجئ) عندنا مؤذية. كثيراً ما يجرى مطابقتها مع (صائدي سعادة) أو (مهاجر) أو حتى (إرهابيين). ننسى أننا نتكلم عن بشر، وعن أشخاص عانوا وهربوا محزونين. إنهم أناسٌ لهم قصصهم وكان من الممكن أن نكون أنا أو أنت في مثل وضعهم. إنها الصدفة هي جعلتنا نعيش في مجتمع منظم ومستقر. إننا حقّاً متمركزون حول ذواتنا وحول مشاكلنا الصغيرة إلى الحد الذي ننسى أن اللاجئين بشر». وقال بيورغ تونّسن، «هؤلاء الناس شاركونا قصصهم بطريقة ستبقى في مخيّلتي لمدة أطول من الكثير من المشاهد المسرحية التي رأيتها من قبل».
كاتب سوري